أبراج بابل.. الترجمة فعل سياسي أم ثقافي؟

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
هل الترجمة فعل سياسي أم فعل ثقافي؟ ربما تكون رابطا بين الاثنين وهذا ما جعلنا ننأى عن الدخول هذه المرة في القضايا السياسية الشائكة والمجردة التي مل العالم منها، ونحاول التأمل في سطور هذا العمل الجميل «أبراج بابل .. تاريخ الترجمة حول العالم»، والذي صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، من تأليف الكاتب والأكاديمي الدكتور حسن البحراوي.

متى بدأت الترجمة وتواصلت الشعوب؟ قضية ثقافية من الدرجة الأولى وإن كان لا أحد حتى الساعة يمتلك جوابا شافيا وافيا عليها نظرا لأن تاريخ الإنسانية غير واضح أو محدد المعالم حتى الساعة ويوما تلو الآخر يظهر على السطح ما هو جديد ومثير، ومع ذلك هي تطلعنا على جانب آخر من الرؤى السياسية للأمم والشعوب، وكيف أن الترجمة مثلت جسرا للتواصل بين الأمم والحضارات، وربما لعبت دور الدبلوماسية العالمية في الأزمنة البعيدة، بما وفرته من فرص للتلاقي بين البشر.
عند صاحب العمل القناعة التي صدر عنها هذا العمل هي ضرورة تشكيل تاريخ تقريبي للترجمة، ليس بغاية تكريس وامتداح منجزات وأمجاد الأسلاف، أو على العكس من ذلك التصدي لها بالنقد والتجريح، ولكن عن طريق السعي إلى إلقاء نظرة على ماضي ممارستها باعتبارها كيانا ناميا يتحرك وفق شروط نوعية تمتزج فيها العناصر الذاتية والموضوعية.
لقد ظل تاريخ الترجمة يشكو من آفتين مزمنتين على الأقل: آفة النظرة التجزيئية التي تعزل الممارسة الترجمية عن محيطها الاجتماعي والثقافي، وتريد أن تقرأها أحادية أي غير دينامية. وآفة الرؤية التبجيلية للتاريخ حيث يهيمن التمجيد على التحليل الموضوعي، وتطغى المجاملة على النظرة النقدية.
وإذا ما نحن نجحنا في التخلص من مثل هذه الآفات أمكننا أن نسهم، كما نأمل، في تسطير تاريخ للترجمة يكون بوسعه أن يحملنا، من جهة على إعادة اكتشاف هذه الشبكة الثقافية البالغة التعقيد والتغير التي تخوض فيها الترجمة بين مرحلة وأخرى، ويمكننا من جهة أخرى، من جعل المعرفة التاريخية سبيلا للانفتاح على الحاضر. هل بدأت الترجمة في العصور القديمة من عند قصة برج بابل الأسطورية؟
يجيب صاحب الكتاب أنه لابد من أن نسجل في البداية أن تاريخ الترجمة يضرب عميقا بجذوره في الزمن، ففي التوراة يعود أمر ظهور الترجمة إلى المنحدرين من النبي نوح الذين كانوا يتحدثون لغة واحدة وساورتهم الرغبة في إعلاء برج في مدينة بابل بغرض الارتقاء إلى السماء، ولكن الإله غضب من صنيعهم وعمد على سبيل العقاب إلى بلبلة ألسنتهم ومنعهم من التواصل فيما بينهم، الشيء الذي اضطرهم إلى اختراع الترجمة ليتمكنوا من التفاهم فيما بينهم.
ولعل شيئا ما في منطقة الرافدين يشير إلى بدايات مبكرة للترجمة، ففي الحضارة السومرية التي لم تكتشف إلا أواسط القرن الـ 19 في مواقع البحث عن آثار الآشوريين والبابليين في بلاد ما بين النهرين، تم العثور على ألواح طينية تحمل نقوشا تؤكد أننا أمام أقدم الأنظمة الكتابية في العالم.
وتخبرنا هذه الألواح أن الآشوريين وبتأثير من الحاجات الاقتصادية والإدارية كانوا حوالي الألفية الرابعة قبل الميلاد، قد وضعوا أول نظام للكتابة الصورية التي تستعمل الصور والتخطيطات للدلالة على المعنى المراد. وفيما بعد سيتطور هذا النظام في اتجاهين: اتجاه التمثيل الخطي الصوري، واتجاه التمثيل الصوتي، وقد تلا ذلك وضع نواة لأول معجم موجه لأهداف تعليمية في المقام الأول.
