ركيزة أساسية .. وجوانب مميزة !!

د.عبد الحميد الموافي –

أكد التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2) والتمرين المشترك (السيف السريع /‏‏ 3) أهمية وقيمة وثمرة الجهود التي بذلها ورعاها جلالة القائد الأعلى خلال السنوات الماضية، وهي التي ظهرت بوضوح في كفاءة التخطيط والتنفيذ والأداء والانضباط لقوات السلطان المسلحة والجهات العسكرية والأمنية والمدنية الأخرى المشاركة، كما أن آفاقا واسعة للتعاون العسكري بين البلدين الصديقين تظهر ويتسع نطاقها من أجل تحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة بين السلطنة والمملكة المتحدة بما يعزز الأمن والاستقرار لدول وشعوب المنطقة، اليوم وغدا.

مما لا شك فيه أن التمرين الوطني (الشموخ /‏‏2) والتمرين العماني البريطاني المشترك (السيف السريع /‏‏ 3) اللذين تم تنفيذهما في الأراضي العمانية خلال الشهر الماضي، واللذين اختتما بالبيان العملي بالذخيرة الحية في الثالث من الشهر الجاري هما من التمارين العسكرية التي تتسم بالكثير من الأهمية، سواء بالنسبة للجانب العماني، أو للجانب البريطاني. صحيح أن قوات السلطان المسلحة تنظم العديد من التمارين العسكرية، سواء الوطنية، أو المشتركة مع قوات مسلحة لدول شقيقة وصديقة، وبشكل ثنائي أو متعدد الأطراف، وذلك في إطار برامج وخطط التدريب الخاصة بقوات السلطان المسلحة، ولكن الصحيح أيضا هو أن ما يزيد من الأهمية الخاصة لتمريني (الشموخ /‏‏ 2) و (السيف السريع /‏‏ 3) أنهما اتسما بجوانب مميزة وفريدة، أو خاصة، لا تتكرر عادة في التمارين العسكرية الأخرى، وطنية أو مشتركة، وعندما يستند ذلك إلى علاقة سياسية تاريخية وعميقة، وإلى علاقات ممتدة ومتسعة بين الدولتين والشعبين العماني والبريطاني الصديقين، فإن ذلك يصبح عنصرا مهما، لا يمكن تجاوزه أو إغفاله، خاصة أنه لا يتكرر بالدرجة نفسها مع دول وشعوب أخرى، وإن كان بعضها يقترب منه بدرجات متفاوتة بشكل أو بآخر، وتتفاعل في هذا الشأن، في الظروف المختلفة، عوامل عديدة، تاريخية وحديثة، استراتيجية وتكتيكية، وفي مجالات عديدة ومتنوعة أيضا. وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
•أولا: أنه إذا كانت مجمل التطورات، الإقليمية والدولية، سواء على مدى العقود الأخيرة بوجه عام، أو على امتداد السنوات الأخيرة بوجه خاص، قد أظهرت الأهمية الكبيرة للحفاظ على عناصر القوة الوطنية للدولة بشكل شامل، وفي مقدمتها القوات المسلحة التي تشكل بالتأكيد مع عناصر القوة الأخرى في الدولة، السياج الصلب والقوي، للحفاظ على مصالح الدولة وأراضيها وإنجازاتها وأمنها القومي، وردع أية تهديدات ظاهرة أو مستترة، فإنه من المعروف أن السلطنة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – لها خبرة خاصة، ثرية ومتطورة، ولدت ونمت وتتطور على يدي جلالة القائد الأعلى، حيث فرضت الظروف العمانية والإقليمية والدولية منذ أواخر ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، أهمية وضرورة بناء قوات السلطان المسلحة والعمل الدؤوب والمتواصل من أجل تطويرها، تدريبا وتسليحا ونهوضا بمنتسبيها على كافة المستويات، قادة وضباطا وضباط صف وجنودا؛ للقيام بواجبها الوطني، وفقا لما خطط له جلالة القائد الأعلى – أعزه الله. ومع أن بناء وتطوير قوات السلطان المسلحة تم في الواقع تحت السلاح، خاصة خلال النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، إلا أن ذلك في حد ذاته كان عنصرا إضافيا، عزز من إرادة وجهود وخطط بناء قوات السلطان المسلحة، وفق أحدث المستويات الممكنة، وفي إطار الإمكانات المتاحة أيضا، من أجل أن تكون ركيزة أساسية ودرعا صلبة، ليس فقط كضرورة وكضمانة للانطلاق بقوة على طريق التنمية والبناء، وإعلاء صرح الدولة العصرية، في ظل مناخ يشعر فيه المواطن العماني، وكذلك المقيم والزائر بالأمن والأمان والطمأنينة على امتداد هذه الأرض الطيبة، وعلى مدار الساعة وتحت كل الظروف، ولكن أيضا للحفاظ على منجزات الوطن في كل المجالات وتحت كل الظروف.
