لهم طريقهم.. ولنا طريقنا في منع التطرف

د. عبد العاطي محمد –

لم يعد ما يعرف بالذكاء الاصطناعي موضوعا جديدا مجهولا على الكثيرين في عالم اليوم، بل يتصدر الأخبار يوما بعد الآخر على أنه أحد إنجازات البشرية المعاصرة الذي يمكن أن يغير من مسلمات علمية كثيرة ويقدم خدمات جليلة للعالم الذي يمتلك القدرات الفنية على استخدامه.
وبغض النظر عن الجدل حول تعريف الذكاء ومن ثم التشكيك في مستقبل هذا الإنجاز البشري المبهر، لا يزال يحظى بالاهتمام من الجميع وتتنافس فيه الدول الكبرى وقد دخل مجالات شتى خصوصا الابتكارات العلمية، ولكن الجديد هذه المرة أن كبريات الدول والشركات تسعى لاستخدامه لمنع وقوع الأحداث الإرهابية أو بالأدق منع من يطلق عليهم الخلايا النائمة أو العناصر الجاهزة لأن تصبح متطرفة عنيفة في المستقبل وإن لم تكن تدرك ذلك.
القضية مهمة، وإن لم تجد اهتماما كافيا من إعلامنا العربي، مع أنها وثيقة الصلة بواقعنا المعاصر في ظل ما نواجهه من تحديات لوقف ظاهرة التطرف عموما والعنيف (أي الذي يستخدم السلاح) خصوصا. ومع أن المنطقة شهدت فعاليات عدة تناولت «الذكاء الاصطناعي» أملا في الاستفادة منه في مجالات العلوم والابتكارات الحديثة المرتبطة بالقدرات المتصاعدة لما نعرفه عن «الإنسان الآلي» أو الروبوت، إلا أن اهتمامنا بما يمكن أن يقدمه «الذكاء الاصطناعي» في منع وقوع التطرف العنيف، أو بالأحرى استبقاء حدوثه للإجهاز عليه قبل أن يأخذ شكله الأخير الذي اعتدنا عليه في السنوات الأخيرة (التفجيرات والهجمات الإرهابية)، لم يكن ملحوظا في أجندة اهتماماتنا العامة .
في اليابان بدأت عمليات جادة للدخول بمجال «الذكاء الاصطناعي» في التصدي لظاهرة الإرهاب أو ما يسميه الغرب بلغة لطيفة التطرف العنيف. وربما جاء ذلك من باب الثورة العلمية المذهلة التي عودنا عليها اليابانيون للوصول بمنجزات العلم البشري لأقصى ما يمكن ودون انقطاع، إبهارا من جانب العقل الياباني المبدع للعالم كله، وترويجا لمنتجات جديدة قد تنافس تجارة السلاح تجذب من يكتوون بنيران هذه الظاهرة العالمية الخطيرة التي باتت تهدد الجميع. ومع أن اليابانيين اكتووا بنيران هذه الظاهرة وإن كان لأسباب أخرى تختلف عما نعانيه وعالم الغرب الصناعي اليوم، وكانوا أقل المتضررين من هذه الظاهرة قياسا بغيرهم، إلا أن الأنباء الواردة من اليابان تقول إن الأمر جلل وأضحى موضع اهتمام غير مسبوق من كل الدول المتقدمة صناعيا ومنها اليابان بالطبع، حيث الخوف الشديد على تهديد منجزات هؤلاء جميعا في أية لحظة. وصحيح أن الخطر الأكبر هو السباق النووي، إلا أن الهجمات المفاجئة لجماعات الإرهاب أو لما يعرف بذئابها البشرية المنفردة يعزز القول بأن الدول الصناعية الكبرى عازمة فعلا على استباق الخطر ومنع وقوعه قبل أن يحدث من خلال ما يجري الآن من محاولات لمحاكاة عقل الإنسان الذي هو مشروع إرهابي في المستقبل!. اليابانيون ليسوا وحدهم المعنيين بالأمر ولكن الشركات العملاقة التي تعمل في مجالات البحث الرقمي والتواصل الاجتماعي بكل أشكال أدواته لا تقل عنهم اهتماما في معرفة ما يمكن أن يمنحه «الذكاء الاصطناعي» من فرص لكي تتجنب هذه الشركات الكثير من الكوارث التي وقعت فيها بسبب استخدام من يطلق عليه إرهابيون أو خلايا نائمة أو مشروع شخص متطرف وعنيف لأدوات الثورة الرقمية التي اجتاحت العالم. ومما يزيد من الاهتمام أن هذه الشركات العملاقة مراكزها ومشروعاتها الضخمة تعتمد على دول مثل اليابان والصين اعتمادا أساسيا واليابانيون شركاء فيها بدرجة أو بأخرى، بما يعنى أن اليابان لا تنطلق في مشروعها لذاتها فحسب وإنما بطلب من كبريات شركات التواصل الاجتماعي.