وبعد أفول الحضارة السومرية سيستعين الأكاديون بهذه الأنظمة التمثيلية والمعاجم لترجمة النصوص الأدبية السومرية التي يقومون بتقليدها لتشكيل أدبهم الخاص، وهكذا مثلت الحقبة السومرية الأكادية انطلاق علم العلامات الذي سيفيد في تبديد الحواجز اللغوية بين الأمم المتجاورة.
حين نتحدث عن الحضارة السومرية فإننا بذلك نرتكب تجاوزا تاريخيا، وبحسب المؤلف انه إذا تجاوزنا هذه اللحظة الخافتة لعمل الترجمة في الزمن القديم فإننا نعثر لدى المصريين، منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، على أول شهادة مكتوبة تؤكد أنهم مارسوها عندما زينوا مدافنهم بتلك الكتابات والنقوش الجنائزية باللغتين المصرية والإغريقية.
كما انه يوجد بين ايدينا نص الاتفاق المبرم بين الحيثيين وفراعنة مصر، وهو محرر بلغتين لهما أكثر من ثلاثة آلاف عام، ونحن نعرف بوجود مترجمين في الفترة نفسها يعملون في بلاط الفراعنة توارثوا هذه المهنة أبا عن جد وكان من بينهم أمراء.
كما عرف عن الأمراء المصريين أنفسهم أنهم كانوا يتوفرون على موظفين رسميين مكلفين بالترجمة في العلاقات السياسية والاقتصادية. ومعلوم أن قدماء المصريين وفيما بعد الإغريق، كانوا يعتبرون الشعوب التي لا تتحدث لغتهم «شعوبا متوحشة»، ولكن هذا التمركز الثقافي واللغوي على الذات لم يكن يمنعهم من إقامة علاقات تجارية وسياسية مع الشعوب المجاورة، ومن هنا جاءت حاجتهم إلى مترجمين من نوع الذين نجد أسماءهم مرسومة في النقوش الفرعونية، التي كانت تصفهم بـ«كبير التراجمة».
ومن أقدم الأدلة كذلك على قدم العهد بالترجمة في مصر الفرعونية تلك الحجرة الوردية المسماة حجر رشيد، وتسجل التكريم الذي حظي به بطليموس الخامس نظير الخدمات التي قدمها لمصر القديمة.
وقد جرى اكتشاف هذا الحجر في سبتمبر سنة 1799 من طرف جيوش نابليون أثناء أعمال التحصين. وتتضمن هذه المسلة ثلاثة أنواع من النقوش: اثنان بالخط الهيروغليفي والديموطي (وهذا الأخير خط استعمله قدماء المصريين في حياتهم اليومية) وثالث عبارة عن ترجمة إلى اللغة اليونانية. ومقارنة النصوص الثلاثة هي من بين ما ساعد عالم المصريات شامبليون في فك رموز اللغة الهيروغليفية سنة 1822.
وكانت الكتابة الهيروغليفية قد ظهرت حوالي الألفية الثالثة قبل الميلاد، أي بضعة قرون بعد الكتابة الرسمية السومرية. وهي عبارة عن علامات مشتقة من الفن التصويري كانت تنقش أو ترسم على الحجر أو تنقل في أشكال سريعة على ورق البردي.
ويشير هنري كوبار في تحليله لنقوش حجر رشيد إلى أن الهيروغليفية كانت تسجل الكلام الإلهي (الوظيفة الأسطورية)، والديموطيقية في نسخ الكتب (الوظيفة المرجعية)، بينما تتداول اللغة اليونانية في أوساط الحاكمين في مصر البطليموسية (الوظيفة التواصلية).
ومن هنا يمكن اعتبار العثور على هذا النقش- حجر شامبليون- لحظة حاسمة في بروز الترجمة كممارسة وتبادل في مصر القديمة، وأداة لا تقدر لمعرفة أسرار التاريخ القديم واللغات المتداولة بين أهله. كما أن تأسيس مدرسة للترجمة في الإسكندرية يعزز انتشار هذه الممارسة في الأوساط الرسمية والعالمية ويشهد استمرارها إلى حدود القرن الميلادي الثاني على الشأو. البعيد الذي ستبلغه لدى قدماء المصريين.
