كفاءة عسكرية فائقة ومنظومة دعم مدني صلبة!

د. صلاح أبونار –
أن قوات عمان المسلحة تعتبر «أحد أكثر الجيوش إثارة للإعجاب في منطقة الخليج»، لإنها قوات «مجهزة جيدا، ومنظمة تماما، وعلى درجة عالية من التدريب»

جاء التمرين الوطني (الشموخ/‏‏ 2 ) ومعه التمرين العماني البريطاني المشترك (السيف السريع/‏‏3) بدلالة واضحة لا تخطئها العين. ذلك أن الحجم الضخم للقوات المشاركة فيهما وكونهما الأضخم عددا وعتادا في تاريخ تمارين قوات السلطان المسلحة، وإجراء التدريبين في سياق متكامل ومتواصل على مدى شهر كامل، والدور البارز الذي لعبته القطاعات المدنية فيهما، تشير بوضوح إلى حرص القيادة السامية على اختبار وتطوير الجاهزية العسكرية العمانية، حماية للتجربة الوطنية في مواجهة سياق دولي وإقليمي مضطرب وينذر باحتمالات خطرة.
وصل عدد المشاركين العمانيين في التدريبين إلى سبعين ألفا، بينما شارك من الجانب البريطاني في تدريب السيف السريع نحو 5500 عسكري بريطاني. وفي أعقاب انتهاء التدريبين صدر عن القيادات البريطانية المشاركة في التدريب تصريحات متعددة، تشيد بقوة واحترافية الأداء العماني في (السيف السريع/‏‏3). ومن شأن تلك الشهادة أن تدفعنا لاستكشاف أبعاد صورة القوة العسكرية العمانية. ما هي تلك الأبعاد كما تخبرنا بها المصادر المتخصصة؟ هناك – أولا- هذا البعد الكيفي، المتعلق بمهنية وكفاءة الكوادر العسكرية. في عام 2006 كتب المحلل الاستراتيجي الأمريكي البارز انطوني كوردسمان مستشهدا بما جاء في نشرة متخصصة صادرة عن «مجموعة جان للمعلومات»، وهي شركة بريطانية عالمية مرموقة متخصصة في مجال المعلومات الأمنية والعسكرية، أن قوات عمان المسلحة تعتبر «أحد أكثر الجيوش إثارة للإعجاب في منطقة الخليج»، لأنها قوات «مجهزة جيدا، ومنظمة تماما، وعلى درجة عالية من التدريب»
وهناك – ثانيا – البعد الكمي ، المتعلق بإعداد القوات. وفقا للترتيب السنوي الذي تصدره مؤسسة «جلوبال فاير باور» العالمية المعروفة، جاء في بيانات عام 2018 يصل إجمالي أفراد المؤسسة العسكرية العمانية إلى ما يزيد على ستين ألف فرد، ويبلغ عدد القوة البشرية العمانية المتاحة للخدمة العسكرية نحو مليون ونصف المليون شخص، ويصل عدد من يدخلون السن الملائم للخدمة العسكرية سنويا إلى نحو 63 ألفا، وللوهلة الأولى قد يبدو عدد أفراد المؤسسة العسكرية العمانية قليلا نسبيا، ولكن هذا غير صحيح. ووفقا للمعايير العالمية فإنه يتناسب تماما مع عدد المواطنين العمانيين. ومن جهة ثالثة يخبرنا كوردسمان إنه من الناحية النظرية والعملية يمكن لعمان مضاعفة عدد أفراد جيشها لأن لديها احتياطيا بشريا صالحا للخدمة العسكرية يزيد على النصف مليون، وهو ما يعني أن العدد الراهن هو تعبير عن مواءمات عسكرية وسياسية وليس عن قدرة تعبوية وعسكرية. وهناك – ثالثا – هذا البعد المتعلق بالإنفاق العسكري. في عام 2017 وصل معدل الإنفاق العسكري العماني، إلى نسبة ملموسة من الناتج المحلي الإجمالي وأورد انطوني كوردسمان إحصائيات تتعلق بالبحرين وإيران والعراق والكويت وعمان وقطر والسعودية والإمارات واليمن، تخص ست سنوات تقع فيما بين 1997 و2012، وعبر هذه السنوات الست دارت نسبة الإنفاق العسكري العماني في حدود 10 % تقريبا ، مع ملاحظة أن الحجم الكلي للإنفاق العسكري للسلطنة يظل أقل بكثير من حجم الإنفاق العسكري لمعظم دول الخليج العربية، خاصة بالنسبة لصفقات السلاح.
سعت التمرينات إلى تحقيق عدة أهداف. يتعلق أولها بمعايير الأداء العسكري المباشر والتقني.على المستوى القيادي سعت التمرينات إلى تدريب القيادات المركزية عمليا وميدانيا، على السيطرة والتوجيه والتنسيق والتراتبية القيادية، ورسم الخطط ووضع الفرضيات والتوقيتات المناسبة واقتراح البدائل، وتقديم التقارير حول سير العمليات إلى القائد الأعلى. وعلى مستوى العلاقة بين الأفرع العسكرية، سعت التمارين إلى التدريب على التكامل الحركي للأطقم الفنية والإدارية والعسكرية، وخطط التعاون والإسناد المتبادل بين مختلف الفروع، وتشغيل واختبار خلية الاتصالات المشتركة وحماية كفاءتها واستمراريتها على مدار العمليات. وعلى مستوى الأداء القتالي المباشر للجنود سعت التمارين، إلى التدريب على الأسلحة والمعدات الجديدة واختبار كفاءتها ومدى استيعابها، وتدريبهم العملي على أحدث الخبرات العسكرية.