وللتوضيح السريع فإن المقصود بالذكاء الاصطناعي هو وضع برامج للحاسوب تحاكى القدرات الذهنية للبشر تتعلق بالقدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم يتم برمجتها على الآلة. هو قدرة على محاكاة الذكاء الذهني البشري مثل القدرة على التحليل والتعلم الذاتي والتجريب والتطوير الذاتي، كل هذه دون تدخل الإنسان. وما يسعى إليه المتحمسون للفكرة في هذا التوجه الجديد أي المساهمة في منع التطرف، هو محاكاة عقل الإنسان الذي هو إما متطرف أو مشروع متطرف (يعد ليكون ذلك) أو هو نفسه ودون أن يدرى يتجه ليكون متطرفا في المستقبل .
ومع أن الفكرة جذابة حقا. إلا أنها تواجه اعتراضات وتحفظات استنادا إلى أن تعريف الذكاء نفسه غير متفق عليه، ولأنها حتى لو نجحت تظل في تقدير الخبراء مجرد احتمالات قوية ولكن ليست دلائل قوية إلى أن هذا أو ذاك متطرف أو يتجه ليكون متطرفا، حيث لا تعتمد النتائج إلا بناء على وقائع. ودفاعا عن الفكرة وردا على المتشككين تم وضع مؤشرات بناء على تجارب وبحوث علمية إذا ما تجمعت مع بعضها البعض قالت إن هذا متطرف أو مشروع متطرف وعليه يتعين التحوط بالتخلص منه. ومن هذه المؤشرات حالته النفسية والكلمات التي يستخدمها والرموز التي يستعملها. والمعتقدات التي يؤمن بها تجاه عقيدته الدينية وعقائد الآخرين, ومستوى معيشته الاقتصادية وشبكة علاقاته الاجتماعية.. ألخ.
