تواصل: 120 شخصًا لا أعرفهم !!

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول:
يراقب كل نصف ساعة عدد متابعي حسابه في تويتر، يتأكد من أنهم لم يتناقصوا، تقلقه فكرة أن يكتب شيئا يتضايق منه المتابعون فيرحلون، يشعر بأنه يكتسب قيمته من عدد متابعي حسابه، تلازمه هذه الفكرة حتى وهو خارج تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي ذات العلاقات الافتراضية، يردد طوال الوقت: حسابي يتابعه ألف شخص و«جمعتهم بتعبي وشقائي، ولازم أزيدهم أكثر»، يطير من السعادة لو قام أحد المؤثرين بمتابعته أو بإعادة نشر ما كتب في حسابه، يقول لنفسه: أعرف بأني رائع وحسابي لا يوجد مثله، أنا رائع، أنا عظيم، يردد هذه العبارات لنفسه، يصدقها جدًا ويمضي في الحياة بهذه القناعة التي تستند على التفاعل مع حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي فقط دون أي شيء آخر!
مشهد ثانٍ:
يحرص على كتابة المنشورات يوميا وبمعدل لا يقل عن 20 منشورا، يقلق من فكرة أن 120 متابعا قد ينصرفوا عن متابعته إن هو لم ينشر شيئا في اليوم، تفرحه فكرة أن هناك هذا العدد ممن لا تربطه بهم معرفة واقعية قرروا أن يتابعوا محتواه، يشعر بقيمة المحتوى الذي يقدمه حتى لو كان مجرد إعادة نشر حكم وكتابات عاطفية منقولة حرفيا من المواقع التي يقود لها محرك البحث «جوجل»، يقرر أن يستقطع وقتا طويلا من يومه كي يرضيهم ويزدادوا، يتذكر كيف أن أحد المتابعين أرسل له مرة منذ عام: «أين أنت؟ نفتقدك لأنك لم تكتب منشورات منذ يومين، هل أنت بخير؟»، صدق أن متابعيه يحبونه جدا، ومن يومها لم يعد يغادر حسابه ولا حتى للضرورة القصوى!
مشهد ثالث:
في المرة الأولى التي كتبت لكاتبتها المفضلة التي تقرأ لها منذ نعومة أظفارها، قامت الكاتبة بوضع علامة إعجاب على ما كتبته في «انستجرام» قفزت مرات عدة فوق سريرها من السعادة، شعرت بأن كاتبتها ميزتها بذلك الإعجاب مع أن هناك الكثيرين ممن راسلوها لكنها لم تعجب بما كتبوا، بدأت بعدها بالاستمتاع بمراسلة من تحب من الكتاب والفنانين والإعلاميين وتنتظر أن يردوا عليها ثم تشعر بقيمتها في كل مرة يرد عليه أحد منهم أو يضغط على زر الإعجاب أو يعيد نشر ما كتبته في حسابه، تواصل طوال اليوم إرسال صورة لردودهم تلك في مجموعات الواتس أب الخاصة بالعائلة والصديقات والزميلات وغيرهن، تقول: انظروا كم يهتم النجوم بردودي وتساعدهم في تطوير أنفسهم، أنا مهمة جدًا لهم، انظروا هم تفاعلوا فقط معي و10 من المتابعي ، تصدق قيمتها تلك لدرجة تخيلها لأن تتفلسف في كل ما يخصها وما لا يخصها فقط لأن آراءها قيّمة لدرجة أن النجوم في مختلف الفنون يتفاعلون معها!
إن وسائل التواصل الاجتماعي التي جاءت وقدمت الكثير من المزايا لمستخدميها من ناحية القرب والحصول على المعلومة في نفس لحظة الحدث إضافة إلى سهولة الانتشار، قد تكون ساهمت بحسب مراقبين في تضخم الأنا وتوهم قيمة غير حقيقية لمستخدميها وذلك بافتراض أهمية المحتوى الذي يقدمونه وارتباط المتابعين الغرباء عنهم بهم لدرجة لا يمكن للغرباء تخيل حياتهم بدون المنشورات اليومية لأولئك المستخدمين.
أهمية يعتقدها المستخدمون لأنفسهم مستندة على حجم التفاعلات مع المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي وعدد المتابعين وسؤال عابر من أحدهم تظهر افتقاده للمستخدم، ثم يتوقعون أن حياة المتابع متوقفة على تدفق منشوراتهم التي لا يجب أن تتوقف مهما كانت الأسباب فتجدهم يعيشون خلف تلك شاشات تلك المنصات يفكرون طوال الوقت فيما سيكتبونه حتى يحافظوا على عدد متابعيهم المهتمين جدًا بهم والذين يشعرونهم على الدوام بأنهم مهمون!
لا يبقى ما يحدث من تفاعلات بأثرها على بعض المستخدمين في تلك المنصات فحسب، بل يشعر معها الشخص بأنه أصبح مهما في عائلته وبيئة عمله وكل مكان يخطوه بقدمه حتى لو كان أفراد تلك الأماكن لا يتابعونه وليسوا منشغلين بوضعه في تلك المساحات الافتراضية، ولا يرون له قيمة حقيقية ولا نجاحات واقعية يمنحونه على أساسها تلك الأهمية التي يعتقد بأنها ستنتقل من وسائل التواصل الاجتماعي للواقع.
يحدث هذا في أحايين كثيرة دون الحاجة أن يمتلئ حساب الشخص بمتابعات تزيد عن مئات الآلاف أو حتى عشرات الألوف بل قد تكون المتابعات لا تتجاوز مائة متابع أي أنه يحدث مع شخوص عادية جدًا قد لا تملك من النجاحات الواضحة غير ما تعتقده من قيمة عدد متابعيها في وسائل التواصل الاجتماعي والذين يمنحونها شعورًا بأن هناك من يؤمن كليًا بما تعتقده من مسلمات حتى لو كانت تلك القناعات منقولة من خواطر وحكم ومواعظ يوفرها محرك البحث «جوجل» وليس من تأليف الشخص نفسه، وكل ما فعله أنه نقلها من هناك وأضاف لها صورة جميلة منقولة من الموقع ذاته!
إن عدد المتابعات والتفاعل في حسابات التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن يعطي أي إيحاءات للشخص بقيمته الواقعية، فالقيمة الحقيقية ترتكز على نجاحات واقعية يقود إليها عمل دؤوب واجتهاد متواصل وإضافة للحياة وشخوصها وليس بأنا تتضخم لأن أحد المتابعين افتقد حضورنا مرة أو زاد عدد من يتابع حساباتنا 10 أشخاص في يوم واحد حتى لا نمضي بين الناس وداخلنا ممتلئ جدًا بأهمية متوهمة ومواصلة القسم طوال اليوم في حياتنا: والله 120 شخصًا يتابعني رغم أني لا أعرفهم!!