د.يوسف الفارسي: 90 % من مرض السكري هو من النوع الثاني

يبقى مختفيا لفترة تزيد عن خمس سنوات أحيانا –

تحدث إلينا في مقال سابق اختصاصي طب الأسرة د. يوسف الفارسي عن النوع الأول من السكري، وذلك ضمن سلسلة مقالات طبية بالتعاون مع الرابطة العمانية لطب الأسرة، وفي هذا العدد يوضح د. يوسف كل ما يتعلق بالنوع الثاني من السكري، حيث يجهل البعض كنهه ويطلق عليه مسميات عديدة كالسكري غير المعتمد على الأنسولين، أو سكري الكبار، وغيرها من الأسماء الكثيرة. ونظرا لما يحدث من التباس في خلط أنواع السكري المختلفة، ولكون هذا النوع الثاني من السكري هو الأكثر انتشارا حيث يشمل 90% من إجمالي مرضى السكري في أي مجتمع، استوجب الأمر طرح هذا المقال للتعرف على النوع الثاني من السكري بشيء من التبسيط والتفصيل وذلك عبر محاور عديدة لسبر أغوار هذا النوع وتحديد مسبباته وكيفية حدوثه.

من المعرض للإصابة؟
يذكر الفارسي أن النوع الثاني من السكري يصيب في الغالب من تجاوز عمره الخمسة وثلاثين سنة، إلا انه من الناحية الطبية يمكن حدوث هذا النوع في أي عمر حتى عند الأطفال وصغار السن، بل ان هذا النوع بدأ يظهر بشكل كبير لدى الأطفال في مجتمعات عديدة وخصوصا مجتمعنا العربي، وهذا النوع لا يفرق بين الجنسين فهو يصيب الرجال والنساء على حد سواء، ويحدد الإصابة عوامل الخطورة المختلفة، وتزداد نسبة الإصابة كلما زاد عدد عوامل الخطورة وهي كالتالي:

أولا: العامل الواراثي:
ويعتبر هذا العامل من أهم العوامل المسببة لانتشار هذا النوع في المجتمعات العربية نظرا لكبر حجم الأسر والتزاوج بينها، وقد تصل نسبة الإصابة لبعض الأسر بما يزيد عن 90٪ من أفرادها البالغين، ولم يتمكن الطب حتى وقتنا الحاضر من تحديد المورثات الناقلة لهذا النوع من السكري بشكل دقيق.
ثانيا: السمنة:
حيث تؤثر زيادة الكتلة الشحمية الدهنية على الأنسولين وتعيق عمله وبالتالي تؤدي الى ارتفاع نسبة السكر في الدم. وتأثير البدانة على رفع معدلات الإصابة واضح جلي في العديد من الدراسات التي تمت على المجتمعات المختلفة، بل إن هناك تناسب طردي بين معدل الإصابة وكتلة الجسم، ولقد أثبتت برامج الوقاية المختلفة والمعتمدة على خفض كتلة الجسم إلى تراجع نسبة الإصابة بالسكري على مستوى المجتمعات التي نجحت في برامج مكافحة السمنة.
ثالثا: الغذاء:
إن استهلاك السعرات الحراية الزائد عن حاجة الجسم يؤثر مباشرة في رفع معدل سكر الدم عندها تبدأ خلايا بيتا الموجودة في البنكرياس في الضعف والتراجع التدريجي.
رابعا: قلة الحركة والنشاط البدني.
وهذه تؤثر على خلايا الجسم المسئولة عن حرق السكر وعند فقد الحيوية والحركة يفقد الأنسولين جزءا كبيرا من تأثيره وعمله في أنسجة وخلايا الجسم المختلفة.