إلى هنا يمكن الثقة في نجاح الدول الصناعية الكبرى لأنها تمتلك إمكانيات مذهلة من حيث التقنيات العلمية وجمع المعلومات بطريقة صحيحة وخبرات للعلماء والباحثين فيما يتعلق بتحليل المعلومات واستنتاج ما يترتب عليها. ومع ذلك لا يجب أن نذهب بعيدا في التفاؤل لثلاثة أسباب رئيسية، الأول يتعلق بأسرار التنافس العلمي في هذه المجال، فمن يحصل على نتائج يريد أن يحتفظ بها ولا يجعلها مشاعا خدمة للبشرية كما نتصور، فهي بالنسبة له – وهنا نتحدث عن أمر يخص الأمن القومي لكل دولة وليس مجرد التسويق لمنتجات ترفيهية أو حتى تقنيات لتطوير منتجات عادية، وأقصى ما يحدث هو تبادل خبرات أو إعارة أجزاء من أي اختراع بهذا الشأن، والسبب الثاني هو سياسي بامتياز بمعنى أنه يخضع لحسابات العلاقات والمصالح بين الدول، فقد تصل دولة ما إلى نتائج أو معلومات ولكنها تتعمد حجبها عن الآخرين وبعضهم في سياق التنافس أو التعاون. ولنفترض أن دولة ما مثل إسرائيل وهي من الدول التي تفتخر عن حق بقدراتها التقنية الرقمية قد نجحت في تفعيل «الذكاء الاصطناعي» لمنع التطرف أيا كانت طبيعته، ليس من المتوقع أن تبيح بالأمر لجيرانها، بل وحتى لحلفائها وأصدقائها في الغرب. والسبب الثالث أن العامل الأساس في نجاح فكرة كهذه هو توافر المعلومات الدقيقة وهو أمر مشكوك فيه إلى حد كبير، وإن تم فعلا فإنه سيكون في حوزة أجهزة الاستخبارات العالمية وتلك أجهزة لا تتعامل بطيبة القلب أو نزعة الخير عموما وإنما بالكتمان والاستخدام الانتقائي.
حالنا لا تنطبق عليه هذه التطورات وربما نظل محرومين من نتائجه لو قدر له النجاح. سنضع جانبا الأسباب السياسية والأمنية ففيها الكثير من الحواجز التي تمنع المشاركة في جنى ثمار هذا الإنجاز لو تحقق، ولا يتسع المقام لعرضها والأرجح مفهومة لدى القارئ العربي. ولكن نتوقف عن الظروف الموضوعية التي يمكن أن تجعلنا نبتعد عن كل هذا. فليكن لهم طريقهم ومن حقهم أن ينجحوا ويستفيدوا بالنتائج، ولنا طريقنا في منع التطرف عنيفا كان أم معتدلا!. قد نحصل على التقنيات حتى لو كانت غير مكتملة وبقيود معينة تجعل العمل عسيرا، ولكن تظل مسألة توافر المعلومات عن المؤشرات المفترض وجودها لمحاكاة عقل الشخصية المتطرفة أو المعدة لذلك أو المستعدة ذاتيا للتوجه إلى التطرف، تظل عقبة رئيسة تجهض الفكرة من أساسها. أوضاعنا الاجتماعية بالغة التعقيد قياسا بالآخرين. ونظرتنا لعقيدتنا الدينية لها خصوصية فريدة تختلف إلى حد كبير عن نظرة الآخرين لعقائدهم الدينية، والتنوع إلى حد الاختلافات في هذا المجال كفيل بأن يجعل استعمال «الذكاء الاصطناعي» غير قادر حقا على محاكاة عقل المواطن المسلم. والظروف التاريخية الطويلة بكل إيجابياتها وسلبياتها تشكل خريطة يستحيل على «الذكاء الاصطناعي» أن يفك طلاسمها ومن ثم يقدر على استخدام مفرداتها. ولذلك فإن التعاطي مع الفكرة يمكن أن يفيد جزئيا وبحذر ولا يقدم حلا ناجعا.
ولأن الأمر يطول في عرض ما يمكن فعله لمنع التطرف وفقا لمعطيات واقعنا وإمكانياتنا، هناك مداخل أخرى – بعيدا عن المحاكاة – يمكن أن تؤتي نتائج مثمرة سريعة، لعل أهمها أن نفتح مجالات العمل الكريم لملايين الشباب العاطل عن العمل ممن لا علاقة لهم بأية مؤشرات يريدها «الذكاء الاصطناعي» لأنهم بسطاء أقصى آمالهم أن يجدوا مكانا كريما تحت الشمس. العمل يعطى الأمل في غد أفضل لدى هؤلاء ويشغلهم ببناء مستقبلهم بأياديهم، وكلما حققوا إنجازا شخصيا ذاقوا طعم النجاح، كلما ابتعدوا تلقائيا عن أي مظهر من مظاهر التطرف.
ينشر بالترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة