عائق البيروقراطية وضرورة التخلص الجاد منه !

د . سيف بن سليمان المعني –
saifalmaani54@gmail.com –

كل ما نسمعه ونقرأه عن التحول الالكتروني لم يتحقق بعد، فليس المقصود أن يكون لدى الموظف شاشة حاسب آلي على سطح مكتبه إذا كانت هذه الشاشة لا تتحدث حتى مع الشاشة المجاورة لها، ناهيك عن أنه بالإمكان أن يتم التواصل معهم عن بعد، في حقيقة الأمر التحول الإلكتروني، وما يسمى بالحكومة الذكية يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد والمتابعة والإصرار على تحقيقه.
الوقت هو الساعة الزمنية لحياتنا يبدأ عملها منذ بداية وجودنا على هذه الأرض وتستمر بعد الثواني والدقائق من عمرنا فما مضى منه قد انتهى لا يمكن استرجاعه وأصبح تاريخا من الماضي سواء كان خيرا أم شرا، وما تبقى من ساعتنا الزمنية هو عمرنا وحياتنا ومستقبلنا، خلقنا لنعبد رب العباد وخالق هذا الكون بما فيه من بشر وحيوان وحجر، وزين الله لنا الحياة لنعمرها ونطورها لمن بعدنا على مبدأ «زرعوا فحصدنا فنزرع فيحصدون»، وكل ذلك يمضي وفق مواعيد محكمة ومحددة ومنظمة لا تقبل الاجتهاد، فعمر الإنسان له فترة زمنية محددة، ومن حكمة الله في خلقه أننا لا نعلم باقتراب تلك الساعة التي فيها سنغادر هذه الحياة، إما بخير لمن رزقه الله لهداية، وإما بشر لمن أغضب الرحمن وعصاه، وكما يقال نأتي إلى هذه الدنيا باكين، ونغادرها وأهلنا وأحبابنا يبكون.
وعن أهمية الوقت بين الإمام ابن القيم -رحمه الله- حقيقة الوقت بقوله: (وقت الإنسان هو عمره، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فإذا قضى الإنسان وقته في الغفلة وأضاع معه وقت الآخرين وضيع الأمانة في عمره وغيره، فإن ذلك لا يتصف بصفات المسلمين الذين يخشون الله في كل أعمالهم، وقال ابن الجوزي: (ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدّم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل)، كما أن القرآن الكريم والسنة الشريفة شددا على أهمية حسن استخدام الوقت في مختلف المجالات، فقد أقسم الله جل علاه به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، ومن المعروف بأنه إذا أقسم الله بشيء من خلقه دلّ على أهميته وعظمته، وليلفت أنظار الناس إليه، كما أكّدت السنة على أهمية الوقت، وقيمة الزمن، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه).
هذا هو التوجيه الرباني لأهمية وأمانة استخدام الوقت وقدسيته، ونحن كمسلمين يفترض منا عن باقي الشعوب والأمم أن نكون أكثر اهتماما بالوقت امتثالا لهذا التوجيه الرباني الذي يراد منه الخير في التعامل بين سائر البشر والشعوب. إن الممارسات التي نشهدها في حياتنا اليومية في التعامل مع بعضنا في إجراءات تخليص مصالحنا لا يمت بأي صله مما ذكر وبعيد كل البعد عن هذا التوجيه الرباني، فالبيروقراطية أصبحت عنصرا سائدا في إنجاز الأعمال اليومية. ومما يؤسف له أن البيروقراطية التي يشكو منها القطاع العام قد انتقلت إلى القطاع الخاص أيضا، خاصة تلك الوحدات الخدمية التي نقلت أعمالها من القطاع العام إلى القطاع الخاص وهي شركات حكومية وفي نظري ما كان يؤمل منه في تبسيط الإجراءات وسرعتها كان مخيبا للآمال أحيانا ، فمعظم هذه الشركات التي كان يفترض أن تباشر الأعمال الميدانية بنفسها خاصة شركات الكهرباء ، نراها هي عبارة عن منظم لعقود شركات أخرى تعمل في الباطن نيابة عنها ، مما زاد من حجم دائرة الوقت.
