السلام تصونه القوة والجاهزية

طارق الحريري – باحث في شؤون السلاح والاستراتيجية –

,,المخطط العسكري العماني لم يفته في إطار الرؤية الاستراتيجية للسلطنة أن يقوم بتحديث الهياكل التنظيمية للقوات دون إغفال أهمية تعزيز القدرات العلمية للقادة والضباط والتدريب المستمر للجنود وتنفيذ التمارين في مستوياتها التكتيكية الأولية,,

تنتهج سلطنة عمان نهجا سياسيا يتصف بالحكمة والاتزان في مواجهة القضايا والأزمات الإقليمية والدولية دون إخلال بثوابتها الوطنية ومرتكزات الفكر السياسي المعاصر وفى إطار توجهاتها الراشدة تستخدم السلطنة أدواتها المختلفة من أجل ترسيخ مفاهيمها الاستراتيجية الشاملة للدولة ومنها قوات السلطان المسلحة، إحدى أدواتها الرئيسية التي يتم تحديثها وتطويرها باستمرار والحفاظ على جاهزية قوات السلطان المسلحة بكل أفرعها وكفاءتها وقوتها التي يعتمد عليها باعتبارها أحد الأذرع الرئيسية الهامة من أجل صون سلامة البلاد والحفاظ على استقرار السلام والأمن. فإظهار سلامة القوات المسلحة ويقظتها وجاهزيتها هي بالأحرى رسالة للآخرين بأنها لا تقوم فقط بالحماية لأراضيها ومكتسباتها ولكنها أيضا تشكل حائط صد سياسي فالسلام تصونه القوة دائما وهذا ما يتجلى في الفعاليات العسكرية لقوات السلطان المسلحة ومنها ما تم في تمريني (الشموخ /‏‏2) و(السيف السريع/‏‏3) والغاية منهما:
أولا – (الشموخ/‏‏ 2 )
شاركت في هذا التمرين قوات السلطان المسلحة والدوائر الأخرى بوزارة الدفاع العمانية على اختلاف تخصصاتها دون إغفال مشاركة الجهات ذات الطبيعة العسكرية والأمنية الأخرى وتطبيقا لقواعد الاستراتيجية الشاملة تحت مشاركة واسعة من المؤسسات الحكومية المدنية اعتمادا على الخطط التدريبية المخطط لها مسبقا من أجل اختبار الاستجابة للأوامر والتعليمات وتوحيد المفاهيم لقوى الدولة والارتقاء بالأداء والجوانب الإجرائية على المستويات الاستراتيجية والعملياتية والتعبوية حيث يقوم كل المشاركين في التمرين من قيادات عليا ومتوسطة عسكرية ومدنية وعناصر تنفيذية عسكريا على الأرض من ضباط وضباط صف وجنود يقومون جميعا بتعزيز وتضافر الأبعاد المتعددة والمتكاملة للتفاعل بين مكونات العمل الوطني ومنها الاقتصادي والدبلوماسي والأمني والمعلوماتي وبالطبع العسكري لتحقيق الأهداف العليا للسلطنة من أجل إحراز الغاية الوطنية لتوجهات الدولة التي أقيم هذا التمرين من أجل تأكيدها.
ثانيا – (السيف السريع/‏‏ 3)
تشارك في هذا التمرين القوات السلطانية على نطاق واسع في تدريب مشترك مع عناصر مختلفة من القوات المسلحة الملكية البريطانية التي تشارك بأعداد كبيرة مقارنة بتدريبات مشتركة أخرى لها ، ويعتبر هذا التمرين الأكبر في تاريخ السلطنة حيث شارك فيه من جانب القوات العمانية أكثر من 70 ألف عنصر ومن القوات البريطانية ما يزيد عن 5500 مقاتل وكانت الأسلحة والمعدات البريطانية قد وصلت قبل بدء التمرين عبر ميناء الدقم وتشكلت من المروحيات العسكرية والدبابات والآليات المدرعة وناقلات الجند وعربات النقل الخفيفة والثقيلة كخطوة أولى لاستكمال التجهيزات اللوجستية والعملياتية ويعد تمرين السيف(السريع/‏‏ 3 ) ميزة كبيرة لاكتساب وتبادل الخبرات في كيفية الانتقال بالقوات من العمل منفردة إلى العمل المشترك، تعاونا مع قوات صديقة ذات قدرات وإمكانيات وفكر مغاير، ويعد التدريب المشترك مع دولة كبرى بحجم بريطانيا نوعا من الاستخدام السياسي للقوة العسكرية يحقق مكاسب هامة سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو الأمني والمعلوماتي بل والاقتصادي أيضا ، فعلى الجانب العسكري يشكل تبادل الخبرات العسكرية والقتالية تعميقا للروابط وتوحيدا للمفاهيم مع دولة صديقة ، فضلا عن التطوير المستمر في أنظمة التسليح إضافة إلى دعم العلاقات السياسية والاقتصادية وكمحصلة تكتسب السياسة الخارجية للدولة قوة نفوذ عالية لتحقيق أهدافها الوطنية. لقد تغيرت المفاهيم الاستراتيجية فيما يخص جاهزية الجيوش كثيرا، بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية في النصف الأول من القرن العشرين، ومن بعد الحرب العالمية الثانية -تحديدا- تجذر مفهوم الاستراتيجية الشاملة حيث أصبحت قوى الدولة المختلفة منخرطة