أبعاد جديدة للتنافس بين العام والخاص

مصباح قطب –

لم تنجح تجربة الشراكة بين القطاعين العام والخاص في منطقتنا بالشكل المأمول رغم مضي أكثر من عقدين على محاولات تطبيق ذلك في بعض المجالات لعل أهمها كان التعليم والمرافق الأساسية ، وهناك عوامل موضوعية وراء ضعف الحصاد أهمها تعقيدات النظام نفسه وما ينطوي عليه من مساحات تخلق فرصا للجور على حق الخزانة العامة أو على الجمهور واحيانا على القطاع الخاص بالإضافة طبعا إلى تراث عدم الثقة ومدى جاهزية الطرفين. لكن المرحلة الحالية تشهد بوادر انطلاقة كبيرة لتلك الشراكة مدفوعة بالتطور المثير في القطاع الخاص العربي واضطرار الحكومات إلى التصدي الحاسم لاختلالات الموازنات العامة بعد عقود من التردد ما يجلب معه الحد من الدعومات والإنفاق العام عموما. غير أن ما يزيد من فرص ازدهار هذه الشراكة هو أيضا تطور مفاهيم الرقابة في ظل تكنولوجيا المعلومات بحيث أصبح من السهل تحديد الأدوار والمنافع وأيضا تحقيق قدر عال من الشفافية والمساءلة. ولعل ما تشهده قطاعات الرعاية الصحية في بلادنا يشير إلى مدى التقدم الضخم الذي يمكن أن تحققه الشراكة من منافع لكل الأطراف شريطة اختيار نموذج العمل المناسب والتوافق مع معطيات الوضع الاقتصادي والاجتماعي والديموغرافي بل والسياسي لكل بلد. وقد بدا جليا ما يمكن عمله فور إعلان مصر كمثال الموافقة على قانون التأمين الصحي الشامل والذي يتضمن تشكيل ثلاثة كيانات أساسية واحدة لتقديم الخدمات الصحية. الثانية للاعتماد والتسجيل والرقابة والثالثة للتمويل ، ويسمح لكل من يستطيع تقديم الخدمة وتنطبق عليه الشروط دخول المضمار سواء كان عاما أم خاصا – محليا أو اجنبا – أو حتى أهليا ، في نوع جديد من المنافسة المفتوحة.
ولأن الأمر سيكون جديدا على المستشفيات العامة فقد قامت الدولة بضخ مليارات من الجنيهات في هذا القطاع خلال السنوات الأربعة الماضية لتحسين وضعية المستشفيات الحكومية كمؤشر إيجابي على اهتمام الدولة بتطوير هذا القطاع  ورغبتها في التنافس الفعال في مستوى الرعاية الصحية مع مقدمي الخدمة من القطاع الخاص على الجودة  التي لن تقتصر على من هم غير قادرين على تكاليف القطاع الخاص بل ستنافس وبقوة على تقديم أعلى معايير الرعاية الصحية لكافة شرائح المجتمع. مع ملاحظة أن الأمر يشمل أيضا دخول العيادات والصيدليات والمستوصفات الخاصة في التنافس مع القطاع العام. وكما أشرت فسيكون للربط الإلكتروني أهمية قصوى في المنظومة فأي مريض داخل نظام الرعاية الصحية يريد أن يعالج ويخرج من العلاج  بنتيجة سليمة وصحيحة ١٠٠٪  فهذه الرغبة ستتم ترجمتها كميا أو معياريا ، ولذا لابد من توفير أفضل الممارسات التي تضمن أعلى نتائج للرعاية الصحية مع وضع معايير لقياس مدى نجاح تلك الممارسات للتأكد من كفاءتها. هناك كذلك التأكد من تأمين المريض والعمل على ضمان عدم إصابته داخل المستشفى أو المنشأة الصحية بأي شكل من الأشكال مما يحول دون تدهور حالته الصحية. والهدف هنا هو الوصول إلى القضاء بالكامل على الأضرار الممكن الوقاية منها عن طريق وضع نظام متكامل خالي من الأخطاء بحيث لن يسمح بأن تتسبب المنظومة في إلحاق الضرر بأي مريض عمداً أو بغير عمد. تلعب التكنولوجيا أيضا دورا في جعل تكلفة الرعاية الصحية مناسبة وفي متناول الجميع ودعم الرقابة والتأكد من عدم الإهدار الذي يصل إلى نحو ٤٠٪ من إجمالي المصروفات والعمل على القضاء عليه وإعادة استثماره بشكل إيجابي وفعال.
