أعضاء مجلسي الدولة والشورى : مشروع الاستراتيجية يوفر إطارا داعما لكافة الأنشطة التنموية

مناقشة بدائل الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية –

كتب – زكريا فكري –
استضاف مجلسا الدولة والشورى أمس فريق مشروع الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط، وذلك لتقديم عرض حول المشروع بحضور عدد من المكرمين أعضاء مجلس الدولة وأصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى وسعادة الشيخ علي بن ناصر المحروقي أمين عام مجلس الشورى، وذلك بقاعة النهضة بمجلس الدولة.
وألقى سعادة الدكتور خالد بن سالم السعيدي الأمين العام لمجلس الدولة كلمة رحب فيها بسعادة سلطان بن حمدون الحارثي مستشار الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط ونائب رئيس اللجنة التسييرية لمشروع الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية ، والمهندس هلال بن عبد الرسول الزدجالي مدير عام المديرية العامة للدراسات والأسس العمرانية بالمجلس الأعلى للتخطيط ، والدكتور هلال بن علي القمشوعي مدير مشروع الاستراتيجية العمرانية وأعضاء الفريق ، مشيرا إلى أن هذا اللقاء يأتي مواصلة لنهج مجلسي الدولة والشورى في استضافة المسؤولين والمعنيين بمختلف مؤسسات وهيئات الدولة بغية التعريف ببرامجها وخططها المستقبلية، وذلك في سياق منظومة التنمية الشاملة التي تشهدها السلطنة في جميع المجالات.
وقال سعادته إن اللقاء يتزامن مع الأفراح التي تعيشها بلادنا بمناسبة العيد الوطني الثامن والأربعين المجيد، وقال: أرفع إلى المقام السامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه – أصدق التهاني والتبريكات، مبتهلين إلى المولى عز وجل أن يعيد هذه المناسبة المجيدة على جلالته وهو ينعم بموفور الصحة والعافية، وعلى الشعب العماني باضطراد التقدم والرخاء، وعلى بلادنا الغالية بدوام التطور والنماء والازدهار .
وأكد سعادة الدكتور الأمين العام لمجلس الدولة أن أهمية التخطيط العمراني تزايدت في الوقت الراهن، باعتباره المرجع والإطار الشامل للنمو العمراني الذي يراعي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ويواكب متطلبات التنمية المتوازنة ، مشيرا إلى أن السلطنة أولت أهمية كبيرة للتنمية العمرانية بما يتناسب مع وتيرة النمو السكاني، ويستجيب لدواعي التحديث استنادا إلى أفضل الممارسات العالمية في هذا المجال بما يحقق التكامل بين التخطيط العمراني والقطاعي، ويراعي التوازن بينه وبين البنى الأساسية.
ولفت سعادته إلى أن مشروع الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية والذي يعكف المجلس الأعلى للتخطيط على تنفيذه حاليا، يأتي في إطار هذا الاهتمام لإيجاد إطار شامل تنضوي تحته كافة الأنشطة التنموية، وذلك بالتكامل والانسجام مع الاستراتيجيات والخطط الوطنية الأخرى وفق رؤية شمولية ومتكاملة.
وبين أنه واستشعارا لأهمية التخطيط العمراني، والإسكان، والسياسة الوطنية للسكان، كرس مجلس عمان بمجلسيه الدولة والشورى وخلال فتراتهما المتعاقبة جهودا مقدرة لدراسة هذه الموضوعات ، موضحا في هذا الصدد أن مجلس الدولة أنجز دراسة حول قطاع الإسكان، ودراسة أخرى حول السياسة الوطنية للسكان، كما أعد تقريرا حول قطاع الإيجارات، إضافة إلى موافقة المجلس خلال دور الانعقاد السنوي الثالث من الفترة السادسة الحالية على مقترح اللجنة القانونية بالمجلس بشأن دراسة القوانين الخاصة بالأراضي في السلطنة بهدف الوقوف على التحديات التشريعية التي تواجه هذا القطاع واقتراح سبل معالجتها.