في تأمين مصالحها. وإذا كانت الاستراتيجية العسكرية معنية بجوانب الصراع المسلح أي أن مداها ونطاقها محدود بالحرب لأن مهمتها تقتصر على معالجة قضايا توزيع واستخدام الوسائل والإمكانيات العسكرية المتاحة لتحقيق هدف الاستراتيجية العليا لذلك تغيرت مفاهيم أساليب تدريب (تمرين) القوات في الجيوش المعاصرة فالاستراتيجية الشاملة للدول أصبحت تواجه تحديات غير تقليدية وتهديدات غير نمطية وقد ظهر هذا جليا في التطور المتنامي للتدريب كما ونوعا في تمرينات قوات السلطان المسلحة منذ بدأ في عام 1986 التمرين بالسلاح المفرد والإسناد المحدود. وعلى مدار ما يزيد على ثلاثة عقود من التدريب حدثت طفرات كبيرة في تحديث أسلحة ومعدات قوات السلطان المسلحة بأفرعها المختلفة، لتواكب قواتها مقتضيات العصر، ولم يكن الحصول على أحدث منظومات التسليح هدفا في ذاته، لأن المخطط العسكري العماني لم يفته في إطار الرؤية الاستراتيجية للسلطنة أن يقوم بتحديث الهياكل التنظيمية للقوات دون إغفال أهمية تعزيز القدرات العلمية للقادة والضباط والتدريب المستمر للجنود وتنفيذ التمارين في مستوياتها التكتيكية الأولية ومن ثم تعبويا وصولا إلى المستوى العملياتي الاستراتيجي، وهذا مستوى فائق يتطلب الاستجابة لمراكز القيادة والسيطرة والتنفيذ الصحيح للإجراءات الواجبة للقوات ميدانيا على الأرض في مسرح العمليات الذي يتسع ليشمل الاتجاهات الاستراتيجية لكافة أرجاء الدولة.
في كلا التمرينين (الشموخ/‏‏2) و(السيف السريع /‏‏ 3) انتقلت أهداف التدريب إلى أساليب متجددة تتماشى مع العوامل التي طرأت على المستجدات في الساحة العسكرية التي أصبح على الجيوش أن تتعامل معها رغم تبايناتها في استجابة موازية تغطي آثار هذه المستجدات وتتمثل في:
1 – التغير الذي طرأ على أنماط الصراعات المسلحة بعد ظهور حروب الجيل الرابع والجيل الخامس والصراعات الهجينة.
2 – الانقلاب الهيكلي لمسارح العمليات مع ظهور الحرب اللامتماثلة وانعكاس ذلك على السياق العام للحروب المعاصرة.
3 – تحولات البيئة العملياتية المعاصرة مع تطور أنظمة القيادة والسيطرة والثورة الرقمية في تشغليها.
4 – الإيقاع المتسارع في تطور منظومات التسليح وتكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال.
في كلا التمرينين (الشموخ/‏‏2 ) و(السيف السريع/‏‏ 3 ) أظهرت نتائج التدريب قدرة القوات على تطبيق قواعد معركة الأسلحة المشتركة بما تتطلبه من قدرات عالية على التنسيق وتنظيم التعاون الدقيق اعتمادا على توحيد الفكر والتخطيط إذ أن على كل فرع رئيسي في القوات المسلحة (القوات البرية – القوات البحرية – القوات الجوية – قوات الدفاع الجوي) ألا يعمل منفردا فالمعركة الحديثة هي معركة الأسلحة المشتركة ، التي لا يمكن أن تنجح بمجهود فرع واحد فقط من أفرع القوات المسلحة، لأن الأفرع الرئيسية يجب أن تكون مندمجة وموحدة تحت سيطرة قيادة مندمجة وموحدة أيضا وهنا ظهرت في تمريني (الشموخ/‏‏ 2 ) و(السيف السريع/‏‏ 3) قدرة قوات السلطان المسلحة على تحقيق العقيدة العسكرية والتطبيق الصحيح للمفاهيم في العمليات المشتركة الموحدة واتضح هذا في الوصول بمراحل التدريب إلى المعركة العميقة للقوات التي تتجاوز الإجراءات التعبوية والارتقاء إلى مستوى واجبات ومهام عمليات استراتيجية تلك التي تتعدى العمليات التي تقتصر على مناطق معينة أو قريبة في مسرح واحد إذ تمتد إلى عدة مسارح في توقيتات متزامنة وفق خطة موحدة وقيادة موحدة وهنا تظهر كفاءة ومهارة هيئة الأركان ومستويات التدريب الناجح في إعداد الفرد المقاتل والوحدات القتالية على تدرجها. أحد الأبعاد التي تبدت في تمريني (الشموخ/‏‏ 2 ) و(السيف السريع /‏‏3 ) هي القدرة على مواكبة الإيقاع السريع في تطور منظومات السلاح، فقد شارك سلاح الجو السلطاني العماني الذي يمر بمرحلة تحديث وتطوير لافتة بطائراته الحديثة المقاتلة ، وأيضا طائرات النقل التعبوي والطائرات المروحية وطائرات الاستطلاع بمشاركة أنظمة الدفاع الجوي، وهكذا تم في التمرينين اختبار متطلبات ومعايير الكفاءة القتالية والجاهزية العملياتية والكادر الفني الذي يعمل على السلاح والمعدة إضافة إلى اختبار مهام البحث والإنقاذ وتقديم المساعدات المتنوعة للمجتمع.