التمرينات العسكرية والتكامل الوطني!!

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

التمرينات العسكرية التي شهدتها السلطنة مؤخرا وهما (الشموخ/‏‏ 2) و(السيف السريع/‏‏ 3) تعد علي جانب كبير من الأهمية الاستراتيجية والوطنية في ظل التحديات الأمنية والسيو-استراتيجية في المنطقة والعالم، ولعل الذي ميز التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2) هو المشاركة الواسعة ليس فقط من قوات السلطان المسلحة بتشكيلاتها والأجهزة الأمنية الأخرى، ولكن كانت هناك المشاركة المدنية من المؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني من خلال تكامل الأدوار الوطنية في هذا الحدث الاستثنائي الذي كان محط اهتمام المجتمع العماني في المنطقة والعالم.
لقد الشهد التمرين العسكري (الشموخ/‏‏2) و(السيف السريع/‏‏3 ) إنجازا عسكريا ملفتا في وقت السلم من خلال الهدف الأساسي للتمرين الوطني والتمرين المشترك مع القوات المسلحة الملكية البريطانية الصديقة من خلال اكتساب المهارات والخبرات المشتركة ومن خلال موقع التمرين الذي يحاكي الخطة الاستراتيجية للتمرين بشقيه الوطني والمشترك، ومن خلال مناخ المعركة الدفاعية والهجومية المفترضة.
ومن خلال التغطية الإعلامية والمؤتمرات الصحفية المتواصلة كان واضحا مدى الانسجام في التمرينات العسكرية في ظل الأعداد الكبيرة من القوات المسلحة العمانية والبريطانية والمؤسسات المدنية الذي تجاوز 70 ألف مشارك من خلال الأدوار المختلفة حيث من خلاله تحققت الأهداف الوطنية التي تم رسمها.

التكامل الوطني

التمرينات العسكرية التي تقوم بها الجيوش المختلفة تركز علي الجانب العسكري بشكل كبير ومن خلال ما شاهدناه في التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2) و(السيف السريع/‏‏ 3 ) كانت هناك مشاركة كبيرة من القطاع المدني الوطني ومن خلال مؤسسات ساهمت في إنجاز المهمة الوطنية من خلال الخطة الموضوعة للتمرينين، ومن هنا فقد تكامل الدور العسكري مع الدور المدني من خلال استلهام عدد من الأحداث التي مرت علي السلطنة خلال العشر سنوات الأخيرة، ومن أهمها الأعاصير والأنواء المناخية التي تكامل فيها الدور الوطني ممثلا في قوات السلطان المسلحة والجهاز المدني؛ مما عزز اللحمة الوطنية التي كانت مثار إعجاب دول العالم، ومن هنا فإن تجربة التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2 ) جاءت منسجمة مع توجه القيادة السياسية بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه – بأهمية تضافر الجهود الوطنية من خلال الأحداث المختلفة سواء فيما يخص التحديات الطبيعية والأنواء المناخية أو فيما يخص تحديات الأمن الوطني التي ركز عليها التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2) لمدة تجاوزت الشهر وهي تمرينات مكثفة واحترافية لواحد من الجيوش الوطنية الأهم في المنطقة من حيث الكفاءة القتالية والتدريب في أقسى أنواع الجغرافيا التي تتميز بها السلطنة خاصة في الصحراء العمانية والمناطق الجبلية.
كما أن المشاركة الفعلية مع القوات المسلحة الملكية البريطانية الصديقة يكسب المزيد من الخبرة والتكامل في مجال العمليات المختلفة والتكتيك العسكري الحديث في ظل ظروف مختلفة، ولعل الإنزال البري البحري والعمليات الهجومية علي العدو المفترض بكل أنواع الأسلحة والإمداد والإسناد في ساحة العمليات يكسب قوات السلطان المسلحة المزيد من الخبرة من خلال المشاركة الفعلية مع أحد الجيوش المتقدمة في العالم، وعلى ضوء أحداث التمرين الوطني والتمرين المشترك فإن ثمة نتائج مهمة لعل في مقدمتها التكامل الوطني وإيصال رسالة بأن الجميع مشارك في الذود عن الوطن ومكتسباته في عصر النهضة المباركة.

