نوافذ :«ثقيل عليك خفيف علينا»

يكتبها: أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
في احتفال سفارة الجمهورية الجزائرية في مسقط في ليلة الأول من نوفمبر الجاري بمناسبة مرور الذكرى الـ(64) لاندلاع الثورة الجزائرية التي دامت ثماني سنوات قدمت خلالها أكثر من مليون ونصف المليون شهيد أشاد سعادة محند صالح لعجوزي سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية المعتمد لدى السلطنة بالعلاقات الأخوية الشقيقة بين سلطنة عمان والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية واصفا السلطنة بأنها بـ: «أرض الأمن والأمان، والسلم والاستقرار»، وقال في كلمته: «أود أن أشيد بعمق العلاقات التاريخية بين الجزائر وسلطنة عمان التي تعززت وتنامت في ظل القيادتين الحكيمتين والرشيدتين في البلدين؛ فخامة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظهما الله ورعاهما – تتميز العلاقات الجزائرية العمانية بعمق وامتداد تاريخي رسخ بقيام العلاقات الدبلوماسية بينهما (…) مضيفا سعادته: «إن العلاقات السياسية بين البلدين تعد متميزة وتتسم بالتطابق في وجهات نظر قادة البلدين حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك».

أبدأ بهذه المقدمة الاستهلالية لأذهب إلى حيث العمق الجزائري الكبير، هذا البلد مترامي الأطراف، ومتنوع التاريخ والثقافات، حيث يتخذ من صلابة الشعب وعزيمته وحرصه على بناء بلده، وعزة وطنيته الانطلاق نحو تحقيق الآمال والطموحات على المستويين الداخلي؛ حيث تأخذ التنمية بعديها الأفقي والرأسي بما ينجز على هذه الأرض الطبية، والخارجي بما يتيح له فرصة التعاطي مع الآخر؛ معززا وجوده كدولة مؤثرة في المجتمع الدولي، موظفا في ذلك كله رصيده الكبير من ساحات النضال التي سطرها أبناؤه على امتداد ميادين المدن الجزائرية وقراها، وأوديتها ووهادها، وجبالها، وها هي اليوم تقف شاهد عصر على كل قطرة دم أريقت واختلطت بذرات ترابه الطاهرة.
عندما يسعفك التجوال لأن تتوغل أكثر عبر مدن الجزائر وقراها، تقرأ الكثير من شواهد التاريخ المعبرة عن ذلك، وعندما تحتضنك المتاحف تجد نفسك مأسورا بين بما قدم رجالات هذا الوطن لوطنهم الذي يقف اليوم بكل فخر، معلنا انتصاره على مناخات الذل والتقهقر، معليا راية وطنه الذي يحب ويهوى، فالأوطان لا تنتصر إلا بدماء أبنائها، وتضحياتهم العظيمة، ولا تعتز إلا بجهودهم التي يوثقونها على أرض الواقع المعاش، بكل استحقاقات أدوات العصر وتطوراته؛ ولذا فالأوطان هي الأخرى تنتشئ وتتسامى، لأن أبناءها يعرفون قيمة الوطن، ويدركون حجم خسارتهم، لو أضاعوا ذرة واحدة فقط من ترابه الطاهر.
الشعوب في معنى الوطن تنتصر للكثير من محفزاتها المعنوية: من قيم؛ وسلوكيات؛ وشواهد، وممارسات؛ لأنها بذلك تعرف معنى الوطن، وكلما غيبت شيئا من هذا فإن بحثها عنه في وقت المحن ضياع كبير لمعنى الوطن؛ ولذلك تكبر في عينيك الشعوب التي تتجذر بقيمها، فليس من باب المحافظة عليها كاجترار الصورة التاريخية المملة التي لم يعد لها مكان في وسط يضيق بما تفرزه حضارة العصر، ولكنها تمارس ذلك كمعنى من معاني الوطن؛ ولذلك فما بين عمان «الشعب»، والجزائر «الشعب» ثمة علاقات وشائجية كبيرة، لا تتقصاها الكلمة الشاعرة أو المجردة، وإنما تجمع بينها مجموعة من السلوكيات والممارسات المتبادلة والتعاطي المعزز بصدق الأخوة، ومودة البقاء، التي يعرفها كلا الطرفين، وينتصر لها كلا الطرفين أيضا.
عندما يقول لك الجزائري: «ثقيل عليك خفيف علينا» فإنه بذلك يختزل المسافة الفاصلة ما بين عمان والجزائر، ويزيح الكثير من حالات التكلف التي عادة ما تكون حاجزا لمودة باقية ومتأصلة، وهو بذلك يعفيك من أن يتلبسك الحرج، فتكون حالات التعاطي «بساطا أحمديا» كما هو الحال عندنا في عمان عندما نقول لضيفنا الآتي من بعيد: «حياك الله على العين والرأس» حيث ننزله المنزلة الرفيعة المباركة، وكلانا لا نخرج عن الفهم الذي يحمله بيت الشعر العربي المنسل من ذلك العهد البعيد: «يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا ؛ نحن الضيوف وأنت رب المنزل».