ومع إدراك أن تحقيق هذا الهدف تطلب، خاصة في السنوات الأولى لمسيرة النهضة العمانية الحديثة، تخصيص نسبة كبيرة من الموارد الوطنية من أجل بناء وتطوير قوات السلطان المسلحة، وتوفير مختلف احتياجاتها للقيام بدورها الوطني، إلا أن القيمة الكبرى لذلك تتمثل في أن قوات السلطان المسلحة وصلت بالفعل إلى مستوى قتالي وتسليحي طيب، لا يفي فقط بما يمكنها من القيام بمهامها الوطنية المحددة، ولكن أيضا لردع أية محاولات، أو تفكير للمساس بالوطن أو بمنجزات النهضة المباركة تحت أية ظروف، والأكثر من ذلك أن عملية تطوير قوات السلطان المسلحة تجاوزت منذ سنوات طويلة احتياجات المرحلة الأولى للتنمية والبناء، وأصبحت هذه العملية، أي التطوير والتحديث، تتم في ظل الاستقرار والأمن والأمان الذي تعيشه السلطنة منذ عقود، وفي إطار البرامج العادية للتدريب ولخطط التحديث التي يرعاها جلالة القائد الأعلى بشكل دائم ومتواصل. وفي ظل هذا الاستقرار والثقة والقدرة على مواجهة أية تطورات، والحفاظ على الأمن الوطني في كل الظروف، سمح جلالة القائد الأعلى – أبقاه الله – لقوات السلطان المسلحة بالإسهام في جهود التنمية الوطنية، والاستفادة من إمكاناتها الكبيرة والمتطورة، لتعزيز جهود التنمية في مواقع ومحافظات ومشروعات مختلفة، مما شكل إضافة في الواقع لجهود التنمية الوطنية، ودون التأثير على أي نحو على كفاءة ويقظة واستعداد قوات السلطان المساحة للقيام بواجباتها الوطنية دوما وتحت كل الظروف. وبذلك أصبحت قوات السلطان المسلحة ركيزة أساسية من ركائز التنمية الوطنية والذود عن حياض الوطن وتمتين التماسك والتعاضد الوطني عبر الإعداد الخاص لمنتسبيها، شبانا وشابات، وعلى مستوى كل القيادات والمنتسبين، وهو ما ثبتت قيمته وكفاءته الكبيرة، حيث يتطلع الكثيرون من الشبان والشابات إلى نيل شرف الانتماء إلى قوات السلطان المسلحة والاستعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل حماية الوطن ومنجزاته، وعادة ما تفتح قوات السلطان المسلحة أبواب أسلحتها المختلفة أمام الشباب للانضمام إلى صفوفها، وفقا للشروط والبرامج المختلفة. وقد ثبت بالفعل، على مدى السنوات الماضية، أن قوات السلطان المسلحة ركيزة أساسية لحماية الوطن ومنجزاته في الحاضر والمستقبل، بفضل الرعاية السامية والمتواصلة من جانب المقام السامي لجلالته – أبقاه الله – للقوات المسلحة ولمنتسبيها وتلبية احتياجاتها التدريبية والتسليحية، ومواكبة كل جديد في هذا المجال، بما يفي بالاحتياجات ودون مبالغة.
