الكونجرس الأمريكي الجديد بين التوازن والصراع !!

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي –

جاءت نتائج الانتخابات النصفية لمجلسي النواب والشيوخ منسجمة مع توقعات استطلاعات الرأي وأيضا منسجمة مع المزاج الشعبي الأمريكي الذي لا يحبذ السيطرة الرئاسية علي الكونجرس خاصة في النصف الثاني من ولاية الرئيس الأمريكي؛ ومن هنا جاء فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلس النواب بعد غياب ثماني سنوات في حين أن الحزب الجمهوري احتفظ بأغلبيته في مجلس الشيوخ مع إضافة مقعدين، وكان هذا متوقعا؛ نظرا لأن التصويت على المقاعد الشاغرة كانت على المقاعد الديمقراطية، وفي ولايات محافظة إلى حد كبير.

ويبدو أن سيطرة الحزب الديمقراطي قد أربكت حسابات الرئيس ترامب الذي عليه أن يواجه مجلس النواب الديمقراطي المتحفز لمواجهته في عدد من القضايا الداخلية بشكل أساسي لعل في مقدمتها مسألة تحقيقات مولر وموضوع الهجرة والقضايا الصحية خاصة مشروع أوباما الصحي الذي ألغاه ترامب كغيره من المشاريع الأخرى والاتفاقيات الأخرى وأهمها الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى.

السيطرة الديمقراطية
لعل تصريحات نانسي بيلوسي زعيمة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب الجديد يعطي مؤشرا على مواجهة محتملة بين الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب ومؤسسة الرئاسة متمثلة في الرئيس ترامب وأجنداته المثيرة للجدل؛ حيث تقول بيلوسي: إنه من المهم إعادة مبدأ المحاسبة والضوابط التي ينص عليها الدستور الأمريكي، وهذه إشارة واضحة بأن النصف الثاني لرئاسة ترامب ستكون صعبة، ويجمع المحللون والمراقبون في الولايات المتحدة على أن استعادة الديمقراطيين للأغلبية في مجلس النواب هي ضربة موجعة للرئيس ترامب وضربة كبيرة لخططه ومشاريعه في عدد من المسائل خاصة موضوع الهجرة وبناء الحاجز علي طول الحدود مع المكسيك لمنع المهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية للدخول إلى الولايات المتحدة.
السيطرة الديمقراطية علي مجلس النواب بعدد مقاعد 219 تكمن أهميتها في عدد من البنود التشريعية التي أقرها الدستور الأمريكي منها التصويت علي الميزانية وتوجيه الاتهامات للرئيس وقضاة المحكمة العليا والتحقيقات معهم التي يمكن أن تصل إلى العزل من مناصبهم وأيضا اختيار الرئيس في حال لم ينل أي مرشح للرئاسة الأكثرية المطلوبة ومن هنا تكمن أهمية فوز الحزب الديمقراطي.
من النتائج الاستراتيجية لفوز الحزب الديمقراطي هو البناء علي هذا الفوز المهم للانتخابات الرئاسية عام 2020 حيث إن نتائج الانتخابات النصفية عادة ما تكون استفتاء شعبيا على شعبية الرئيس وأدائه خلال السنتين من رئاسته، وهذا أمر مهم علاوة على أن نتائج الانتخابات أظهرت اختراقا ديمقراطيا لعدد من الولايات المصنفة بأنها محافظة وصوتت للرئيس ترامب خلال الانتخابات الرئاسية عام 2016 مثل ولايات انديانا وفرجينيا الغربية ومونتانا وداكوتا الشمالية.
ورغم تقليل الرئيس ترامب في تصريحاته من أهمية الفوز الديمقراطي إلا أنه يدرك أن مؤسسة الرئاسة قد وضعت في موضع مواجهة مع الحزب الديمقراطي في يناير القادم عند بدء أعمال الكونجرس الجديد.