وعبر سعادة الدكتور الأمين العام لمجلس الدولة في ختام كلمته عن تطلعه في أن تسهم مناقشات المكرمين وأصحاب السعادة أعضاء مجلسي الدولة والشورى للمشروع في إثرائه بالأفكار والآراء البناءة .
متطلبات التنمية
وقال سعادة سلطان بن حمدون الحارثي مستشار الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط ونائب رئيس اللجنة التسييرية لمشروع الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية ،ان هذا اللقاء التشاركي والتشاوري المهم يأتي في مرحلة مهمة من مراحل صياغة الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية التي تشرف على تنفيذها الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط ، معتبرا هذا اللقاء إحدى الحلقات الأساسية والرئيسية لمنهجية وضع الاستراتيجية العمرانية وإقرار السياسة العامة للتخطيط العمراني في ضوء خطط التنمية المعتمدة ووفقاّ للاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية .
وأضاف سعادته: لقد مر العمل التخطيطي في السلطنة بعدة مراحل ، كان يستجيب خلالها لمتطلبات التنمية وتطلعات المجتمع، فقد انطلقت التنمية تخطيطا وتنفيذا بوتيرة متسارعة منذ بداية عصر النهضة المباركة لتلبي الاحتياجات الضرورية والملحة وفي كافة المجالات، ثم تلتها مرحلة أخرى اتجهت فيها السلطنة إلى توجيه جهودها التخطيطية لبناء منظومة عصرية من المؤسسات والمشاريع الوطنية لتشمل القطاعات الاقتصادية والخدمية الأساسية. ومع بداية العقد الثالث من عمر النهضة المباركة شرعت السلطنة في بناء رؤية « عمان 2020» الاقتصادية التي تم اعتمادها رسميا بمباركة قائد البلاد المفدى -حفظه الله ورعاه- عام 1996 لتدخل السلطنة مرحلة هامة في التخطيط الوطني الشامل.
واوضح : وها نحن اليوم، نقف على أعتاب مرحلة جديدة من التخطيط، نتشارك فيها جميعا لوضع الإطار الشامل والمرجع التخطيطي لكافة المؤسسات المعنية بالتخطيط العمراني انسجاماّ مع رؤية «عمان 2040» ، وتأسيس إطار عام وسياسة عامة ومنهجية عمل تعتمد في جوهرها على مفاهيم وآليات وأدوات تنفيذية وتقييمية ورقابية للتخطيط العمراني للعشرين سنة القادمة وتلتزم بمبادئ الاستدامة والضرورة الاقتصادية والحماية الاجتماعية.
وأشار سعادته إلى أن الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط نفذت قبل يومين ورشة بدائل الاستراتيجية العمراني :خيارات وتوجهات، والتي تأتي استكمالاً لمجموعة من ورش العمل واللقاءات التي تم تنفيذها في المحافظات المختلفة، مع أصحاب السعادة المحافظين والولاة وأعضاء المجالس البلدية، إضافة إلى أعضاء لجان الشؤون البلدية في الولايات، ومع المختصين والمهتمين من جمعيات المجتمع المدني والأكاديميين والباحثين ، وكافة الوزارات والجهات الحكومية والخاصة المرتبطة بقطاع التخطيط، وكان من أبرز هذه المناشط واللقاءات: حلقة عمل الأولويات العمرانية التي نفذت في شهر أبريل من هذا العام.
وبين أن المشاركة في أعمال هذه الاستراتيجية يأتي امتثالا للتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- بأن يتم إشراك المجتمع في المشاريع والأعمال الوطنية ذات الطابع الاستراتيجي، في خطوة هامة لترسيخ مبادئ الشراكة والتعاون بين كافة قطاعات المجتمع نحو المستقبل، مستقبل دولة المؤسسات والقانون، ومستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ضوء الإيمان العميق لدى القيادة الحكيمة لجلالته – حفظه الله ورعاه – أن التنمية الوطنية مشروع شامل متكامل تتكامل فيه الأدوار والمسؤوليات لا فرق فيه بين البناء المؤسسي وبين استراتيجيات التنمية على أرض الوطن ووفق المبادئ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في النظام الأساسي للدولة.