ويتعلق ثاني تلك الأهداف بأهداف المشاركة مع القوات البريطانية في تدريب واحد. من هذه الأهداف ، التدريب على التلاحم الميداني بين قوات أخرى، والاستفادة من خبرات قوات ذات تاريخ عسكري عريق، والاستفادة من التقييم المحايد للجانب البريطاني للأداء العماني، وأيضا إتاحة الفرصة لاختبار الأسلحة البريطانية الجديدة.
ويأتي الهدف الثالث والأخير ويتصل بالتدريب على منظومات التعاون مع الجهات والهيئات المدنية خلال العمليات القتالية. وقد لوحظ أثناء تتبع مسار وإخبار التمرينين، مدى اتساع وعمق الاهتمام الخططي والعملياتي بهذا الجانب. وتنبع أهمية دور هذه الجهات من دورها المركزي في عمليات التعبئة الاجتماعية السابقة على القتال والمرافقة له ، ومساهمتها المباشرة في الأعمال المساندة والمكملة للأعمال القتالية، وفي النهاية دورها في احتواء وتحييد الآثار الاجتماعية لهجمات الخصوم. وفي هذا السياق وضع مخططو التمرينات دورا واضحا لهيئات مثل شرطة عمان السلطانية ووزارة الصحة والتجارة الخارجية والاقتصاد والنقل والمواصلات والبلديات والإعلام والدفاع المدني والإسعاف ، من خلال سيناريوهات أساسية تقوم على المحاكاة للحظة اشتباك عسكري، تفترض التحرك لمواجهة أزمات مفترضة وأداء مهام مطلوبة والتـأمين ضد احتمالات معينة.
وضعت وزارة التجارة والصناعة وهيئة الاحتياطي الغذائي، نموذج محاكاة تدربا عليه في سياق موازي ومتفاعل مع التدريبات، وفقا له جرى العمل على تفعيل الاتفاقيات الدولية، وضمان توفير السلع الأساسية واستقرار أسعارها، والتنسيق مع المستثمرين الأجانب، والحفاظ على الطاقة الاستيعابية لتخزين المواد المستوردة، والتدريب على كيفية إيجاد البدائل في حالة تعذر العمل مع الشركات الأجنبية، والحفاظ على سعر الصرف. ووضعت وزارة النقل والمواصلات نموذج محاكاة مماثل، تم في سياقه تهيئة وتسخير ميناء الدقم لاستقبال القوات البريطانية، وإعداد الطرق فنيا وإداريا للمشاركة في الحركة ونقل البضائع، وإيجاد منافذ بديلة للنقل في حالة تعرض الموانئ والمطارات والطرق الأساسية للقصف. وهو نفس ما قامت به وزارة الصحة، عندما قامت بتنفيذ سيناريو افتراضي لضربة جوية تمثلت في سقوط صاروخ على استاد رياضي، وتنفيذ تدريب على مواجهة الحادث عبر التعاون مع القوات المسلحة وقوات الأمن، تم من خلالة تطهير الموقع كيمائيا وإجلاء المصابين، والإنقاذ الطبي، والتأكد من كفاءة الاستيعاب الطبي للمصابين في مستشفيات قريبة. وكان لشرطة عمان السلطانية دور بارز في نفس الاتجاه. وخلال التمارين قامت شرطة عمان السلطانية بمراقبة السواحل والطرق، ومنع التجوال وفرض النظام، ونشر دوريات أمنية، وتأمين المرافق الحيوية، وإقامة نقاط تفتيش، وتأمين الطرق المختلفة. وخلال قيامها بتلك المهام وضع الأداء الشرطي تحت مجهر الفحص، لقياس فعاليته وسرعته وقدرته على السيطرة ومدى تكامل منظوماته.
ولقد قدر لتلك المشاركة المدنية في التمرينات ، أن تشهد شكلا من أشكال التطبيق العملي والخاص الأبعد من نموذج المحاكاة، عندما هب إعصار لبان على محافظة ظفار خلال نفس فترة التدريبات. مع بداية إنذارات الإعصار وما رافقها من توقعات بقوة مدمرة، تشكلت آلية للتنسيق والمواجهة تكونت من اللجنة الفرعية للدفاع المدني بمحافظة ظفار، ولجنة الطوارئ والكوارث بالمديرية العامة للخدمات الصحية، ولجنة خاصة من قوات السلطان المسلحة هي اللجنة العسكرية الرئيسية لإدارة الحالات الطارئة. وكان لتلك الآلية أعظم الأثر في مواجهة إعصار لبان، وشكلت تدريبا عمليا موازيا للتدريب الافتراضي.
انتهت التمرينات في الثالث من نوفمبر الجاري بنجاح لافت في صورة بيان عملي ختامي بالذخيرة الحية، اتخذ صورة معركة بحرية في غبة بنتوت ومعركة جوية برية بولاية محوت، ضد عدو افتراضي « دولة الأوهام». وعدما ننظر إلى قائمة أسماء كبار الحضور الذين شهدوا البيان الختامي، سوف نجد إلى جوار رؤساء الأركان العامة للسعودية والإمارات وقطر والكويت، ومسؤولين عسكريين كبارا من الأردن ومصر الى جانب رئيس أركان الدفاع البريطاني ورئيس الأركان العامة البريطاني ورئيس أركان السلاح الجوي الملكي البريطاني ورئيس هيئة الأركان البحرية البريطانية. وفي تلك القائمة وحدها ما يشهد على أهمية تلك التمارين وطابعها المفصلي.