كيف تحدث الإصابة؟
إن هناك توازن داخل الجسم بين ما يكسبه من طاقة وما يستهلكه بصورة يومية، ويأتي هذا التوازن عن طريق إحراق السكر لإنتاج الطاقة، والإنسان الطبيعي يمتلك قدرة متوازنة في إفراز الأنسولين لإدخال سكر الدم إلى الخلايا وإنتاج الطاقة، وهذا الاتزان قد يختل لأحد الأسباب التالية:
أولا: ضعف خلايا بيتا المفرزة للأنسولين وراثيا وذلك مع تقدم العمر، حيث أن التقدم في العمر للإنسان الطبيعي يولد ضعفا تدريجيا لخلايا إفراز الأنسولين ولدى بعض الأفراد تسارع في ضعف هذه الخلايا وراثيا، ولذلك يظهر السكر من النوع الثاني عند الأشخاص غير البدناء في العقد الثالث أو الرابع نتيجة لهذه الظاهرة.
ثانيا: ضعف استجابة خلايا الجسم للأنسولين حيث يتسبب هذا الضعف بإفراز كميات كبيرة من الأنسولين، مما يؤدي إلى ضعف اكثر أو تلف خلايا بيتا بسبب الإجهاد، فعلى سبيل المثال زيادة الجسم بمقدار 10% عن الوزن المثالي تسبب مضاعفة إفراز الأنسولين من خلايا بيتا، وهذا بدوره يؤدي انهاك وإجهاد البنكرياس وخلايا بيتا، مما يؤدي في النهاية إلى تراجع كميات الأنسولين المفرزة وارتفاع معدل سكر الدم وحدوث النوع الثاني.
إذ يمكن أن يحدث النوع الثاني لأحد السببين السابقين أو كلاهما، وإن كانت النتيجة في نهاية الأمر حدوث ارتفاع في معدل سكر الدم والإصابة بأعراض ارتفاع السكر.

يبدأ مختفيا
وأوضح الفارسي أن النوع الثاني من السكري يختلف عن باقي الأنواع، حيث يبدأ مختفيا لا يشعر به المريض إلا إذا أكتشف مصادفة عن طريق فحص سكر الدم، وفي الغالب إن هذا النوع يبقى مختفيا لفترة تزيد عن خمس سنوات لأن معدل ارتفاع السكر يحدث تدريجيا، بعكس النوع الأول الذي يأتي حادا ومفاجئا. ولذلك فإن الكشف المبكر والفحص الدوري مهم لمن لديهم عناصر الخطورة المذكورة سابقا، ويتم الفحص بقياس معدل سكر الدم صائما أو عشوائيا بعد الوجبات، وبرنامج الفحص المبكر عن الأمراض المزمنة في السلطنة يشمل فحص السكري، حيث يمكن القيام به في أقرب مركز صحي.
ولكون هذا الداء يبدأ مختفيا، فإن بقاءه مختفيا لسنوات قد يجلب مضاعفات السكري فتكون هي أولى الأعراض، فقد يلاحظ المريض تراجع في الإبصار، وعندما يأتي لطبيب العيون يكتشف الطبيب وجود اعتلالات في شبكية العين، كما قد يكتشف المريض إصابته من خلال وجود الزلال في البول دالا على اعتلالات الكلى، كما قد يظهر السكري على صورة اعتلالات في أعصاب القدمين من خلال شكوى تنميل أطراف القدمين أو الإصابة بالضعف الجنسي.
إن ظهور أعراض مضاعفات السكري قد تكون هي أولى المؤشرات للإصابة، ولكنها تعني في الوقت نفسه إن الإصابة به قد حدثت منذ فترة زمنية طويلة.

طريقة التشخيص
وهنا يشير اختصاصي طب الأسرة أن طرق تشخيص النوع الثاني من السكري عديدة، وتعتمد اعتمادا رئيسيا على معدل سكر الدم في أوقات مختلفة، إلا أن وجود أعراض ارتفاع سكر الدم قد تكون إحدى الإشارات الأكيدة للإصابة التي يلزم التثبت منها عن طريق قياس سكر الدم، بحيث يشير ارتفاع معدل سكر الدم بعد الصيام (لمدة لا تقل عن ثمان ساعات) عن126 ملجم/ ‏دسل إلى الإصابة بالسكري، في حين يكون التشخيص هو مرحلة ما قبل مرض السكري إذا تراوحت نسبة سكر الدم الصائم بین 110 و125 ملجم. أما عندما تستخدم نسبة السكر العشوائية فإن ارتفاع هذه النسبة عن 200 ملجم/ ‏دسل دليل على الإصابة بمرض السكري .