وإذا انتقلنا إلى بلاد الإغريق فإن ما يلفت انتباهنا في سياق الحديث عن مظاهر وأدوار الترجمة في العالم القديم هو إننا لا نتوفر على معلومات بصدد الترجمة إلى اللغة اليونانية، وربما يعود هذا الأمر إلى ما تقدم من أن الإغريق مثل قدماء المصريين، كانوا يعتقدون بأنهم الشعب الأكثر تحضرا في العالم ولذلك ألفوا أن ينظروا بريبة إلى لغات الشعوب الأخرى التي ظلوا يعتبرونها «متوحشة»، والمؤكد عمليا انه لم يكن للترجمة عندهم شأن كبير بحكم أن لغتهم كانت منتشرة في عموم البلاد القائمة على البحر الأبيض المتوسط.
وفي ذلك يرى مونان أن هناك مفارقة بين الاهتمام العلمي للإغريق بلغتهم وبين تجاهلهم الكامل للغات الأجنبية والذي لا يمكن تفسيره سوى بتلك النظرية التحقيرية لأولئك الذين لا يتحدثون اللغة اليونانية.
لكن دارس الترجمة الذي يبحث عن جذورها في الحضارة اليونانية لا يمكنه ان يتجاهل وجود عنصرين أساسيين لهما صلة بالموضوع، أولهما ممارسة الإغريق للهواتف، وثانيهما بداية التأمل حول اللغة.
فقد كان للإغريق هواتفهم في مدينة دلفس وأولمب ودودون…حيث يتوافد الناس لاستشارة الآلهة بصدد مستقبلهم. وكانت الآلهة تقدم أجوبتها في أشكال مختلفة : أحلام، أصوات، كلمات.. بينما يقوم الكهنة بـ «ترجمة» هذه الهواتف لمعنيين. ويكشف لنا هذا التقليد عن وعي اليونانيين بتعقيد اللغة بصورة عامة وخاص بكل ما له علاقة بأشكال التواصل والتعبير المختلفة..
ويمكن اعتبار كتاب «تاريخ مصر» الذي وضعه الكاهن مانيطون باللغة اليونانية بطلب من بطليموس الأول (283-360 ق.م) بمثابة ترجمة، ذلك ان المجلدات الثلاثين لهذا الكتاب تمثل تجميعا قام به هذا الكاهن لنصوص مصرية نقلها إلى اليونانية تصور أحداث الزمن القديم وتصف عادات السكان وعقيدتهم، ولكن نسخة هذا الكتاب الثمين ضاعت في الحريق الذي أتى على مكتبة الإسكندرية القديمة.
أما أوائل الرومان فلم يشعروا بالحاجة إلى الترجمة لأن اللغة اليونانية التي كانوا على معرفة بها ظلت رائجة على ألسنة الطبقات المثقفة.. وفيما بعد عندما استولت روما على بلاد الإغريق، ستصبح اللغة اللاتينية بمثابة اللغة الكونية لذلك العصر.
وهكذا فابتداء من القرن الثالث قبل الميلاد، ستقوم الترجمة إلى اللاتينية بدور حاسم في نقل الموروث الثقافي اليوناني، كما ستتخذ كذلك كقاعدة لتخليق ثقافة جديدة هي الثقافة اللاتينية الحديثة.
وقد تنوع النشاط الترجمي في روما خلال هذه الحقبة واتخذ أشكالا مختلفة تذهب من الترجمة الفورية المستعملة لأهداف عسكرية أو سياسية إلى ترجمة النصوص المقدسة لأغراض دينية وتعبدية، والأبحاث التي وصلتنا في هذا الشأن تؤكد أن ظاهرة الترجمة ستشهد خلال هذا العصر تطورا ملحوظا بحيث ستستقل بشخصيتها الخاصة وتصبح وسيلة اتصال بين الثقافات وموضوعا للتأمل والتنظير.
ويبقى السؤال الجوهري: هل هناك فائدة ما من قراءة تاريخ الترجمات؟
يبدو أن ذلك كذلك، وعلى رأس تلك الفوائد أن يعطى للترجمة ولممارستها طابعها النوعي، ليس لنجعل منها علما فهذه الكلمة غير ملائمة، ولكن مبحثا. أي مجالا محددا للاكتشاف له أدواته ومصطلحاته الخاصة، مبحثا يكون له نفس استقلال اللسانيات والأدب، هذان القطبان اللذان لم تنجح الترجمة حتى الآن من الإفلات منهما.
لقد حان الوقت لنعترف، عبر عملنا على التاريخ العام للترجمات، بأن النشاط الترجمي كان، واليوم أكثر من أي وقت مضى، هو المفتاح لكل أبواب التواصل الإنساني في العالم، ما يعني بالفعل أن الترجمة فعل سياسي بقدر ما هو فعل وعمل ثقافي.