نوافذ: «طماطنا» هندي وجزرنا صيني

عبدالله بن سالم الشعيلي –
Twitter:@ashouily –

لا غرابة في هذا الأمر فخضروات المائدة فضلا عن الفاكهة ومنذ زمن ليس باليسير هي مستوردة من الخارج، والأسباب وراء ذلك عديدة ومختلفة ومعقدة إن حُل أمر منها تشابكت أخرى، وهكذا حتى وصلنا إلى أن الحل الأنجع لكل هذه الدوامة أن نكثر من استيراد ما نأكله.
لست بصدد السؤال ولا الجواب عن انحسار الزراعة المحلية ولا بصدد السؤال أيضا ولا الجواب عن استسهال الاستيراد للخضر والفواكه؛ لأن هنالك من سبقتني إلى تلك المحاولة وعجز عن إيجاد جواب لهذه المعادلة، غير أن فضولي الصحفي أبى عليَّ إلا أن أدس أنفي في هذا الموضوع والبحث والاستقصاء عنه، فقصدت متجرًا صغيرًا لبيع الخضروات والفواكه يديره شاب عماني في مقتبل عمره، فسألته عن سعر الطماطم الحمراء ومصدرها فقال إن منها ما هو عربي، ومنها ما هو أعجمي فأما العربي فيأتينا من جارتنا البعيدة الأردن التي تصغرنا مساحة بثلاث مرات، وأما الأجنبي فهو من الصديقة الهند التي نستورد منها الخضر والفواكه والبشر. سألته عن خضروات المائدة اليومية كالجزر والخيار والخس والباذنجان وغيرها فعدد لي كثيرا من الدول حتى وصل إلى الصين، فسألته أين العماني منها فأجاب بأنه الوحيد العماني في ذلك المحل مع بعض الخضروات الصغيرة المتناثرة هنا وهناك.
تركت المحل الصغير وذهبت لسؤال الوزارة الكبيرة عن السبب فوجدت في موقعها جوابا لا أخفيكم سرا إن قلت بأنه صادم بالنسبة لي على الأقل، حيث قرأت بأن نسبة الأراضي الصالحة للزراعة في السلطنة لا تتجاوز السبعة في المائة في حين أن ما تبقى من هذه النسبة (ثلاثة وتسعون في المائة) فهي أرض بور لا ينبت فيها نبات ولا تصلح حتى لزراعة رأس بصل، والسبب كما عزته الوزارة يرجع إلى تملح الأرض والإسراف في استخدام الأسمدة والمبيدات الكيماوية وبعض العوامل الأخرى مثل نقص المياه ونوعية التربة نفسها وأزيد عليها كثرة الأيدي العاملة غير الماهرة العاملة في الزراعة.
الأرقام المعلنة والمنشورة عن مساهمة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي تشير إلى اقترابها من مبلغ الأربعمائة مليون ريال وهي نسبة قد لا تزيد عن الواحد أو الاثنين في المائة من العوائد التي يشكل النفط والغاز أكثر من ثمانين في المائة من إيرادها، وذات الأرقام تشير إلى أن السلطنة قد حققت اكتفاء ذاتيا في بعض المحاصيل الزراعية بلغت نسبتها ما يقرب من السبعين في المائة للخضروات وثلاثين في المائة للفواكه في حين بلغت النسبة مائة بالمائة للتمور.
الأرقام تشير إلى أن الاكتفاء الذاتي للخضروات يصل إلى السبعين في المائة لكن على أرض الواقع لا ترى من السبعين حتى سبعة فأين تذهب النسب الباقية؟ سؤال طرحته على أحد الخبراء العارفين والعالمين بشؤون وشجون الزراعة في عمان فقال إن كثيرا من المزارعين لا سيما في سهل الباطنة الساحلي لا يبيعون منتجاتهم في الداخل بل تذهب مباشرة للخارج؛ لأن الأمر أيسر بالنسبة لهم في البيع مع عدم وجود شركات أو هيئات لتسويق المنتجات الزراعية في داخل السلطنة، وهذا ما قد يفسر لماذا نأكل طماطم مستوردا ويأكل غيرنا طماطمنا.
سؤال آخر أضفته إلى سلة الأسئلة السابقة عن إمكانية تحقيق أمن غذائي في الوقت الراهن، وفي المستقبل كما نرسمه وترسمه الحكومة في رؤاها المستقبلية بمساحة السبعة في المائة الصالحة للزراعة التي أعتقد بحساباتي البسيطة بأنها سوف تصغر عاما بعد عام؟ قد لا أمتلك إجابات عن هذه الأسئلة الحائرة، ولكنني استقرئ المستقبل من أن المبادئ والأفكار الحديثة في الزراعة والتسويق قد تصلح لخلق أمن غذائي للأجيال المستقبلية، فالخطوات التي تتخذها السلطنة حاليا كإنشاء شركات وكيانات للاستثمار الغذائي في الزراعة والألبان والأسماك وغيرها قد تسهم وتساعد في تحسين واستمرارية وديمومة هذه المشاريع، ولكن قبل هذا وذاك فالحاجة ملحة إلى الاهتمام بالمزارع المحلي وتوفير وتذليل الطرق له للعمل في مزرعته بدلا من تركها للوافد الذي يأخذ خير الأرض، ويخلف الشر وتوطين الاستثمار في الزراعة، وجعله من أفضل أنواع الاستثمارات وتشجيع الشباب على ذلك لأن المستقبل والأمن هو في الزراعة.