المؤسسات الصغيرة .. مشروعات عملاقة قادمة

سعيد الكندي –

حتما سيكون الكل في ترقب ممن يهمهم الأمر ـ في إصدار قانون ينظم عمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خاصة ونحن نعيش في حقبة باتت تتضارب وتتوسع وتتنافس فيها قوى المصالح الإقليمية والدولية، كما وأننا في أمس الحاجة الى ما ينظم السوق الداخلية تنظيما يضمن له أن يكون له قوة المنافسة خارجيا والتي لم تعد ترحم أحدا تحت ظلها، وليس هنا في محضر الكلام أن تكون روح المنافسة شاخصة بكل ما يأتيه المصطلح من تلك القوة؛ بل المطلب الأساسي أن تكون فيه قوة قادرة بالدفع به للمشاركة الفاعلة والحقيقية في تكوين سوق داخلي يتسم بالاستقرار والتنظيم .
ولا بد هنا من الاعتراف بأن السوق الداخلي يواجه بعض التقلبات الاقتصادية التي قد تحد من تقدمها وبنائها، وذلك يعود الى الاضطرابات العالمية وتأثيراتها على مختلف الأسواق ذات الصلة بها ، وما تواجهه كذلك أسواق قطاع الطاقة التي تعود في الوقت الراهن الى الاستقرار النسبي . ولكن ذلك لا يمنع وعلى حسب منطق السوق في أي بقعة من العالم ان تكون محصورة بالمكان والزمان الذي يكون فيه السوق مرتبط ارتباطا كبيرا بمستوى قوته التي تعكسه قوة اقتصاد الدولة.
ولا شك بأن هناك الكثير من التحديات التي تواجه قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي اغلبها مرتبط بالسوق الداخلي، وضرورة الارتقاء بهذا القطاع الذي يعول عليه الكثير من بناء للتنمية المجتمعية، ولعل الشكوى المتكررة من هذا القطاع هو البيروقراطية المتمثلة في بطء الإجراءات الخاصة ببعض الجوانب ، فلا يعقل أن يكون في هذه الظروف أن لا يصدر ما ينظم عمل هذه المؤسسات التي أصبح المجتمع بأكمله يحاول أن يجد له موطئ قدم بين المنافسين فيها ، فهناك الكثير من القوى المجتمعية أصبحت تراهن على مكاسب في السوق على نطاق – شعبي – على أدق تعبير في إيجاد فرص كبيرة في البيئة على مستويات هي أقرب الى التنظيم والتخطيط، ويكون بعضها في أعلى قمم ذلكم التنظيم والتخطيط وهي تعمل بمعزل عن السوق المنظمة، وربما دفعها الحرص الكثير على تسيير أمورها في السوق وبمعزل عن ذلك التنظيم الى إيجاد صيغة تكفل لها الاستمرارية، وربما البقاء والتشرب بروح المنافسة الى جعلها مؤسسات لها جذور عميقة في السوق.
ولعلني في مقالة سابقة وفي نفس هذه الصفحة قد أشرت منذ ما يقرب من السنتين، عما هو كائن في بعض الأسواق الداخلية في السلطنة، وربما أن أقرب سوق هي سوق «نزوى» وكذلك سوق « بهلا» اللتان تعدان نموذجين ناصعين ورائدين ومبشرتين بخير كبير إذ تعدان من الأسواق التي تعتمد اعتمادا كليا على القوى الوطنية العاملة، حيث نجد الكثير من الشباب المبادرين هم من يقودون زمام مشاريعهم، ويحثون ركابها الى حيث تدعيم الاقتصاد بكفاءة عالية ومثالية راقية في إدارة المشاريع التي تمتلك رؤوس أموال لا بأس بها، كما تمتلك رأس مال بشري وطني مدرب وقادر على العمل والإتقان، ولعل الداخل الى هذه الأسواق يجد روح التنظيم والتخطيط الذي ينبغي تعميمه الى كل هذا القطاع ، فلا بد أن يقيض لهذا القطاع نظمه وقوانينه الخاصة به، بحيث لا تحجمه أو تقلصه، أو تدفع به الى حافة الخطر لأن ذلك قد يدفع ببعض المشروعات الى البحث عن مكان لها في أسواق خارجية ، وبالتالي يخسرها السوق المحلي . كما أنه من المأمول ان تكون تلك النظم والتشريعات عنصر وأداة دعم ومساندة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة لأن هذه المؤسسات، هي التي ستكون أساسا للمستقبل الاقتصادي في السلطنة.