•ثانيا: أنه في الوقت الذي يشكل فيه المواطن العماني أساسا وركيزة النهوض بقوات السلطان المسلحة وتطوير كفاءتها القتالية، حيث يأتي الجندي في المرتبة الأولى من الاهتمام السامي، باعتبار أنه – الجندي – هو الذي يستخدم السلاح وهو الذي يمكنه استخدامه على أفضل نحو ممكن والحفاظ على كفاءته النارية، فإن ذلك لم يقلل أبدا من العناية بتحديث الأسلحة والمعدات، بما في ذلك التوسع في استخدام التقنيات الحديثة التي تظهر في مجالات إدارة المعارك والتنسيق بين الأسلحة ووسائل السيطرة الحديثة في معارك الأسلحة المشتركة، ومتطلبات الحرب الحديثة، وذلك دون انجرار إلى سباق تسلح من أي نوع، إيمانا بأن ذلك لا ضرورة له، وثقة أيضا في كفاءة وقدرات قوات السلطان المسلحة، خاصة أن السلطنة بقيادة جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – تسعى لبناء تنميتها وازدهارها كدولة سلام، تؤمن به وتعمل من أجل تحقيقه لها وللمنطقة من حولها، وبما يمكن كل دولها وشعوبها من بناء حاضرها ومستقبلها على النحو الذي تريد، دون تدخل أو محاولة للتدخل من جانب أي طرف في شؤونها الداخلية، والمؤكد أن السلام الذي تنشده السلطنة هو «سلام الأقوياء» المستند إلى القدرة على ردع ومواجهة أية تهديدات.
وفي هذا الإطار فإنه يمكن القول: إن التمرين الوطني (الشموخ /‏‏ 2) الذي انطلق في الاول من شهر أكتوبر الماضي، هو من أكثر التمارين الوطنية أهمية، بالنظر إلى ما توفر له من عناصر خاصة، أو متفردة، دون مبالغة. سواء من حيث حجمه، أو الجهات المشاركة في فعالياته، أو الغرض منه أيضا، ففي حين شارك في التمرين الوطني (الشموخ /‏‏ 2) نحو سبعين ألف جندي، فإن التمرين كان من التمارين الوطنية الشاملة، بمعنى أنه لم يقتصر على قوات السلطان المسلحة والحرس السلطاني العماني، بوحداتها المختلفة المشاركة، ولكنه اتسع ليضم شرطة عمان السلطانية والجهات العسكرية والجهات الأمنية والمدنية المشاركة في التمرين، وعلى نحو تم من خلاله العمل تحت قيادة موحدة يندرج تحت قيادتها مختلف الجهات العسكرية والأمنية والمدنية في الدولة، وبأعلى درجات التنسيق والتعاون لتحقيق المهام والأهدافالمحددة لكل مراحل التمرين. وليس من المبالغة في شيء القول: إن هذه الدرجة العالية من التنسيق بين وحدات قوات السلطان المسلحة البرية والبحرية والجوية وقوات الحرس السلطاني والجهات العسكرية والأمنية والوزارات والجهات المدنية المختلفة التي شاركت في التمرين، واختبار القدرة على إدارة ذلك كله في إطار منظومة واحدة، وتحت سيطرة قيادة موحدة، تعد على جانب كبير من الأهمية، الآن وفي المستقبل، لزيادة القدرة والكفاءة على مواجهة أية تطورات، خاصة أنه في الظروف الراهنة اتسع مفهوم الحرب، واندمج فيه مختلف الجهات العسكرية والمدنية والإعلامية في الدولة في إطار ما يعرف بحروب الجيل الرابع، ومن هنا فإن نجاح هذا التمرين الوطني في تحقيق أهدافه، وفي إرساء وتعميق أكبر درجة من التعاون والتنسيق بين مختلف جهات الدولة، يعد حيويا لمواجهة أية تحديات، بما في ذلك التحديات المناخية وغيرها بالطبع.