لدي أمثلة كثيرة عايشتها بنفسي مع مثل هذه الشركات، وهدر الوقت لديهم، ولكني لن أذكرها حتى لا يعتقد بأني أشهر بشركات بعينها، الموظفون في المؤسسات الخدمية للأسف الشديد لا يبحثون عن حل لتخليص معاملة مراجعيهم، ولا أبالغ إذا قلت بأنهم يبحثون عن عذر كي لا ينهوا المعاملة بأقل جهد وعناء، وهذا مرده عدم شعور الموظف بأنه خادم للمواطنين في تخليص أعمالهم، وبدونه لا يفتر أن تكون له وظيفة ولا راتب، وبهذا التصرف يظهرون مستوى أدائهم على أنهم ليسوا مواطنون، وهذا طبعا قصور في التفكير ولإدراك لما يمكن أن يسببوه لمراجعيهم من أضرار وهدر للوقت. من جانب آخر في الإدارات العليا لهذه الشركات لا أفهم ما الغاية من وضع الأقفال إلكترونية على أبواب الموظفين الذين وجدوا لتقديم خدمات للمواطنين والتواصل معهم بيسر أمر مهم وضروري، بعض المصاعد بتلك المؤسسات لا تستطيع استخدامها إلا بتصريح أمني وتحمل معك بطاقة ممغنطة لهذا الغرض، وبعض هذه المصاعد، مخصصة لفئات معينة محرم على الآخرين استخدامها وإن سمح بذلك تحتاج إلى تصريحين عندما يتعلق الأمر بالإدارات العليا، السؤال هو لم كل هذه الإجراءات التأمينية التي أصبحت تنتشر كانتشار النار في الهشيم ، إذا كانت تلك الإدارات في الأصل وجدت لخدمة المواطنين وتخليص معاملاتهم والانفتاح عليهم مطلب مهم لكلا الطرفين، ولماذا توصد الأبواب في وجوههم، ولماذا يتوسل المواطن للوصول إلى الموظف المعني لتخليص معاملته؟. الكثير من الولايات الآن لديها دوائر خدمية حكومية الهدف منها تسريع الإجراءات والتسهيل على المواطنين في تخليص إجراءاتهم، في الحقيقة هذه الدوائر زادت من دائرة الروتين والبطء في تخليص الإجراءات ، وبقي شرط إنهاء إجراءات المعاملة مربوط بالمحافظة أو الوزارة، وعلى صاحب المعاملة أن يتتبع معاملته في هذه السلسلة الطويلة من الإجراءات ويقطع المسافات الطويلة بغية إنهاء إجراءات معاملته، وإن لم يفعل ذلك عليه أن ينتظر طويلا، من المعلوم أن الهدف من وجود هذه الإدارات واضح ومقدر، ولكن الأداء الحقيقي اليومي يحتاج إلى إعادة نظر للتحقق تلك الإدارات الهدف الذي وجدت من أجله حتى تكون فاعلة ومؤثرة حفاظا على الوقت والمال.
كل ما نسمعه ونقرأه عن التحول الإلكتروني لم يتحقق بعد، فليس المقصود أن يكون لدى الموظف شاشة كمبيوتر على سطح مكتبه إذا كانت هذه الشاشة لا تتحدث حتى مع الشاشة المجاورة لها، ناهيك عن أنه بالإمكان أن يتم التواصل معهم عن بعد، في حقيقة الأمر التحول الإلكتروني وما يسمى بالحكومة الذكية يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد والمتابعة والإصرار على تحقيقه، وليس من العدل أن يترك موضوع مهم كهذا تحت تصرف مسؤول الوحدة فلا بد أن يكون التوجه من الأعلى إلى الأسفل وليس العكس.
من الطبيعي في ظل عدم إحراز التقدم المناسب في هذا المجال، أن يعمل النظام اليدوي بيسر من خلال تلك الشاشات التي انتشرت في كل المكاتب لاسترجاع البيانات حتى ولو كانت على شكل نظم مستقلة متى ما تقدم المواطن لتخليص أعماله لدى تلك الوحدات الخدمية، في نظري يمكن تفعيل البريد إلكتروني للتواصل مع المواطنين لتخفيف الجهد والعناء عليهم وبالتالي التسهيل على الموظف من ذلك الزحام الذي في الغالب يكون حول مكتبه، من جانب آخر، فإن جميع المكاتب بها هواتف يفترض الاستفادة القصوى من وجودها، إضافة إلى الهواتف النقالة التي في جيوب الموظفين، لكنها للأسف الشديد جميع تلك الهواتف صامته لا تستقبل المكالمات إلا من رحم ربي، المشكلة أنه من السهل التواصل مع بعض المسؤولين في الصفين الثاني والثالث إلى حد ما، لكن الموظفين الآخرين في أغلبهم لديهم هواتف ترسل فقط لكنها لا تستقبل، هذه مشكلة كبيرة نتج عنها تردد المواطنين وترك أعمالهم لمراجعة هذه الإدارات، ليس رغبة منهم ولكنهم مجبرون على ذلك، إذا كان الموظف يتجاهل الاتصالات الهاتفية والتي لا تحتاج إلى جهد وتعتبر جزءا أساسيا من الإدارة اليومية والتي تعداها العالم الآن إلى تخليص الإجراءات عن بعد وبكل سلاسة ويسر، فكيف نتوقع من هذا الموظف أن يتعامل مع النظام الإلكتروني، إن سلاسة ووضوح إجراءات العمل وتخليص المعاملات في أوقات قياسية ليست منه من الموظف بل هو واجب عليه احتراما وتقديرا لأخيه المواطن، هذه الإجراءات البطيئة والمعقدة لا تعيق المواطن فقط والمجبر على تحمل ذلك الروتين، ولكن ماذا عن المستثمر الأجنبي، هل سيتحمل كل تلك الإجراءات المعقدة والعقيمة والتي تختلف تبعا للموظف الذي سيستلم منك المعاملة في ذلك اليوم، نوقش هذا الموضوع في الكثير من الندوات واللقاءات ولكن ليس هنالك تقدم للخروج من هذه الدائرة، هذا الموضوع بحاجة إلى وقفة حازمة من أعلى المستويات فهؤلاء الموظفون يعيقون التنمية دون أن يعوا ذلك ويحتاجون إلى من يضعهم في الطريق الصحيح ومحاسبة المقصرين منهم.