ناصــيف نصّـــار فيلســـــوفا

ربيع الدبس/  أستاذ الفلسفة السياسيّة والاجتماعيّة في الجامعة اللّبنانيّة –

هل الفلسفة رهينة العقل العبقريّ والمُتجدِّد؟

لعلّه سؤال يفرض نفسه بقوّة على قارئ ناصيف نصّار: فيلسوفا وأستاذا ومَرجعا أكاديميّا عربيّا مُعاصِرا، وضَع الفكر السياسيّ والاجتماعيّ تحت المجهر الفلسفيّ الذي لا يُهادِن دُعاة التقليد، ولا يُساوِم على المُنطلقات والمَفاهيم، إذ في رَحَمها فقط ينمو جنين الفكر، فإمّا أن يكون هَجينا مُلغيا مُبرِّرَ وجوده، أو يكون سليم التكوين، توليديّا بالنَّوع والابتكار والأُفق المستقبليّ.
ليس سهلا إطلاق لقب «فيلسوف» على مفكّرٍ ما، إلاّ إذا كان له بناؤه الفلسفي المُتماسِك في نظريّة مُتكامِلة. وما من رَيْب في أنّ نصّار، منذ إرهاصاته الإنتاجيّة الأولى، قد أَثبت عكوفه على مشروعٍ فلسفيّ عربيّ، من أولى ركائزه تسديد سؤال الهويّة المَعرفيّة، سواء أكان خيالا أم حقيقة، وَهْما أم رؤيا.
ولم يكفّ يوما عن الدعوة المنهجيّة الجادّة إلى النهوض والتنوير واعتماد الثقافة الديمقراطيّة، وإلى اضطّلاع النُّخب بدَورها في اجتراح آليّات التقدّم والرّهان على جدواها.
فالرجل الذي كرَّسته الموسوعة الفرنسيّة على مساحة ثلاثة أعمدة، بوصفه فيلسوفا، لا تصحّ المُكابَرة في الإقرار بإسهاماته الفلسفيّة الجليلة، وربّما كان مدينا في كشوفاته المعرفيّة لحريّة عقله وروحه، اللّذَين أَعتقهما من السجن اللّاهوتي والجمود الدوغمائي فاختلجتْ فيهما نسمةُ النقد الرؤيوي ومسؤوليّة الفكر الحرّ.
كان الخطّ البياني لعمارته الفلسفيّة يرتسم بجلاء: من «طريق الاستقلال الفلسفي» إلى «الذّات والحضور» وما بينهما؛ وإذا كان نصّار في كِتابه «منطق السلطة» قد فكَّك فلسفة الأمر، فهو في «باب الحريّة» مسكون بما يراه واجبَ جعْلِ الحريّة موضوعا للفكر الخلّاق.
وأذكر أنّني نظّمتُ لهذا الرجل، المتبحِّر في اللّغتَيْن العربيّة والفرنسيّة وحضارتَيْهما، منذ بضع سنوات ندوة في بيروت بعد صدور كِتابه «في منطق السلطة»، وكان بين المُنتَدين وزير ونائب وأستاذ جامعي. إلّا أنّ المُفاجأة التي حَدثت بعد انتهاء المُداخلات تمثَّلت بقول صاحب الكِتاب لدى صعوده إلى المنبر للتعليق على الأوراق المقدَّمة: «أنتم لم تقرأوا الكِتاب، بل تصفّحتموه عَرَضا. وضَحكتم على الحضور بما قلتموه، إلّا أنّني لم أنخدع بقدر ما أشفقت عليكم وعلى الحضور الذي أضعتم وقته سدى».
