نوافذ : هل سيكون لنا تاريخ؟

يكتبها: أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

لا أقصد بهذا السؤال الذي اتخذه عنوانا لهذا الطرح، أن أتصادم من خلاله مع القارئ الكريم بصورة استفزازية تخرج به عن سياق العقلانية، ولا أتعالى عن قناعات أصيلة يحتفل بها الذين يؤمنون بمقولة: «من ليس له ماض، ليس له حاضر» ولا اتخذه متكأ لتقوية حجتي في الطرح، ولا أنوي به جدلا سفسطائيا مملا، ولكنني اتخذه مدخلا لحوار طويل، مستشعرا من خلاله بمدى خطورة الفكرة التي يؤصل ممارساتها الإنسان نفسه.
يسجل التاريخ المادي والمعنوي على حد سواء، ليس اليوم فقط؛ وإنما منذ آلاف السنين؛ المناخات الإنسانية التي مرت على كل العصور، حيث حفظت كل صغيرة وكبيرة لأمم الأرض، منذ بدأ الإنسان يعبث بمكونات وجوده، عبثا لم ينه وجوده ككائن بشري، يؤثر ويتأثر بما حوله، ولكنه استطاع من خلال هذا العبث أن يتطور، ويرتقي سلم الفكر، وقد ساعدته في ذلك مجموعة الأدوات؛ وإن كانت بدائية؛ في الترقي والسمو، والانتقال من طور البدايات الأولى نحو الحياة، وحتى الوصول اليوم إلى أرقى الحضارات الإنسانية، ولا يزال هذا الإنسان يواصل مشروعه الممتد، معتمدا في ذلك على مجموعة من الأدوات التي حفظت له حقه، وفتحت له مجال التحرر من قيود كثيرة، مما ساعده في ذلك عن التعرض لمسخ مكوناته الذاتية وتغريبه عن هويته التي ينتمي إليها، وتلك هي أهم الأدوار التي يلعبها التاريخ في حياة الشعوب، ولا جدال في ذلك على الإطلاق.
لذلك استطاع الإنسان، ومن خلال تسلسل التاريخ بشقيه المادي والمعنوي، أن يقيم مراحل التكون التي عايشها، ويسقطها على الواقع في كل فترة تاريخية من عمره، وبقدر احتفاليته لهذا البقاء، كان في الوقت نفسه يقسو في التقييم على مجمل هذه الأدوات، ويقيم على كثير منها الحد، حيث ينزلها منزل التزوير في آن، ومنزلة تجاوز الواقع في آن آخر، متهما في ذلك كتاب التاريخ ومؤلفيه، ولكن مع هذا كله، وجدت مجموعة الأدوات التي يعود إليها بين فترة وأخرى، ليتقصى من خلالها تاريخه الحقيقي، ويطمئن في الوقت نفسه على أنه امتداد لمراحل مرت من التاريخ، وفي الوقت نفسه يصنع تاريخا آخر، سوف يكون رصيدا معنويا أو ماديا لأجيال قادمة، يهمها كذلك أن يكون لديها هذا الرصيد المادي والمعنوي لتقف من خلاله شامخة، لأن جذورها قوية وعميقة، وتتخذ من طبقات الزمن امتداده الأصيل.
لا ينكر أحد أن هناك قطعا يحدث اليوم، ويزداد عمقا، لهذه المسيرة التاريخية منذ ذلك الزمن البعيد، أو في الطريق الى ذلك، وهو عائد أيضا إلى أدوات عصرية لا يمكن تجاوزها لأنها واقع معاش، وأقول قطعا، لأن هناك فاصلا يتكون بين الزمنين، وإن كان في طور التكون، بعكس الأدوات الماضية التي عاشت حالة تراكمية ممتدة، على امتداد الأجيال، واقعنا اليوم لا يشير إلى ذلك، فحركة الإنسان تقلصت كثيرا بوجود هذه الأدوات اليوم، وكتاباته لم تعد ملموسة عبر كتب، إو صحائف شتى، وحتى منازله هي في طور التحول الإلكتروني عندما تدار بـ «الريموت كنترول» سواء في تشكلها كبناء متعدد الخدمات، أو فتحها كمساحة واسعة دون أن تتقاطعها مجموعة الجدران والأعمدة، بمعنى هي قابلة للإزالة والانتقال بها إلى مكان آخر، دون أن تكلف صاحبها ذلك الجهد المرير، ومجموعة الكتابات والمدونات، تختصرها أداة واحدة «هارد ديسك» يختزن لك الآلاف المؤلفة من الملفات والصور، وهي المعرضة في الوقت ذاتها إلى فنائها في أية لحظة، إن لم ينتبه الواحد منا إلى تغيير أداتها التخزينية بين كل فترة وأخرى. إذن لم يعد هناك شيء ملموس سوف يؤرخ لنا، أو لأجيالنا القادمة قصة حياتهم للأجيال القادمة، حيث يتناثر كل هذا الجهد الإنساني في الفضاء الإلكتروني الممتد إلى ما لا نهاية، وتتماهى الشواهد المادية إلى حد الزوال.