سيسهل كذلك الحصول على أعلى مستوى  من الرضا من مستخدم الخدمة والمريض الناتج عن التجربة التي يمر بها متلقي الخدمة داخل المؤسسة الصحية خلال رحلة العلاج وستقوم الهيئة المعنية بقياس مدى رضا المريض عن الخدمة المقدمة بشكل دوري.
ولن يتم تشبيك ناجح إلا بوجود معلومات كافية عن شبكة الرعاية الصحية التي يقدمها القطاع الخاص – كيانات أو أفراد – فكل عيادة أو صيدلية ملزمة بحد أدنى من الجاهزية التكنولوجية ومن البيانات لتتشاركه مع النظام كله بشكل محكوم.
ومع كل ما تقدم فإن أكثر ما يعني القطاع الخاص هو وجود آلية مرنة وواضحة لتسعير الخدمة وسيجري ذلك عن طريق لجنة مشكله من جميع أطراف المنظومة الصحية سواء الحكومية أو المستشفيات الخاصة وشركات التأمين لضمان وضع تسعيرة عادلة لكل الخدمات لتتناسب مع القطاع الخاص والأطباء سواء أكانوا استشاريين أو أخصائيين . لأن للحكومات ممثلة في وزارات المالية عادة تراث طويل في تأخير صرف المستحقات فقد عمد النظام وأيضا بمساعدة تكنولوجيا المعلومات إلى  التحديد الدقيق للموارد ومصادرها وضمان استقلالية الكيان التمويلي عن الجهاز البيروقراطي بما في ذلك وزارة المالية  حتى يسدد التزامات الجميع وفق أسس وحدة. والمعروف أن جانبا من التمويل فقط سيأتي من الخزانة العامة.
السؤال الآن : كيف نراقب المنظومة ونحاسب المقصر أو لمخطئ وفى الوقت نفسه نؤمن البيانات ؟ لقد تم تأسيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية بحكم قانون التأمين الصحي وهي مسؤولة عن الاعتماد والرقابة على مستوى الجمهورية ومنوط بها العمل على تغير وتطوير هذا القطع الحساس والارتقاء بمستوى تقديم الخدمة الصحية فيه للوصول إلى المستويات العالمية ولضمان النجاح ورصد الثغرات والتصدي لها تقرر البدء بمحافظة ساحلية كنموذج تجريبي متكامل يتم من خلاله تطبيق معايير الرعاية الصحية الجديدة والعمل على تطويره وإنجاحه ليكون أنموذجا عالميا يتم تعميمه على مستوى الجمهورية.
دور الهيئة الرقابي ليس ، ولا يجب أن يكون ، الهدف منه القمع أو إفشال المؤسسات أو التخويف أو فضح الأخطاء بشكل جزافي بل مجابهة التحديات والمشاكل مع كل الأطراف . وكيف يمكن أن تكون المنافسة شريفة بين الأطراف الحكومية وغير الحكومية ؟. لن يتم ذلك إلا بالتسعير العادل. المرة وتطبيق القواعد والقوانين السارية على الجميع وذلك هو دور هيئة الاعتماد و الرقابة الصحية حيث إنها تضع المعايير للجودة وتراقبها وتعتمد تطبيقها علي منشآت الرعاية الصحية . واقعيا لاحظت إقبالا منذ سنوات من مستثمري دول كالسعودية والإمارات على الاستثمار في القطاع الطبي في مصر فهل كانوا يراهنون مبكرا على التأمين الصحي الشامل ؟. أنه أراد جدا أن يكون كذلك ولكن على الجانب الآخر هناك إقبال منهم ومن غيرهم بسبب التعداد السكاني الكبير في مصر وعليه فهي فرصة للقطاع الخاص في الحصول على حصة من كعكة الخدمات الصحية الضخمة.
يتخوف الجمهور أيضا عادة من التمييز في تقديم الخدمة بين صاحب شأن أو نفوذ وبين مواطن عادي لكن ما يزيل الخوف أن التأمين الصحي الشامل إجباري على الجميع وليس اختياريا لكن لكل مواطن أن يختار مقدم الخدمة الذي يثق فيه، في النهاية فإنه يقال دائما إنه إذا لم يحدث فرق اضح في مدى التغطية وطريقة تقديم الخدمة فلن يتحمس الناس للتأمين الصحي وسيعتبرون اشتراكاته أتاوة جديدة ويعودون إلى النظم التي اعتادوها وهذا تحد مهيب لكل أطراف المنظومة وعلى البرلمانات وجمعيات المجتمع المدني أن تكون شريكا فاعلا في الرقابة والتقويم. القطاع الخاص العربي أمام اختبار تاريخي وفرصة تاريخية أيضا فنحن نتكلم عن إنفاق لن يقل عن ١٠ ./‏‏‏. من الناتج المحلي في كل بلد.