«عطسة» تسببت في وفاة موظف!

د.عزة القصابي –

تناسلت أحداث مسرحية (عطسة) لفرقة المسرح الكويتي عبر لوحات بصرية مستوحاة عن رائعتي الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف (وفاة موظف، والدب). مغامرة إبداعية فنية بظلال أدبية روسية، حاولت أن تخاطب الجمهور العربي عبر جسور من التواصل الإنساني.
منطقة مهمة اختارها المخرج الكويتي عبدالله التركماني ليمزج نوعين من الإبداع الفني؛ هما: القصة والمسرح بمساعدة كل من محمد المسلم وسامي بلال اللذين قاما بإعداد وتوليف أحداث قصة (وفاة موظف) التي ألفها تشيخوف عام 1883م، وهي التي نشرت في المجلة الروسية (أوسكولكي)، كما ترجمت إلى الكثير من اللغات حتى وصلت إلى عالمنا العربي، وبين مسرحية (الدب) ذات الفصل الواحد، التي كتبت عام 1888م .
ألهمت مسرحية (الدب) الكثير من مبدعي الأدب والدراما لقرابة ثلاثة قرون لإنتاج أعمال درامية تضحك وتبكي في آن واحد (الكوميديا السوداء). تتحدث هذه المسرحية عن رجلين يلتقيان في حديقة الحيوان. يجلس الرجل الأول ويبدأ بقراءة كتاب في انسجام تام. يدخل شاب يحمل لوحة يثبتها، يستكمل الرسم في صمت، دون أن يلتفت لذلك الرجل الذي يقرأ على الأريكة قريبا منه.
بعد مرور برهة من الزمن، يلتفت الرسام إلى الرجل الجالس قريبا منه، ليبدأ في طرح أسئلة عليه: ما عنوان الشارع الذي هما فيه، وكم تبعد الحديقة عن الشارع، وما أسماء الشوارع المحيطة بحديقة الحيوانات؟ … كما يسأل الشاب الرجل عن حياته الاجتماعية.

يتضح من خلال أحداث هذه المسرحية فكرة تبادل الأدوار التي استهوت انطوان تشيخوف في الكثير من أعماله. فنجد الشاب يتقمص دور الرجل، الذي يبدأ في التحدث عن حياته الشخصية. فهو أعزب يعيش وحيدا في الطابق العلوي من العمارة. كما يبدي امتعاضه من الجيران الذين يظهر عليهم الغموض والانفلات العقلي، كما أنه يمقت كلبهم، بل إنه حاول مرارا وتكرارا أن يدس السم له … ولكنه لم يمت !

تداخلت الأحداث في اتساق حلقي يتقاطع مع الإطار العام لمسرحية (العطسة)، وكان فعل العطس سببا في عقاب المسؤول الأقل رتبة نيابة عن (الموظف) الذي عطس في رأس الجنرال، عندما كان يقوم بزيارة موسكو برفقة (ديمتريتش) المسؤول الحكومي. لقد أثار فعل العطس غضب الجنرال، رغم محاولة ديمتريتش الاعتذار، إلا أنه لم يغفر زلة الموظف وعاقب المسؤول عليه!.. وتسبب ذلك في موت ديمتريتش على الأريكة بفعل تأنيب الضمير الذي أصابه إثر فعل العطس.
أكدت اللوحات الدرامية طوال عرض (العطسة) مقولة وردت على لسان الشخصية المحورية (أحدهم) لتفسير وتبرير فعل العطس: «إنه لموضوع معقد .. لكن ما حدث لي قبل قليل .. حاجة إنسانية فطرية .. حدثت بدون إرادة، وبتلقائية .. فالجميع يعطس، لأننا بشر .. والعطس ليس محظوراً على أحد في أي زمان ومكان .. إذ يعطس الفلاحون والموظفون والمعلمون والزبالون ورجال الشرطة والمدراء وكبار رجال الدولة من وزراء ومستشارون .. وحتى الرئيس .. بل وحتى أحياناً المستشارون السريون .. وكذلك أنت يا سيدي .. وأيضاً أنا، لأني بشر .. ولي احتياجاتي كإنسان» .