تعد المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي نواة لمشروعات كبيرة مستقبلية، والتي نراها من مشروعات عملاقة كانت في أصولها مؤسسات لأفراد ، ربما بدأ تكوينها في بيت صغير بمبلغ يسير، ثم نما مع مرور الزمن، لتصبح مؤسسة عملاقة أو رائدة في مجال أو عدد من المجالات. كما أن هذه المؤسسات تعد روافد دعم لوجستية لعدد من المشاريع الكبيرة، فهي تعمل في الغالب على خلق وإنتاج وتصنيع وتوفير ما تحتاجه المشروعات الكبيرة والمؤسسات التي تريد الوقوف على نشاطاتها المتطلبة مدعمة بذلك إيجاد فرص عمل مواتية لقطاع كبير من الباحثين عن فرص العمل.
وانه من المهم توفير سبل النجاح لهذه المؤسسات ـ المشروعات الصغيرة والمتوسطة ـ ولضمان مساهمتها في تعزيز التنمية والتنويع الاقتصادي، وتوفير البيئة الداعمة وخاصة البيئة التشريعية والقوانين واللوائح المنظمة لقيامها وتسهيل ممارستها لأنشطتها مرورا بالإجراءات الحمائية لها وانتهاء بالدعم المادي والمالي مع الأخذ بالاعتبار مسألة تنويع أنشطة هذه المؤسسات وعدم تناسخها ومتطلب التوازن في تنوعها وفق احتياجات السوق ومتطلباته.
تأتي أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة من حيث أنها المجال الذي تنفتح فيه المواهب من رواد الأعمال المرتقبين لسوق العمل والذين يقدمون بكل جرأة الى اقتحام مسالك الأعمال الحرة، ويسهمون في توفير فرص العمل وتنمية الموارد وإنجاح سياسات التنويع الاقتصادي ، وخلق الأفكار في كثير من المجالات التجارية، وفتح مجالات تخدم الأعمال الحرة والجاذبة لرأس المال، ويسهمون في توفير فرص العمل وتنمية الموارد وإنجاح سياسات التنويع وخلق الأفكار التجارية في مجالات وحقول جديدة تخدم سوق العمل، كما ان ضرورة وقوف الجانب الحكومي أصبح متطلبا ملحا وخاصة في بداية تأسيس المشروعات الصغيرة والمتوسطة وخاصة الجوانب الفنية والمادية المالية، أما فيما يتعلق بالجانب الإداري أن يشمل الدعم المقدم لها ما يسمح لها بالاستمرارية، فعلى سبيل المثال أن أغلب هذه المؤسسات تعتمد على الكثير من وسائل النقل والدعومات اللوجستية القائمة عليها فهنا يجب أن ينظر بكل اهتمام الى مسألة الدعم المتعلق بالمحروقات من نفط وغاز بشكل أساسي ناهيك أن الكثير من هذه المؤسسات تعتمد على المعدات والآليات التي تحتاج الى صيانة مستمرة وبشكل دوري . وكذلك توفير البنية التحتية لتسيير مهمة أعمالها التي تقوم بها دون إعاقة.
فإذا لم يتم احتساب هذه المكونات والعوامل فإنه من البديهي أن يعتري الضعف الكثير من هذه المؤسسات مما قد يدفع بعضها الى التعثر بشكل أو بآخر. والمأمول ان تمد الحكومة أنشطة هذه المؤسسات بما يكفل لها الديمومة والاستمرار الى الوصول الى مستويات أن تكون فيها قادرة على وضع قدم راسخة في السوق والمنافسة.
وأنه لحري بالسلطنة في سياق توجهها نحو دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإيمانا منها بالدفع بعجلة التنويع والتنمية الاقتصادية، ان توجه الدعم بصورة كبيرة في المجال الصناعي ـ الصناعات الصغيرة والمتوسطة ـ لا سيما في القطاعات الرئيسية والمهمة للاقتصاد الوطني كالقطاعات الزراعية والأسماك والتعدين مع التوسع في مجالات التصنيع التكنولوجي ومخرجات الثورة الصناعية الرابعة.
كما ينبغي في سياق ضمان حيوية ونجاح هذه المؤسسات الخروج من نطاق متطلبات السوق المحلي الى الأسواق الإقليمية والعالمية ؛ فذلك من شأنه فتح آفاق ومجالات وأنشطة جديدة يمكن لهذه المؤسسات الاشتغال بها من جهة ومن جهة أخرى ضمان أسواق تستوعب إنتاجات ومخرجات هذه المؤسسات .
إن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قادرة على فعل الكثير في السوق الناشئة، وخاصة مع زيادة السكان وتوسع النشاط الاقتصادي مع مرور الزمن ، وهو ما يتطلب في المقابل تشريعات تجارية تنظم الأعمال والأسس التي تقوم عليها تلك المشروعات.
Saidalkindi2009@hotmail.com