التوازن في المؤسسه التشريعية
يبدو أن نتائج الانتخابات النصفية للكونجرس التي اعتبرت من أهم الانتخابات خلال النصف القرن الأخير جاءت لتعطي التوازن التشريعي من خلال تحقيق الأغلبية في مجلس الشيوخ للحزب الجمهوري؛ ومن هنا فإن المؤسسة الرئاسية، وعلى ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة سوف تدخل في نقاش وحوار مع الكونجرس خاصة مجلس النواب في قضايا ذات جدل كبير حتى على صعيد السياسة الخارجية، ومنها الحرب في اليمن علي سبيل المثال، حيث هناك ميل ودعوات متكررة من الحزبين لوقفها في ظل الوضع الإنساني المروع للشعب اليمني.
كما أن الرئيس ترامب سوف يكون مقيدا بعد خسارة الأغلبية في مجلس النواب، وقد تحدث ترامب بأنه يريد التعاون مع الكونجرس خاصة الحزب الديمقراطي، وهو يدرك مدى حدة الخلاف مع الديمقراطيين من خلال تصريحاته السلبية عن فترة رئاسة الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، ولعل هذا الأخير قاد الحملات الانتخابية للحزب الديمقراطي ولعب دورا مؤثرا في نجاح الحزب الديمقراطي في الانتخابات من خلال اختراق عدد من الولايات المحسوبة على الجمهوريين والرئيس ترامب، ومن هنا إن المعركة بين الرئيس ترامب والكونجرس الجديد ستكون صعبة ومعقدة خاصة أن ترامب هدد بإغلاق الحكومة إذا وصلت الأمور مع الديمقراطيين إلى نفق مسدود.
لقد لعب الشباب الأمريكي والمرأة والأقليات دورا حاسما في خسارة الحزب الجمهوري لأغلبيته في مجلس النواب التي استمرت ثماني سنوات، كما أن سياسة ترامب الشعبوية ومسالة أمريكا أولا وحربه التجارية مع عدد من دول العالم وموضوع الهجرة قد أدى إلى تلك النتيجة التي وجهت رسالة واضحة إلى الرئيس الأمريكي بأن أجندته السياسية وعددا من قضايا الداخل لم تكن إيجابية.
التوازن التشريعي الذي حدث بين الحزبين هو مسألة معروفة في التاريخ الأمريكي، ولكن في الحالة الراهنة فإن الضربة القاسية التي وجهت للرئيس الأمريكي قد تكون مقدمة لانتهاء ظاهرة ترامب إن صحت التسمية، وهناك تعليقات أمريكية تتحدث بأن مستقبل الرئيس ترامب وطموحه للفوز بفترة رئاسية ثانية أصبحت محل شك كبير في ظل الخريطة الانتخابية التي أفرزتها النتائج الأخيرة.

فوز فلسطيني صومالي
من الأمور الإيجابية التي أفرزتها الانتخابات النصفية هو دور المهاجرين واندماجهم في المجتمع الأمريكي، وهو الأمر الذي ينافي سياسة ترامب حول موضوع الهجرة؛ حيث استطاعت الأمريكية من أصل صومالي «الهان عمر» الفوز بمقعد في مجلس النواب عن الدائرة الخامسة في ولاية مينسوتا وهي امرأة مسلمة حققت الفوز بأغلبية 78 ونصف في المائة على حساب منافستها الجمهورية جينيفر زيلينسكي، كما فازت الأمريكية من أصل فلسطيني «رشيدة طليب» بمقعد في مجلس النواب عن ولاية ميتشجن، وهو تطور مهم لأبناء المهاجرين من الدول العربية.
ولا شك أن فوز «رشيدة طليب» ذات الأصول الفلسطينية له مغزى سياسي عبرت عنه في تصريحات بعد فوزها، وهو دعمها للقضية الفلسطينية من خلال حل عادل وشامل، وهذا أمر مهم، ومن هنا فإن المناخ السياسي الأمريكي يتيح للجميع الفرصة لتحقيق أحلامهم وتطلعاتهم حتى من أبناء المهاجرين وطالبي اللجوء، وهو الأمر الذي ينافي خطاب الرئيس ترامب القومي الشعبوي الذي يركز على البيض وعلى الشركات الكبرى وعلى الصفقات مبتعدا عن أبجديات مبادئ الآباء المؤسسين وعن فلسفة أمريكا المفتوحة التي تستقبل العقول والخبرات الذين أضافوا مساهمات علمية وفكرية كبيرة للمدنية الحديثة في الولايات المتحدة، فالتنوع العرقي هو الذي أوجد المجتمع الأمريكي الغني بتمازج الثقافات والتوجهات وجعل من الممكن لامرأتين من أصول عربية أن تصلا إلى مجلس النواب كإحدى المؤسسات التشريعية في الولايات المتحدة.

