احتواء القدرة على السلام

علي الصراف –

أيام كانت الهزائم هي الرد الطبيعي على الشعاراتية الصاخبة، كان من الصعب على الكثير من الناس أن يفهموا السبب.
فالصخب كلما رفع عقيرة «العنتريات»، كلما بدا فارغا أكثر. وكان ذلك كافيا لكي يمنح «العدو» فرصة فسيحة لكي يتأمل في كل التفاصيل، ويطّلع على كل الثغرات، ويرى الطبل الأجوف كم كان أجوفَا.
دافع أمني محض هو الذي كان يحث إسرائيل على التدقيق، لئلا يكون هذا البلد الصغير، محدود القدرات البشرية، نسي شيئا قد يؤدي إلى تدميره. أما نحن فقد كنا ننام على ريش النعام، مطمئنين تماما إلى أن شعاراتنا وقناعاتنا المسبقة، كفيلة وحدها بردم الهوة بين الواقع والأحلام. فهُزمنا، ليس مرة واحدة، بل عدة مرات. وظل الفلسطينيون، الذين تشردوا من منازلهم يلوحون بالمفاتيح، أملا بالعودة.
أغريناهم نحن، بما لم نكن قادرين عليه، أيام كانت الأسس العقائدية التي نقف عليها هشة وعاجزة.
اليوم تحطمت الشعارات كما يتحطم قارب عتيق تلاطمت به الأمواج. ولم يبق منها إلا القليل من الأخشاب التي ظل يتعلق بها من لم يدرك أسباب الهزيمة بعد، أو ظل يبني على الافتراضات، افتراضات، أو يتوعد بالمفتاح.
المسؤولون الإسرائيليون يتباكون من أجل إقامة «علاقات» مع الدول العربية، ويعتبرون كل خطوة في هذا الاتجاه «اختراقا». وهذا شيء مفيد بالأحرى. إنه دلالة على الرغبة بالتعايش، ربما، ولكنه – أهم من ذلك – دلالة على اقتصادية الحاجة للقبول من أجل أن تكون إسرائيل «جزءا طبيعيا» من المنطقة. هنا، إنما نحن من يمتلك مفتاح الواقع والإمكانيات! فكأي نمط آخر من أنماط «العلاقات»، فإنه ليس وحيد الجانب.
البداهة نفسها تقول: إن تطلب شيئا، لا بد أن تُعطي شيئا في المقابل.
ولئن كان المسؤولون الإسرائيليون قد حققوا لأنفسهم ما اعتبروه «اختراقات»، فإن السؤال الذي ظل يواجههم هو: ما الذي سنعطيه في المقابل؟
يفهم الإسرائيليون أن «اختراقاتٍ» من دون مقابل، ليست بالأحرى اختراقات. إنها تكشف عن قدرة «الآخر» على الاحتواء، بل على الغواية والإغراء.
يفهم الإسرائيليون، وجدير بهم أن يفهموا، أنه ما من علاقة مع الدول العربية يمكن أن تعطيهم شيئا مما يتنازعون به مع الفلسطينيين.
الأزمة في المنطقة ليست أزمة علاقات عامة! إنها أزمة صراع مع شعب يطالب بحقوقه المشروعة، ويستند في هذه الحقوق إلى أسانيد أكثر عنادا من الصخر. وليست مقررات الشرعية الدولية، إلا الجزء الظاهر فحسب من جبل الجليد. الجبل الذي تحت سطح الماء، هو الخمسة ملايين فلسطيني الذين يعيشون في الداخل والجوار. وهؤلاء لن يختفوا من الوجود عندما يقوم أي مسؤول إسرائيلي بحل مشكلة «العلاقات العامة» مع أي دولة عربية. ومطالبهم لن تزول. والدول العربية لن يمكنها أن تتنازل عما لا تملكه.
كما يفهم العرب، وجدير بهم أن يفهموا، أنهم يمتلكون «المفتاح» الذي يجعل التعايش تعايشا.
إسرائيل قد تستطيع أن تستمر «عدوا»، و«الأزمة» قد تستمر لقرن آخر. إلا أن ذلك لن يحل مشكلة الحاجة الحيوية بأن تكون «جزءا طبيعيا» من المنطقة.
إسرائيل (بأي مقياس جغرافي تشاء) بلد صغير المساحة، محدود السكان، ومحدود القدرات. وإذا ما ظل في حالة نزاع، فإن الأزمات الداخلية المقبلة سوف تزداد عمقا باستمرار.
الحاجة إلى التعايش هي اليوم حاجة «وجودية» أكثر مما كانت في أي وقت. ولكن هناك ثمن يتعين أن يُدفع! هو السلام القائم على أسس ترضي طرفي الصراع.
الأمم الكبيرة الراسخة التي لا شيء يهدد قدرتها على البقاء والنمو والتطور، تستطيع أن تستوعب الآخر، وتغريه بما يحتاجه، لتأخذ منه ما يستوجب أن يتنازل عنه. «العلاقات العامة» مفيدة لنا من هذه الناحية، أكثر مما هي مفيدة لمن ينظر إليها على أنها «اختراقات» ويتردد في دفع الثمن.
إذا كانت إسرائيل تمتلك قدرات تكنولوجية من أي نوع، فسوقها «الطبيعي» ليس أمريكا ولا أوروبا.
هاتان القارتان لا تشتريان إلا القليل من إسرائيل، وإلا ما يكاد يوازي ما تحصل عليه من مساعدات. حتى لتبدو التعاقدات مع الصناعات الإسرائيلية وكأنها مساعدات أيضا.
إذا كانت «السوق» سبيلا من سبل البقاء فإن السوق «الطبيعي» لإسرائيل هو دول المنطقة.
إسرائيل تدرك هذا. وتدرك أن «الاختراقات» ما تزال بحاجة إلى «اختراقات» لصنع السلام.
أما نحن، فمن الخير تماما، أن نلّوح بالمفتاح!
إذا كان الحق بيّنا، فالأمم الراسخة لا تخاف من قوله، ولا من كشف الطريق إليه.
وفي الواقع، فهذا هو بالضبط، ما تفعله مصر والأردن والمغرب وسلطنة عُمان، بل والفلسطينيون أنفسهم.
نحن لا نخاف السلام. ولا الحديث عنه. لسنا ضعفاء إلى ذلك الحد.