وأكد سعادته أن المختصين في فريق المشروع وفي الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط سيولون الاهتمام والعناية لكل ما يتمخض عنه هذا اللقاء من ملاحظات ومرئيات ومقترحات ، وسيتم إدراجه في التقرير الختامي الذي سيعرض على المجلس الأعلى للتخطيط ومجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب، في ضوء هذه المرئيات والمقترحات التي تمت صياغتها وفقا لتطلعات كافة قطاعات المجتمع العماني وممثليه في مختلف المجالس والهيئات لترسيخ العمل الوطني المشترك.
الواقع والتحديات
واستعرض العرض الذي قدمه الدكتور هلال بن علي القمشوعي مدير المشروع ، واقع التنمية العمرانية والتحديات، حيث حددت منهجية إعداد الاستراتيجية العمرانية القائمة على الأدلة والبيانات عددا من القضايا الرئيسية التي تسببت ولا تزال في ضعف نمط التنمية العمرانية ، ومن أهمها : التمدد الحضري العشوائي ، وعدم تطبيق سياسة التسلسل الهرمي للتجمعات السكانية ، وعدم كفاية الإجراءات الرامية إلى حماية المناطق البيئية ، والأضرار البيئية الناجمة عن الأنشطة المكثفة للتعدين وإنشاء الطرق، وتطوير المناطق السكنية والاقتصادية في مواقع غير ملائمة ، والهدر في استخراج الموارد المائية الشحيحة ،والزحف العمراني على المناطق الزراعية ، وتحديات الأمن الغذائي ، والاعتماد الكبير على النفط ، والحاجة إلى إشراك القطاع الخاص بشكل أكبر في التنمية الاقتصادية ، والافتقار لوجود أطر تشريعية شاملة في مجال التخطيط العمراني إضافة إلى عدم وجود هيئة معنية بتوجيه ومراقبة النشاط العمراني.
وتبرز هذه التحديات الحاجة لإعداد استراتيجية وطنية للتنمية العمرانية ووضع بدائل للتنمية العمرانية الاستراتيجية للسلطنة . وقد اعتمدت منهجية إعداد الاستراتيجية العمرانية على واقع السلطنة المكاني من حيث المكونات البيئية والاجتماعية والاقتصادية إلي تظهرها الخارطة المكانية للسلطنة، والتي تم تطويرها استنادا إلى مجموعة واسعة من البيانات التي تم جمعها أثناء فترة المشروع .
وتطرق العرض إلى المؤشرات الراهنة المتمثلة في خمسة محاور وهي : التنمية المكانية ، والنمو الاقتصادي ، البيئة والتغير المناخي ، والتنقل المستدام ، والبنية الأساسية المستدامة .
كما تناول العرض الأهداف الاستراتيجية وتتمثل في النمو والتنويع الاقتصادي ، والاستخدام المستدام للموارد ، والأمن الغذائي والموارد المائية ، والمدن والمجتمعات الصالحة للعيش والمُحافظة على الهوية العمانية (خلق مجتمعات متماسكة) ، والاستجابة لتغير المناخ ، و تعزيز وحماية البيئة ، والنقل المستدام والبنية الأساسية.
ويمكن تلخيص أهداف الاستراتيجية من خلال محركين رئيسيين هما: نمط النمو الاقتصادي – الاجتماعي: ويتعلق بحجم التغيرات في عدد السكان والوظائف والأنشطة الاقتصادية. ويبرز ذلك من خال نتائج السيناريوهات الاقتصادية التي قدرت عدد السكان بالسلطنة بين 5.8 مليون نسمة ) نمو طبيعي( و8.3 مليون نسمة ) نمو متسارع ( بحلول عام 2040م ) . ونمط النمو العمراني : وتتميز إما بالتركيز على عدد صغير من المدن الكبيرة وهو ما يسمى بالتنمية المركزية أو التركيز على عدد كبير من المدن الصغيرة و القرى وهو ما يسمى بالتنمية متعددة المراكز.