التحديات الاستراتيجية

يعد الموقع الاستراتيجي للدول محل أطماع الآخرين أحيانا، هذا على الصعيد الاستراتيجي، كما أن هناك تحديا يتمثل في تحقيق استمرار ديمومة الأمن والاستقرار في عالم مضطرب وغير مستقر، وهناك استنفار إقليمي من خلال الصراعات والحروب التي تشهدها المنطقة، وبالتالي فإن الموقع الاستراتيجي الحيوي والسياسات غير المنضبطة لبعض الأطراف الأخرى أحيانا تشكل تحديا أمنيا وطنيا، لا يمكن تجاهله، علاوة علي أن مناطق النفوذ لقوى إقليمية صاعدة، باتتتشكل هاجسا لدول وأطراف أخرى، ومن هنا فإن مثل تلك التمرينات العسكرية تعد على جانب كبير من الأهمية والجاهزية العسكرية للحد من أية أخطار.
والسلطنة من الدول المستقرة خلال الخمسة عقود الماضية تقريبا، وتأتي في مؤشر السلام من الدول الرائدة في مجال الأمن والاستقرار، وهي تسجل صفرا في مجال الإرهاب الذي شكل ظاهرة عالميه خلال العقود الأ،خيرة ومن هنا فإن التحديات ستبقى حاضرة طالما الأنانية السياسية والطموحات غير المنضبطة قائمة، وهذا يتطلب اليقظة الكاملة ليس فقط من قوات السلطان المسلحة والأجهزة الأمنية ولكن أيضا من كل المكون المدني، ولعل المشاركة الوطنية الواسعة من القطاع المدني في التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2 ) و(السيف السريع/‏‏ 3 ) يلبي هذه النهج الوطني، فنحن في عالم متغير بكل مساراته، وفي ظل هذه الضبابية السياسية لابد من الجاهزية وتواصلها حتي بعد التمرين العسكري الوطني والمشترك والذي حقق أهدافه الوطنية بامتياز.
ومن خلال حكمة القيادة السياسية سوف تظل مسألة التحديث والتطوير لقوات السلطان المسلحة والأجهزة الأمنية متواصلة؛ لأن ذلك هو جزء من الاستراتيجية الوطنية في الحفاظ على الوطن ومقدراته، وأيضا هو جزء أصيل من المحافظة علي المكتسبات المميزة وسمعة السلطنة التي تحظى بالاحترام والتقدير من قادة وشعوب العالم شرقها وغربها بفضل السياسة الحكيمة والمتزنة لباني نهضة عمان الحديثة.

الدروس المستفادة

إن التلاحم الوطني الذي شهدته السلطنة في عدد من الأحداث المشار لها كالأنواء المناخية تتكرر ،بشكل مذهل من خلال التمارين العسكرية ولعل المشهد تعبير عن التضحية من أجل الوطن في وقت السلم والحرب، وهذه معادلة حيوية، فالتمارين العسكرية هي وجود مسرح للعمليات أقرب للمسرح الواقعي عند حدوث الحروب، ومن هنا فإن موقع التمرين في ولاية محوت الذي يجمع البيئة الصحراوية والبحرية هو مكان مثالي لمسرح العمليات وفعاليات التمرين.
ولعل من أهم الدروس الوطنية هو ذلك الالتحام بين مكونات المجتمع، وهذا شيء مهم؛ حيث إن الدفاع عن الوطن والحفاظ على مكتسباته هو مسؤولية كل عماني وعمانية، وهذا شيء مهم في الفكر الاستراتيجي، ولقد رأينا حجم الإنجاز المدني أيضا الذي تحقق من خلال دور المؤسسات الصحية ودور الاتصالات والتقنية والدور الإعلامي المهم في مثل هذه الفعاليات من خلال تدفق المعلومات للداخل والخارج ودور القطاع اللوجستي والمتطوعين ودور المرأة المهم، وأيضا الشباب وكل المؤسسات المدنية الأخرى.
هذا التكامل الوطني واحد من أهم الدروس المستفادة، حيث إن الدروس الاستراتيجية سوف تحلل من القيادات العسكرية كل في مجاله، وهي نتائج مميزة وذات أبعاد إيجابية؛ مما يعطي نموذجا في مسألة التكامل الوطني الذي كان مثار إشادة داخلية وخارجية، كما أن التمرين الوطني والتمرين المشترك استحوذا لمدة تزيد عن شهر على اهتمام المجتمع ومتابعته، وهذا شيء مهم؛ لأن ذلك يوصل رسالة وطنية بأن الوطن بحاجة إلى كافة أبنائه ومن كل القطاعات، وهذا احد الدروس المهمة، كما أن ذلك التفاعل المجتمعي مع أحداث التمارين العسكرية يعد دليلا علي نجاح الاستراتيجية العامة للتمارين العسكرية، وهي إشراك المؤسسات المدنية في هذا الحدث الوطني لتكون جزءا أصيلا من الحدث عن قرب بهدف استنهاض كل الهمم الوطنية في كل المواقف.
وفي المحصلة النهائية فإن التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2) والتمرين المشترك (السيف السريع/‏‏3) قد حققا النتائج المرسومة من خلال الخطط والاستراتيجية التي سوف تشكل رؤية واضحة لتبقي السلطنة دوما آمنة مستقرة تمد يدها للسلام ولمن يرغب بالسلام بعيدا عن مخاطر الحروب وعبثيتها التي لا تأتي سوى بالدمار والكراهية بين الشعوب، وتطلق عنان مناخ يسوده حب الانتقام وضياع الموارد البشرية والاقتصادية وضياع سمعة الدول كذلك.
ونحن نعيش أيام نوفمبر المجيدة نقول حفظ الله الوطن والسلطان والشعب لتبقي عمان منارة للسلام والأمان والحضارة الأصيلة.