* ثالثا: وبالنسبة للتمرين العماني البريطاني المشترك (السيف السريع /‏‏3) الذي تم تنفيذه في النصف الثاني من الشهر الماضي، وقد اختتم البيان العملي بالذخيرة الحية للتمرينين (الشموخ /‏‏ 2) و(السيف السريع /‏‏ 3) في الثالث من الشهر الجاري، فإن جوانب التميز والتفرد بالنسبة للتمرين المشترك (السيف السريع /‏‏ 3) تتمثل في أن هذا التمرين الكبير، وهو أكبر تمرين تشارك فيه القوات الملكية البريطانية خارج المملكة المتحدة منذ نحو 18 عاما، قد تم التخطيط له، كالعادة منذ وقت طويل، بحكم ما يتطلبه الإعداد والتخطيط ونقل القوات والمعدات والاحتياجات اللوجستية الأخرى من وقت طويل، وهو أمر معروف على المستوى العسكري. ومن ثم فإنه لا علاقة له بأية تطورات راهنة. وبينما شارك نحو خمسة آلاف وخمسمائة جندي بريطاني في فعاليات التمرين المشترك (السيف السريع /‏‏ 3) فقد شارك عدد كبير من المعدات والأسلحة المتطورة، مدرعة وبحرية وجوية ومعدات حرب إلكترونية حديثة، كما شهد التمرين درجة عالية من القدرة على التنسيق والتناغم والاندماج بين القوات العمانية والبريطانية المشاركة في مسارح العمليات المختلفة، وكذلك على مستوى القيادة والسيطرة، وعلى مستوى استخدام احدث الأسلحة المتوفرة لدى الجانبين، وهو ما أتاح في الواقع فرصة كبيرة لقوات السلطان المسلحة للاستفادة من خبرات بريطانية متطورة من ناحية، وتطوير القدرة على التخطيط والإدارة والتنفيذ لمثل هذه التمارين المشتركة الكبيرة واختبار الكفاءة على القيام بذلك من ناحية ثانية.
جدير بالذكر أن التمرين العماني البريطاني المشترك (السيف السريع /‏‏ 3) قد حظي باهتمام بريطاني واسع على أرفع المستويات العسكرية، ومما له أهمية ودلالة كبيرة ما أشار إليه قادة الجانب البريطاني في ختام البيان العملي بالذخيرة الحية للتمرينين يوم 3 نوفمبر الجاري، حيث أكد القادة البريطانيون استفادة الجانب البريطاني من فعاليات التمرين، وأكدوا سعادتهم بما لمسوه من قدرات وكفاءة عسكرية عمانية على صعيد التخطيط والتنفيذ والانضباط والقدرة على الاندماج والعمل المشترك بمهارة عالية، خلال كل مراحل التمرين، وبينما سجل بعضهم انبهاره بكفاءة الجانب العماني، إنه من الطبيعي، كما في كل التمارين العسكرية، أن تكون هناك الكثير من الدروس المستفادة، التي يتم تقييمها والوقوف أمامها والاستفادة منها، سواء على مستوى كل جانب، أو على مستوى العمل المشترك بين الجانبين العماني والبريطاني. وبينما أكد التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2) والتمرين المشترك (السيف السريع /‏‏ 3) أهمية وقيمة وثمرة الجهود التي بذلها ورعاها جلالة القائد الأعلى خلال السنوات الماضية، وهي التي ظهرت بوضوح في كفاءة التخطيط والتنفيذ والأداء والانضباط لقوات السلطان المسلحة والجهات العسكرية والأمنية والمدنية الأخرى المشاركة، فان آفاقا واسعة للتعاون العسكري بين البلدين الصديقين تظهر ويتسع نطاقها من أجل تحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة بين السلطنة والمملكة المتحدة بما يعزز الأمن والاستقرار لدول وشعوب المنطقة، اليوم وغدا.