نوافذ: 50 عاما.. بين رحلتي العم.. وبرام

سالم بن حمد الجهوري –
salim680@hotmail.com –

بين وجه العم القادم من أتون الغربة في مطار بيت الفلج، وزيارة الصديق الهولندي برام، مضت 50عاما من العمر، تصفحت المشهدين فكلاهما عبر عن عصره. لكن الفارق بينهما كمن يناظر صورتين، الأولى أخذت بالأبيض والأسود والأخرى ملونة بأحدث التقنيات تنبض بالحياة.
مضت كل هذه السنون بين المشهدين اللذين عايشتهما واقعا انتقلت فيهما من مطار بدائي الى آخر حديث بكل مستلزمات العصر ينافس عالميا.
في صيف لافح من عام 69 من القرن الماضي وقفت الى جانب أبي تحت مظلة مفتوحة من كل الجهات نتسمر في مقر مطار بيت الفلج وأمامها غرفة ليست بكبيرة بها بابان شمالي وجنوبي وموظف على طاولة في الداخل ومدرج قصير من الأسفلت تقع كلها في ممر ضيق بين جبال سمر قست عليها الشمس تمتد كالسياج شمال وجنوب مايسمى ذلك الوقت بمطار بيت الفلج الذي أنشئ كأصعب مطارات العالم على الطيارين في الإقلاع والهبوط، لايتقن التعامل معه إلا من أوتي الجرأة والخبرة لقصر المسافة بين نهاية المدرج ورؤس الجبال.
أقف الى جانب أبي الذي يتحرق شوقا لرؤية أخيه الذي فارقه لسنوات طويلة، لولا ذلك الخطاب الذي وصله منه قبل أيام قليلة يبشره بالعودة الى مسقط بمثابة الفرح الذي لم أره في عينيه طيلة حياتي.
هبطت الطائرة ذات المراوح والهدير المزمجر واقتربت منا رويدا رويدا حتى توقفت بالقرب من ذلك المكتب الذي كان لختم الجوازات.
وفتح باب الطائرة التي تبعد عنا بضعة أمتار دون أي إجراءات أمنية، ليخرج الركاب وبينهم العم الذي لم أشاهده في حياتي لنعتلي اللاند روفر والانطلاق عبر شارع ترابي إلى السويق.
وفي 3 نوفمبر من 2018 استقبلت الصديق الهولندي برام الذي رافقه صديقنا المشترك هشام، وكعادة الأوربيين لايتوقفون كثيرا عند أشكال وهندسة المطارات، اضطررت إلى انتظار الصديقين لوقت كبير وهما يجولان بناظريهما بين ردهات مطار مسقط الجديد، مبديين ذلك الانبهار الملفت بروعة التحفة العصرية التي شكلت انطباعهما الإيجابي الأول عن عمان طيلة أيام زيارتهما.
توقفنا في صالة الاستقبال وتفحصا المرافق، كانت أول تعليقاتهما عن سهولة الإجراءات التي مرا بها لاسيما رقي أفراد شرطة عمان السلطانية وبشاشة الموظفين وترحيبهم بالزائرين وسرعة إنهاء الإجراءات. ثم خرجنا الى السيارة وتوقفنا عند الخدمات الخارجية وكلما ابتعدنا عن المكان لايزال الصديق برام الذي جال في مطارات العالم بحكم عمله يشيح بوجهه باتجاه المطار وقد أسره.
المقارنة بين المشهدين توجزان عمر النهضة التي قادها سلطان البلاد وكيف تمكنت خلال نصف قرن تقريبا من الانتقال من شبه العدم الى التنافسية على المؤشرات الدولية.
فالمطار الجديد فقط قفز من التصنيف ٧٣ الى الرقم ٢٤على مستوى العالم ويستهدف المركز ٢٠في ٢٠٢٠. وما بينهما كان الانتقال الى مطار السيب الدولي آنذاك الذي افتتح في عام ١٩٧٣ ثم الاستقبال التاريخي لذلك المطار الناشئ لطائرة الكونكورد عام ١٩٧٤ لتعطي شهادة جودة لذلك المشروع بعد أن عجزت بعض مطارات المنطقة عن استقبالها.
المطار الجديد إضافة وركيزة للاقتصاد ونافذة على العالم ومعلم مشرّف على المستوى الدولي، سيصل تدريجيا الى سعة استقبال تبلغ 48 مليون راكب عبر مراحل متدرجة، وسيعيد ربط عمان جوا مع عواصم العالم كما كانت بحرا في الأزمان الغابرة التي وصل صيتها الى أصقاع الدنيا. بافتتاح المطار يوم امس الأول تكتمل أهم ٣ أحلام للمواطن والحكومة وهي المطارات الحديثة التي أنجزت والموانئ العالمية وشبكة الطرق التي تربط المحافظات، وقد تبقى مشروع السكك الحديد الذي نأمل أن يرى النور بهمة من أنجز معظم أحلامنا.
ألف تحية لقائد المسيرة الذي أضحى أحد الرموز العالمية وقاد عمان إلى بر الأمان قرابة نصف قرن وزرع الحب في الجميع.