نوافذ: أحمد بن ماجد وجدال التاريخ

عاصم الشيدي –
assemcom@hotmail.com –

في مكتبتي كتب عديدة كتبها الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة عن تاريخ عمان، وهو من الذين خدموا التاريخ العماني بشكل جيد ويستحق الإجلال والتقدير على ما قدم للمكتبة العمانية والعربية من كتب في التاريخ. لكن ما يكتبه الشيخ القاسمي من تاريخ قابل للمراجعة والتفنيد بمنطق العقل وبمنطق الوثائق التي لا غنى لكل باحث عنها، فكيف إذا كان البحث في التاريخ. والشيخ القاسمي كما سمعته كثيرا راجع معلومات كان يعتقدها جازمة عندما وجد الوثائق التي تفندها. وقبل أيام ألقى الشيخ القاسمي محاضرة عن البحار الشهير أحمد بن ماجد، الذي كان قد أثير حول موطنه الكثير من اللغط هل هو عماني أم هو إماراتي. ورغم أن محاضرة القاسمي لم تكن في سياق تأصيل «جنسيته» إلا أن الرجل طرح مقولة جديدة حول أصول أحمد بن ماجد التي قال إنها تعود إلى القصيم في وسط شبه الجزيرة العربية تقريبا ثم صار مسكنه جلفار «رأس الخيمة اليوم». ورغم أنني لم أحضر المحاضرة ولم أقرأها كاملة ولكن قرأت ما كتب عنها في جريدة البيان الإماراتية إلا أن طرح الشيخ القاسمي في أن أصول ابن ماجد تعود إلى القصيم يحتاج إلى مراجعة، فهو لم يأتِ على ذكر القصيم في كل أراجيزه التي اهتم فيها بنسبه ونشأته وإنما يذكر موطنه جلفار ويذكر مدنا عمانية أخرى مر بها في رحلاته.
يقول في إحدى قصائده:
رعى الله جلفار ومن نشا بها
                  وأسقى ثراها واكف تتابع
والكتب التي ترجمت لأحمد بن ماجد تذكر أن والده وجده كانا من علماء الربابنة وهذا لا يستقيم كثيرا مع بعد القصيم عن بحر الخليج العربي بحوالي 500 كم ونفس البعد عن البحر الأحمر تقريبا.
وخلال بحثي قبل كتابة هذا المقال لم أقف على النسبة النجدية لأحمد بن ماجد في أغلب مخطوطات أراجيزه وكتبه وإنما كان يذكر اسمه مختوما بالسعدي ابن أبي الركائب. وأحمد بن ماجد في أراجيزه يقول إن السعدي نسبة إلى سعد بن قيس بن عيلان القبيلة العدنانية المشهورة. وفي أرجوزته «عدة الأشهر الرومانية» يقول:
  فخذ حكما من ماجد بن ماجد
                  يؤول إلى سعد بن قيس بن عيلان
ويذكر أحمد بن ماجد نسبته إلى بني سعد في عدة أراجيز مثل أرجوزته «السفالية» وفي قصيدته «الذهبية» وفي قصيدته «المكية» وفي قصيدته «نادرة الأبدال في الواقع وذبّان العيوق» وفي عنوان كتابه «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» كما يورد صاحب كتاب أسد البحار العماني أحمد بن ماجد. أما إن كان الشيخ القاسمي قد وجد وثيقة تقول إنه نجدي فهذا لا يعني، بالضرورة، أن تكون هذه النسبة إلى نجد وسط الجزيرة العربية ففي كل منطقة من مناطق عُمان هناك نجد، وكل ما ارتفع عن الأرض تسميه العرب نجدا. صحيح أن قبائل العرب متحركة من شمال الجزيرة العربية إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها وبنو سعد كانوا تاريخيا قد سكنوا نجدا والحجاز إلا أنه فيما يتعلق بالبحار أحمد بن ماجد فإن علاقة أسرته بالبحر تنفي عودة أصوله إلى القصيم.
أما النقطة الأخرى التي أوردها الشيخ القاسمي في أن التاريخ قد ظلم أحمد بن ماجد حين ألصق فيه «تهمة» أنه هو من ساعد القائد البرتغالي فاسكو دا جاما في الوصول إلى الهند فهذا طرح ليس جديدا وإن كان القاسمي قد استند فيه إلى مراجع برتغالية وهي مبحث جدير بالدراسة أكثر بكثير عن أصول ابن ماجد و«جنسيته» وإن كنت شخصيا أؤمن إيمانا قاطعا أن ابن ماجد ما دام من جلفار فهو بحار عماني نسبة إلى عمان التاريخية أو عمان الكبرى لكن من حق أهل جلفار أن يفتخروا به باعتباره من مدينتهم العريقة.