تحقيقات موللر
استبق الرئيس ترامب بداية عمل الكونجرس الجديد في يناير القادم بإقالة وزير العدل جيف سيشنز وتعيين ماثيو جي وايتيكر بدلا منه، وهذا يدلل أن الرئيس ترامب يدرك أن تحقيقات موللر سوف تدعم بقوة من الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب، ومن هنا فهو يريد وزيرا جديدا للعدل يتماشى وتوجهاته وتدخلاته في التحقيقات، وهو الأمر الذي رفضه وزير العدل السابق.
إن معركة التحقيقات حول احتمالية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016م التي خسرتها المرشحة هيلاري كلينتون والتي كانت أوفر حظا للفوز حسب استطلاعات الرأي ووسائل الإعلام الأمريكية، ومن هنا فإن الحزب الديمقراطي سوف يدعم تحقيقات موللر، وقد يذهب بها بعيدا من خلال استدعاء الرئيس للشهادة، وربما أبعد من ذلك إذا أثبتت التحقيقات أن هناك تدخلا من نوع ما من قبل الرئيس ترامب تجعل من أمر عزله من قبل مجلس النواب أمرا محتملا بشكل أو بآخر.
والذي يساعد في تعمق التحقيقات هو التغطية الإعلامية الواسعة من قبل القنوات الإخبارية وكبرى الصحف الأمريكية وفي ظل الجدل والمشادات والاتهامات المتبادلة بين الرئيس ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية، ولعل حادثة مراسل «سي أن أن» جيم اكوستا والرئيس ترامب من خلال التلاسن في البيت الأبيض وسحب رخصة مراسل القناه الأمريكية الأشهر في الولايات المتحدة وأيضا توجيه الرئيس ترامب كلاما سلبيا لمراسلة «سي أن أن» قبل مغادرته إلى باريس، وهذا الجدل الدائر بين ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية ذات النفوذ الكبير سوف يؤثر علي مسيرته السياسية ولعل نتائج الانتخابات النصفية هي مؤشر في هذا الإطار خاصة أن انتقاداته لاذعة وصعبة، ومن هنا فإن تواصل التحقيقات من قبل موللر والمواجهة المحتملة مع الديموقراطيين المتحفزين سوف يكون من أكبر التحديات لترامب، ليس فقط لما تبقى من فترته الرئاسية، ولكن حول مجمل مستقبله السياسي خاصة طموحه للفوز بفترة رئاسية ثانية في الانتخابات القادمة عام 2020 وعلى ضوء ما حدث في الانتخابات النصفية وعلى ضوء المواجهة المستمرة مع وسائل الإعلام الأمريكية والمواجهة مع الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب فإن ترامب يواجه تحديات حقيقية بعد سنتين من السيطرة الجمهورية علي مجلسي النواب والشيوخ. إن نتائج الانتخابات النصفية قد أفرزت عدة أمور على صعيد الخريطة الانتخابية علاوة علي مجمل سياسات ترامب الداخلية والخارجية أيضا.