وكان التمسرح حاضرا عبر لوحات مشاهد تشيخوفية، وظهر بطل المسرحية (أحدهم) بصحبة رموز شخصية مثل بوبوفا وسميزنوف ولوكا والمنظم … وفي نهاية كل لوحة كان بطل قصة «وفاة موظف» ينهي المشهد بالعطس فتغلق دائرة التمسرح التي تؤديها شخصيات المسرحية.

كان (أحدهم) القادم من قصة (وفاة موظف) يتسبب في كل مرة في قطع الحدث والتقمص والإيهام لدى المتلقي، بمساعدة المنظم ومدير الخشبة، وساهم ذلك في تشتيت انتباه الجمهور بفعل تكرار العطس. وعند استجوابه أصر (أحدهم) أن ما يحدث له ، أمر طبيعي لا يمكن التحكم به.
شهدت حالات التمسرح (أنسنة الجمادات) كأن نشاهد الأريكة تتحدث مع (أحدهم) تستمع لنجواه وشكواه. وفي الوقت نفسه فقد وظفت العطسة لتحديد المدة الزمنية للأحداث في مسرحية (الدب)، تزامنا مع صاحب العطسة الذي كان يمارسه على اعتبار أنه حقه الطبيعي الفسيولوجي اللا-إرادي في العطس.
وهو لا يتردد في مناجاة الأريكة وإخبارها عن سوء الفهم والمغالطات التي وقع فيها عقب فعل العطس على المسؤول. كما كان (أحدهم) يناجي ويحاور الصندوق، حتى وصل إلى منزل الموظف، وتحدث مع الحراس، واتضح أنهم موظفون أيضا.
وتوالى التداخل الحلقي المرتبط بفعل العطس الذي تسبب في موت المسؤول الذي يعاني من الصراع النفسي بسبب المسؤول عليه. مع اقتران ذلك بعدد من الدلالات الرمزية السياسية التي تهيمن على فكرة العمل الهجين الذي يجمع بين القصة والدراما، وظهر الموظف كشخص مغلوب على أمره، وهو نموذج للمواطن الذي لا يستطيع مواجهة الحاكم/‏‏ المسؤول في حالة تعرضه للظلم .

معادلة ضياع العدالة بين السلطة والشعب متصلة بضياع حقوق الموظف الذي يعمل بجد واجتهاد، ولكنه في الوقت ذاته غير قادر على المطالبة بحقوقه، وسرعان ما يقع عليه العقاب فقد أخطأ الشعب/‏‏ الموظف. جميع ذلك يؤكد طبقية المجتمعات التي تغيب العدالة عنها، بينما المسؤول يقبع في برج عاجي لا يرى سوى نفسه. يعد الموظف البسيط نموذجا للظلم الاجتماعي الواقع على الطبقة الكادحة.

تتقارب الصفات الإنسانية في التعبير عن القضايا بغض النظر عن اختلاف الثقافات والبيئات. وهذا ما نجده في عرض (عطس) المأخوذ عن الأدب الروسي، وهو الذي تعرض للفساد الإداري والاقتصادي، على اعتبار أنه مرض عضال يصعب الشفاء منه.
اكتنز العمل الفني بجماليات ورؤى فلسفية وإنسانية ساهمت في صنع فرجة مسرحية، جعلت الجمهور يتفاعل مع عفوية الفنان الشاب (عبد العزيز النصار) الذي كان يؤدي دوره بعفوية تتناسب مع العطس المفاجئ. وقد جاب هذا العرض أكثر دولة عربية، كانت آخرها سلطنة عمان في مهرجان الدن.

ختاما، لا نغفل الحس الكوميدي المندس في ثنايا هذا الإبداع الفني والأدبي عبر مشاهد بصرية مؤثرة عبرت عن مكبوتات الذات لدى الموظف الذي يحتاج إلى نزلة برد تدفعه إلى العطس المستمر!