أربعة بدائل رئيسية
وتم خلال العرض الشرح أنه تم إعداد أربعة بدائل استراتيجية للتنمية العمرانية على المستوى الوطني من خلال نموذج ثنائي المحور للمحركين الرئيسيين، لتكون أساسا للنقاش في الورشة الوطنية الموسعة لمناقشة وتحديد الاتجاهات المستقبلية للتنمية بصفة مشتركة كما أنها ستساعد المجلس الأعلى للتخطيط على اختيار البديل الأفضل للاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية .
واستعرض العرض بدائل الاستراتيجية العمرانية وهي : البديل الأول : المدينة العالمية ويركز على جعل السلطنة مركزا عالميا للتجارة و التكنولوجيا بقيادة العاصمة مسقط و التي سيتم تطويرها كمدينة عالمية. والبديل الثاني : مدن رئيسية ، ويتمثل في جعل السلطنة مركزاً تجاريا إقليميا اً رئيسيا معززاً بمنافذ وخطوط ربط دولية وإقليمية . والبديل الثالث : مراكز المحافظات ، ويركز على أن تلعب المحافظات دورا اكبر في الازدهار الاقتصادي للسلطنة وبشكل أساسي من خلال نمو المدينة الرئيسية في كل محافظة حيث تعد مركزا للمحافظة يضم الأنشطة الرئيسية . والبديل الرابع : مناطق المحافظات ، ويتمثل في تقوية تقاليد السلطنة في التنمية الحضرية وتراثها وتحسينها في مختلف مناطق السلطنة.
واكد الدكتور هلال بن علي القمشوعي مدير مشروع الاستراتيجية بالمجلس الأعلى للتخطيط ان المجلس قد أقام حتى الان 100 حلقة عمل حول الاستراتيجية حتى الآن والتي بدأت تتبلور في شكلها النهائي من خلال 4 بدائل سيتم اعتماد واحدة منها لتطبيقها، مشيرا الى ان الاستراتيجية ستقدم إطار عام لضبط وتوجيه التنمية بكافة أنواعها في مختلف محافظات السلطنة .. فهي بمثابة خطة واضحة لكافة أشكال النمو سواء العمراني أو الاقتصادي وكذلك استخدامات الأراضي وطرق النقل والتخطيط .. فالاستراتيجية تتضمن إطار عام وطني وإقليمي ومخططات هيكلية ومحلية وتسعى لإيجاد ممرات للتنمية ومحددات للتوجه العام والسياسات المختلفة.
وطرح فريق المشروع نتائج عدة استطلاعات للرأي قاموا بها، منها استطلاع على نظام منح الأراضي حيث تبين أن هناك 400 ألف مواطن ومواطنة على قوائم الانتظار ينتظرون حصولهم على أراض سكنية. وتصدر مسقط القائمة بحوالي 110 آلآف انتظار، يليها شمال الباطنة 71 ألف انتظار. كما أن الأراضي الممنوحة ليست مستغلة بشكل جيد حيث بلغت نسبة الإهدار 40% . وكشف استطلاع الرأي أن حوالي 63% مع المساكن ذات التكلفة المنخفضة عوضا عن توزيع الأراضي و15% قالوا بدعم مالي حكومي بدلا من الأرض.
نقاشات ومداخلات
وأكد المكرمون أعضاء مجلس الدولة وأصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى في مداخلاتهم على العرض ومناقشاتهم لمشروع الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية، أهمية المشروع في توفير إطار داعم لكافة الأنشطة التنموية ، وتوجيه التنمية العمرانية في السلطنة، وفتح آفاق واعدة أمام الاستثمار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الإسهام في تحديد مواقع مدن المستقبل سواء السكنية أو الصناعية أو اللوجستية أو التجارية أو السياحية. وأشادوا بالمشاركة المجتمعية في مراحل إعداد المشروع من حلقات العمل والاجتماعات واللقاءات بمختلف محافظات السلطنة ، منوهين بتركيز المشروع على تنمية الموارد البشرية وبناء القدرات الوطنية المؤهلة لإدارة النظم التخطيطية التي يتم إعدادها ضمن مشروع الاستراتيجية.