وتر: بين الصداقة والحُب

شريفة بنت علي التوبية –

مع إيماني العميق أن الحب الحقيقي لا وجود له سوى في قلوب الأمهات، فإن أي حب غير حب الأمهات ليس سوى عاطفة وقتية ظرفية، وأن أي علاقة تبنى على المحبة فقط فهي علاقة ناقصة، لأن العلاقة الناجحة تبنى على أساس الصداقة والحوار، وأي حب لا يرقى لمستوى الصداقة (لا يعول عليه)، وأي حب يعجز من أن يصل إلى ذلك المستوى يتعب ويمرض ويصاب بالهشاشة ولا يقوى على السير، بل يموت في منتصف الطريق إن لم يكن في أوله، الإنسان كائن عاطفي فلا يحتاج إلى (مانيكان) أو دمية، بل يحتاج إلى إنسان يشعر به ويحدّثه ويستمع إليه، يحاوره بنفس اللغة التي يتحدث بها، إنسان يأخذ بيد روحه نحو الأمان.
فلا يكفي أن تحب زوجك أو أبناءك ما دمت عاجزاً من أن تكون صديقاً لهم، فالعلاقة الزوجية التي غادرت جسدها روح الصداقة لا يمكن أن تكون علاقة ناجحة، ولا يمكن أن تستمر وأن استمرت فما هي سوى علاقة متعثّرة وشكل اجتماعي زائف كبقية الأشكال الأخرى أو الصور التي نجمّلها ونستعرضها أمام الآخرين من أجل أن نقول لهم كم نحن سعداء، وقد تضحي بأن تبقى في مثل تلك العلاقة لأنك مع الشريك الذي تحب كما يتراءى لك، ولكنها علاقة ميتة محنّطة، علاقة لا يعلم فيها الشريك عن الشريك سوى أنه على قيد الحياة.
كذلك الأب الذي لا تتجاوز علاقته بأبنائه أكثر من العلاقة المادية، ويعتقد أن ما يفعله منتهى الحب وقمة العطاء، ولكنه يبخل عليهم بوقته وعاطفته فلا يجلس معهم، ولا يحدّثهم ولا يعرف عنهم شيئاً، بل ربما لا يعلم حتى بأي فصل دراسي يدرسون، لا يسألهم عن تفاصيل يومهم ولا يبتسم لهم، لا يلعب معهم، ولا يعرف ماذا يحبون وماذا لا يحبون، لا يحك لهم حكاية، لا يعرف عنهم أكثر من أسمائهم المرتبطة باسمه، ولا يعرفون عنه سوى أنه محفظة نقود أو بطاقة بنكية، أنه يحبهم كما يعتقد، لكنها محبة ينقصها وجوده كصديق هم بحاجة إليه، وحينما يكبر ويكبرون يندهش من عدم برّهم به وعدم اهتمامهم، وينسى أن البر لا يُعطى ولا يُورّث لكنه يُربّى في قلوب الأبناء؛ بزرع المحبة والرحمة والاهتمام بالآخر في نفوسهم، فالحب وحده لا يكفي لبناء حياة، فكن صديقاً قبل أن تكون حبيباً، ولا يكفي أن تغني للحب وأنت لا تعرف ترجمة ذلك الشعور إلى حياة حقيقية.