عطر : الشخصنة عقم فكري

رندة صادق –
rndanw@hotmail.com –

كلما دار نقاش بين اثنين حول اشكالية ما، سيطرت الشخصنة على الموقف وتصدرت الحدث، وبات النقاش سيرة ذاتية، وطروحات أبعد ما تكون عن الموضوعية، والغاية من النقاش، واحتدمت الكلمات باحثة عن النجاة من مطب الأنا وإنجازاتها، وغالبا ما يقع الجميع بفخ الشخصنة محاولا إثبات وجهة نظره، فينقلب الجدال إلى معركة وجهة نظر مرتبطة بتجربة الشخص لا بالمعطيات الواقعية أو بأوليات الإشكالية التي تم طرحها.

بداية الشخصنة كتعريف هي: “الحكم على الأفكار أو الأحداث من خلال الشخص المنسوبة إليه، لا من خلال مضمون الفكرة أو طبيعة الحدث وظروفه”. وهي لا تتعلق فقط بالشخص كفرد عددي، بل هي ممكن أن تكون أحكاما مطلقة تطلقها جماعات تجمعها الأهداف الواحدة أو دولة أو مجموعة دول لها مصالح مشتركة، وهذه شخصنة أكثر تعقيدا ليس مقالنا هذا مجال بحثها.
الشخصنة صفة سيئة تعود بمردود سيء على من يعاني منها، وهو يمارسها دون أن يدرك أنها دليل يدين فكره ولا يدعم وجهة نظره، كما أنها خلل يضع المحاور بمواجهة بين قناعته ودرجة وعيه وقدرته على إثبات رأيه وبين مستوى الموضوعية والتجرد من الأنا، وتناول الموضوع بموضوعية وشمولية قادرة على رؤية المشهد من كل الزوايا. وهي اضطراب سلوكي لها بعد نفسي، كونها قد تصل الى تعظيم الذات وتقديس الآراء المتبناة وعدم القبول بنقدها أو حتى محاججتها بأي براهين تنفيها، والإقرار بتفرد خبراتها وما اكتسبته من تجارب حياتية تعمم على المحيط، وقد تتحول إلى عدوانية ظاهرة في ردات الفعل وتصل إلى استخدام لهجة مشبعة بالازدراء والتعالي وتحقير وجهة نظر الآخر، ونقل مستوى النقاش إلى الهجوم المباشر والتحدي التصاعدي والتجرد من قيم التواصل والنقاش. الشخص الذي تحكمه الشخصنة يشعر بتفرده، وبأنه حالة متميزة وتجربة استثنائية ويحمل أحكاما مسبقة واستدلالات خاصة به، يظن أنها خلاصة كل التنوع الإنساني، حيث تمكن هو وحده من اكتشافها واصطفته الخبرات ليكون مبشرا لها، مقاتلا يدافع عنها بكل ما أوتي من بلاغة ولغة ومن قوة أو استقواء. الشخصنة تناقض الموضوعية وهي تنتشر في كل مكان بمعنى نحن نلاحظها بالأفراد والعقائد وبالإعلام والخ. لكن هل يمكن حقا أن نتخلص من الشخصنة؟ الجواب: (لا ونعم) وهو جواب ملتبس؛ لأنها إشكالية ملتبسة، فنحن فعلا لا يمكننا فصل الأنا والتعامل مع المواقف من خارج الحدث، وكأننا الطرف الثالث فيه، هذا أمر شبه مستحيل لأننا معنيون به ونتحرك من تاريخنا الحياتي والنفسي والثقافي وكل ما يشكل شخصنا، وهذا يجعلنا نجيب بـ”لا”، ولكن لا شيء قاطع أو مستحيل، لذا فبإمكاننا أن نجيب بـ”نعم” أن انطلقنا من قاعدة واحدة لا يوجد غيرها في أي نقاش، وهي أن العالم بأسره وبما عليه من أمور محسوسة وأمور ما ورائية هو عبارة عن وجهات نظر، من هنا يمكن الانطلاق في قبول طرح الآخر والتعامل معه بتساو منطقي، وبالتالي فكرة الإلغاء والازدراء والتعالي يتم نزعها من المشهد، واستبدالها باستعداد لطرح وجهة النظر لا لفرض وجهة النظر.
بالطبع حين تُطرح قضية مجتمعية مثلا، من الغباء أن يبدأ الإنسان في استخدام نفسه كمثل لها، لأنه هو لا يتعدى أن يكون تجربة خاصة لها ظروفها الخاصة، فالحكم على قضية مجتمعية لا يتعلق بالفرد بل بردات فعل شريحة واسعة من الناس التي هي حتما متفاوتة، لأن هذا يمكننا من القياس الموضوعي الذي يمكن برهنته من خلال إحصائيات تعزز الطرح وتدعمه. من هنا الشخصنة ركيزة ضعيفة بأي نقاش جدلي، وهذا الأمر بالإمكان تفاديه أن تمكن المحاور من التميز بين القضية العامة والحالة خاصة.