هذه الصراحة الصاعقة لم تكُن يتيمة. والذين حضروا المُناظَرة بينه وبين المفكّر الراحل محمّد عابد الجابري في إحدى ندوات المعرض السنوي للكِتاب في «البيال» أدركوا كَم أنّ نصّار واضِحٌ وحاسِمٌ إلى درجة القسوة أحيانا. كذلك نقول في استقالتَيْه من عمادة كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة من جهة، ومعهد العلوم الاجتماعيّة من جهة أخرى. فالذين أُتيح لهم الاطّلاع على كتابَيه يوم استقال أكبروا في الرجل أخلاقه وصدقيّته واحترامه لمسؤوليّته وللجامعة الوطنيّة التي خدم طويلا فيها من دون أن يطلب شيئا لنفسه، سواء أكان ترشيحا محقّا لجائزة نوبل أو حتّى دعوة إلى تكريمٍ شكليّ استحيائي على الطريقة اللّبنانيّة الفولكلوريّة التي يأباها أصلا… من دون أن ننسى قيام مركز دراسات الوحدة العربيّة في بيروت بطبْع أبحاث الندوة التي نظَّمتها في عام 2014 شعبة الفلسفة في جامعة بنمسيك المغربيّة، وقبل ذلك قيام الاتّحاد العربي للجمعيّات الفلسفيّة بإصدار كِتابٍ عنه في القاهرة بعنوان «قراءات نقديّة في فكر ناصيف نصّار».
وتَحْسُن الإشارة – قبل الانتقال إلى كِتابه الأحدث «النور والمعنى- تأمّلات على ضفاف الأمل» (دار الطليعة 2018)- إلى أنّ «العقلانيّة النقديّة المُنفتِحة» هي شأنٌ أساسي لدى نصّار الذي يَعتبر أنّ مسألة اللّيبراليّة وعلاقتها بأطروحة « نهاية التاريخ» في الاتّجاه الذي طَرحه فرنسيس فوكوياما هي مسألة واقعة في مجال المخيّلة أكثر منها في مجال العقل، وإلى اعتبار اللّيبراليّة عُنصرا شرطيّا أساسيّا من عَناصر صناعة التاريخ، لكنّها ليست نهاية التاريخ (راجِع كِتابه «باب الحرّية»)، كما ذهب فوكوياما في تبنّيه المُطلق لمفهوم التفوّق الحتميّ للحضارة الغربيّة.
أمّا كِتابه الجديد «النور والمعنى»، الذي يشكِّل إضافة مَعرفيّة نَوعيّة، فيأتي تناوله فيه لمسألة المعنى، كما يقول المؤلِّف، استكمالا لفلسفة الوجود التاريخي التي طرحها في كِتاب «الذّات والحضور» الصادِر في عام 2008. ويعرض نصّار لمفهوم التأمّل باعتباره يتّسع لجميع العمليّات العقليّة التي يَستخدمها التفكير الفلسفي. أمّا الأمل فلا معنى لحياة الإنسان لولاه، وعلاقة الأمل بالمعنى ليست علاقة شرط فحسب. «فالأمل يتقوَّى، ويتمكَّن، ويتجدَّد، ويُغذّي الحياة بقدر ما يَمتلئ من المعنى». ومن كارل بوبر إلى تشارلز تايلور ينتقل التفكير النقدي من الحوار مع الأوّل إلى الحوار مع الثاني، لكي يتوصّل إلى استخلاص الشروط العامّة للاختبار الجماعي المجتمعي لمعنى الحياة، أي للروابط التوحيديّة والوعي المُشترَك والمؤسّسات المُلائِمة. كما يحسم مسألة غير متَّفق عليها بالنسبة إلى المَرتبة الجديدة غير المسبوقة في حياة الإنسان، «إذ لم يحدث قطّ أن توحَّدت البشريّة وشعرت بالحاجة إلى أن يكون لها معنى لحياتها، كما هو حاصِل منذ ظهور حركة العَوْلَمَة بقوّة قاهِرة» (أنظر توطئة كِتاب «النور والمعنى»).