أعراضه
كما ذكر سابقا فإن أكثر من 50٪ من مرضى هذا النوع لا يشعرون بأي أعراض على الإطلاق بل تم اكتشاف عندهم عشوائيا، أما النصف الآخر فإن الأعراض غامضة ومتنوعة.
إلا أن أكثر هذه الأعراض حدوثا هي العطش وكثرة التبول التي تصاحب ارتفاع معدل سكر الدم، وخروج البول بكميات كبيرة يستدعي طلب الماء والإحساس بالعطش الزائد، كما أن تناقص الوزن قد يكون أحد ظواهر هذا النوع من السكر، لأن الجسم يبدأ بتكسير الدهون من الطبقات الشحمية حتى يحصل على الطاقة التي لا يمكن الحصول عليها من السكر نظرا لنقص الأنسولين، ونقص الوزن بهذه الطريقة يعد حاله مرضية وليس طبيعيا.
كما أن من أعراض النوع الثاني من السكري ظهور تشوش واضطراب في النظر نتيجة لتذبذب وارتفاع معدل سكر الدم، هذا غير الأعراض الأخرى الكثيرة كظهور المضاعفات المذكورة سابقا، أو حدوث التهابات جلدية مختلفة، كما أن ظهور الالتهابات الفطرية وخاصه بين الأصابع قد يكون أحد أعراض الإصابة بهذا النوع من السكري، وقد تأتي أعراض هذا النوع من السكري بصورة أعراض عامة كالشعور بالإجهاد وآلام الجسم المختلفة وقلة الرغبة في الحركة ونقص الحيوية وجفاف الجلد.

هل يمكن اختفاء النوع الثاني؟

يشير د. يوسف الفارسي قائلا: يتردد هذا السؤال كثيرا بل يتناقل الناس العديد من القصص التي تحكي اختفاء السكري عن بعض المرضى، ويتصور الناس أن هؤلاء قد شفوا تماما من السكري، والحديث هنا عن النوع الثاني فقط ولهذا فإن توضيح هذه الظاهرة يعتمد على فهم ما ذكر سابقا حول أن ارتفاع معدل مقاومة الجسم للأنسولين قد تزيد من إفراز الأنسولين إلى أن يصل الجسم إلى درجة يحدث فيها ارتفاع معدل سكر الدم، وفي هذه الحالات يظهر دور إزالة عامل المقاومة ليعود معدل سكر الدم إلى وضعه الطبيعي.
ولذلك فإن المريض البدين عندما يبدأ بفقد الوزن تبدأ نسبة السكر بالانخفاض تدريجيا إلى أن تصل إلى المعدلات الطبيعية، فيظن المريض أن السكري قد زال وأنه عاد مرة أخرى إلى وضعه الطبيعي ويترك الحمية الغذائية والرياضة، وهذا الظن في غير محله، وذلك لأنه لو تعرض هذا المريض إلى فحص محلول السكر او ما يسمى فحص تحدي وتحمل السكر فسيظهر ارتفاع معدلات السكر جليا لديه، ولذلك فإن القول الفصل في مثل هذه الحالة هو أن معدل السكر عاد طبيعيا، إلا أن الإصابة بالنوع الثاني من السكري لا تزال موجودة وتنتظر أي مؤشرات خارجية لتنعكس بصورة ارتفاع في معدل سكر الدم. بالنظر الى عوامل الخطورة للإصابة بالسكري من النوع الثاني وهي العامل الوراثي والسمنة والغذاء وقلة الحركة والنشاط البدني، يتبين انه لا يمكن تغيير العامل الوراثي، ولكن بمقدور المريض ان يتحكم في العوامل الثلاثة الاخرى وهي تشكل ثلثي علاج السكر، في حين تشكل الأدوية المنظمة للسكر الثلث الباقي، ولا يمكن التحكم في السكري بدون السيطرة على عوامل الخطورة.