يغوص المؤلِّف في استبطان مقولة «أنا أحيا»، فيعرض لدَورة النّظام الرأسمالي الرهيبة ويتوقّف عند السؤال عن حقيقة الحياة الناجِحة، واستتباعا عن مدى صحّة نسبة معايير النجاح والفشل إلى قيمة واحدة مركَّبة من الإنتاج والربح والاستهلاك، ومُختصَرة في السلعة، ليأتي جوابه، على الطريقة السقراطيّة في مُساءَلة الإجابة: ألَيست الحياة «كأنا»، كذاتٍ شخصيّة، حاملة في تكوينها نزعة إلى نجاحٍ أوسع وأعمق وأصدق تعبيرا عن وضعها في منظور التطوّر، نجاح يتجاوز قيَم الرأسماليّة، ويستمدّ معاييره من قيَمٍ أخرى كالحقيقة والعدل والجمال والحبّ؟ (أنظر توطئة كِتاب «النور والمعنى»).
أمّا الجهاد الغائيّ فمِعياره، بحسب توطئة الكِتاب نفسه، الإنجاز المحدَّد: «الإنجاز هو الدليل الموضوعي على خصوبة الجهاد وفاعليّته». فالعمليّة، عمليّة إنتاج معنى الحياة ورعايته، مفتوحة على درجات من إمكانيّات التطبيق المُتناسِق لمبادئ الجهاد والانتظام الوظائفي والانبساط. ولهذا السبب نجد العمليّة مفتوحة على درجات من الاضطراب والتأزّم وربّما الإخفاق. لكنّ قابليّة الاضطراب في هذه العمليّة أشدّ تحفيزا للتفكير في مُستلزماتها وأبعادها من قابليّة التحقُّق الهادئ لإمكانيّاتها.
وإذا كانت فلسفة الماهيّة هي ماهيّة الفلسفة، كما يؤكّد نصّار، فإنّ معنى الحياة، في يقينه، ليس مسألة ثانويّة ولا هامشيّة، في كينونة الأنا، فالأنا تستيقظ على معنى الحياة بأشكالٍ مختلفة إلّا أنّ يقظتها الحقيقيّة، يقظتها الكبرى، لا تتحقَّق سوى بعد تحوّل معنى الحياة عندها قضيّة مركزيّة وحاسِمة في كَينونتها وفي منظومة علاقاتها بأحداث العالَم من حولها.
ثمّ يعرض لرأي ميشال فوكو في مفهوم الاهتمام بالذّات باعتباره تعزيزا لهذا المفهوم، وتزويدا له بعناصر وأبعاد ضروريّة لاستقامة وظيفته، وتأكيدا على اعتبار فوكو ونصّار أنّ في الروحانيّة الفلسفيّة القديمة أصالة وقيمة متواصلتيْن.
في الفصل الثالث للكِتاب والمُخصَّص للعمل السياسي وقضيّة المعنى، يجزم نصّار بأنّ «العمل السياسي في المجتمع المُنفتِح محكومٌ بروح المجتمع المُنفتِح ومبادئه». لكنّ هذا المجتمع لا يخضع لمبدأ التوحيد المُطلَق، ولا يملك رؤية واحدة شاملة إلى المعنى… وسياسة المعنى فيه مبنيَّة على قاعدة احترام الفوارق القائمة بين الأطراف المُختلفة، باعتبار أنّ هذه السياسة تنهض أيضا على قاعدة التمييز بين مستويات اختبار المعنى.
يشدِّد الفيلسوف نصّار على عامل الوعي الأنتروبولوجي المُشترَك، وهو ظاهرة متنامية، موضوعها ظاهرة الإنسان في الكون، وهكذا يكون الوعي الأنتربولوجي هو الوعي الذي يُخرِج سؤال الإنسان عن نفسه وعن مَوقعه في الكون من الغموض والضمنيّة إلى الوضوح والعلنيّة، بحيث يؤدّي دَورا مركزيّا في تشكيل الجانب الروحي من البنيان الحضاري. وهذا يقود المؤلِّف إلى الحديث عن الإنسان المُقتدر، تيمُّنا بمؤسِّس عِلم العمران البشّري ابن خلدون، الذي حدَّد المعنى المقصود بالاقتدار على جلْب المَنافِع ودفْع المضار، أي أنّه اقتدار مرتبط بالحاجات. ويفتح نصّار، المعروف بسبره العميق لأغوار ابن خلدون، على فيحاء الفكر، لأنّ الفكر هو ما يُميّز الإنسان عن الحيوان، كما يَحْكُم عمليّة الإحاطة والقيام بالأفعال المُجدية. لكنّ الاقتدار المَعرفي الخلدوني يعني جوهريّا تفعيل الإنسان لعقله السببي. فالعقل يرجع، في التحليل الأخير، بمَراتِبه الثلاث، وهي العقل التمييزي والعقل التجريبي والعقل النظري، إلى العقل السببي.
ثمّ يستند نصّار إلى نصّ هايدغر المركزي في نظرته إلى الإنسان وعنوانه «رسالة في الإنسانويّة»، ففي هذا النصّ المِحوريّ الكثيف الذي كَتبه بعد أهوال الحرب العالميّة الثانية، يُخضِع هايدغر الإنسانويّة إلى امتحانٍ شديد الصرامة، ينال من أعمق مبادئها ويطرح أسئلة أخلاقيّة بالِغة الإحراج حول انخراطها في عمليّة البحث المُتزايِد عن الاقتصاد والسيطرة على الطبيعة، بل على المضمون الإنساني للمدنيّة الأوروبيّة؛ فاللّفظة فَقدت معناها، لذلك يكون الجواب أوّلا في البحث عن المعنى المفقود وعن سبب فقدانه. ومن ثمّ في البحث عن منطقيّة المسوّغات للاحتفاظ باللّفظة، في ما لو توافَر لها معنى جديد.
على أنّ الشعور الأخلاقي لا يفعل فعْله إلّا من حيث إنّه وظيفة تستمدّ من وظائف الروح الأخرى مَددا لفاعليّتها. فهل تتكوّن الفضائل وتستمرّ في السلوك من دون التزام الإرادة وتأييد العقل؟ يسأل نصّار قبل أن يجيب: «بالتأكيد لا». ويحسم – هو العَلمانيّ بامتياز- أنّ المُطالَبة بفصْل الأخلاق عن مرجعيّة الدّين تُثير مشكلات تتجاوز فلسفة السياسة وتستدعي إعادة النظر في معنى الإنسان، إذْ كان من نتائج فصْل الأخلاق عن مرجعيّة الدّين أَنْ تفكَّكتْ العلاقات بين دائرة الأخلاق وبين دوائر القانون الوَضعي بمعناه الواسع، لأنّ ذلك الفصل لم يُلغِ الدّين ولم يُقِمْ بديلا توحيديّا مُكافِئا له. على أنّ نصّار، ذا الشَغف الفكري والوجداني بالروح الخلّاق، يدعو إلى «انتظام العناصر الخلّاقة في تيّار النزوع إلى الكمال». فالعقل لا ينير حقّا طريق الحريّة إلّا بمقدار ما يَجعل الكائن العاقل مُتعاليا نحو القيَم الكونيّة العليا التي تَمنحه العناصر اللّازِمة لنسيج كماله، وفي هذا الشرط بالذّات تكمن العلاقة بين الإنسان وإنسانيّته. فالتاريخ المُتخم بالفظائع هو نفسه حافِلٌ بالروائع، والحياة ليست لعبة توضَع مُعادلاتها تعسّفا واعتباطا، وإنّما هي مُغامرة التأنسُن العظيم بانتصار القيَم العليا كمنظومة حضاريّة مُتكامِلة.

ينشر بتنسيق مع مؤسسة الفكر العربي