النبي الكريم يرسخ الروابط الإيمانية في قلوب أصحابه ويؤثر أهل الفضل والدين

قطوف من الشمائل المحمدية.. محاضرة للغاربي بجامع بدبد –
كتب – سالم بن حمدان الحسيني –

أورد فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن راشد الغاربي في محاضرته بجامع سيح المعيدن بولاية بدبد بعض الصفات والمحامد والخصال الكريمة التي كان عليها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم التي جاءت في وصف الصحابيين الجليلين هند بن أبي هالة رضي الله عنه، والإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في وصفهما للنبي صلى الله عليه وسلم مبينا أنه صلى الله عليه وسلم كان طلق المحيا، ذا بشاشة، لا يقطّب جبينه، ولا يعبس في وجوه الناس، وانه دائم البشر سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفض ولا غليظ ولا صخاب، ولا فحاش، لا عيّاب، ولا مدّاح. وانه جاء في وصفه صلى الله عليه وسلم يحذر الناس ويحترس منهم، مبينا أن هذا لا ينافي حسن الظن، فالمسلم مأمور أن يحسن الظن بأخيه ومنهي أن يسيء الظن بالناس، ولكن الحذر من الناس لا ينافي الاحتراس منهم، فالإنسان يجب أن يكون حذرا من المزالق ومن الأشياء التي تجره فيما لا تحمد عقباها، خصوصا في التعاملات المالية، ومع ذلك ما كان صلى الله عليه وسلم يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، وكانت سيرته التأليف بين أفراد هذه الأمة والسعي إلى تقوية الرابطة الإيمانية بينهم، ويوثق عرى المودة فيما بينهم إيمانا منه صلى الله عليه وسلم أن المجتمعات لا يمكن أن تبني حضارة وان تشيد مجدا إلا بتآلفها وتعاضدها، مشيرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلق دخول الجنة بالإيمان، ويعلق الإيمان بالتحاب، حينما قال: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا».. نقرأ المزيد من هذه المحاضرة القيمة في الجزء الثاني والأخير منها التي جاءت تحت عنوان: «قطوف من الشمائل المحمدية».

قال فضيلته في هذا الجزء من المحاضرة: وإذا انتقلنا إلى النص الثاني الذي وصف فيه الإمام علي دخول النبي صلى الله عليه وسلم انه كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، وكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله، أي من عبادة وذكر إلى آخره، وجزء لنفسه، وجزء لأهله أي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدل التصرف فيعطي كل ذي حق حقه، فهناك جزء من وقته لله وهناك جزء من وقته لأهله وهناك جزء من وقته لنفسه، فلا يفرط في حقوق أهله من السؤال عنهم أو من إرشادهم أو من القيام بحقوقهم، والآن هناك كثير من الناس قد يتركون حقوق الأهل ولا يقومون بها، مما يؤدي إلى تقصير في حق الأسرة، فقد كان صلى الله عليه وسلم مع ما ينوء به من أعباء ومع ما ناط الله به سبحانه عليه من تكاليف كان يقسم وقته فيعطي كل احد من الوقت ما يستحقه، فكان جزء لخالقه تبتل وذكر وصلاة وجزء لأهله قيام بحقوقهم وإرشاد لهم وسؤال عنهم، وجزء لنفسه وهذا الجزء الذي لنفسه كما قال يقسمه بينه وبين الناس، قال: «فيرد ذلك على العامة بالخاصة» بمعنى أن من لا يستطيع الوصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم من عامة الناس يكلف خاصة صحابته رضوان الله تعالى عليهم بالقيام بشؤونهم، فالعامة الذين لا يستطيعون الوصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويذكرون حوائجهم وشؤونهم إلى غير ذلك مما يحتاجون إليه يقوم به خاصة النبي صلى الله عليه وسلم من صحابته المقربين، وقوله: «ولا يدخر عليهم شيئا».
وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمهم على قدر فضلهم في الدين، ثم قال: «يدخلون عليه روادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق، فأصل الرائد هو الذي يتقدم أهله لينظر لهم الأرض وينظر لهم المرعى، فلذلك تقول العرب: الرائد لا يكذب أهله، فكنى أولئك الذين يأتون الى النبي صلى الله عليه وسلم بكوهم رواد، وقوله: «ولا يفترقون إلا عن ذواق» والذواق في الأصل هو الطعم، ولكن هناك كناية على انهم لا يخرجون إلا بفائدة، أما بعلم وإما بإرشاد، وأما بنصيحة، ولذلك قال: «ويخرجون من عنده أدلة» بعدما قال ولا يتفرقون إلا عن ذواق، أي لا يخرجون من عنده صلى الله عليه وسلم إلا بفائدة، أي انه صلى الله عليه وسلم وجههم وأرشدهم وفقههم فيقومون هم بهذا الأمر وهو ان يدلوا الناس على الخير يخرجون من عنده صلى الله عليه وسلم وهم أدلة على الخير ودعاة إلى الخير، من مجالستهم له صلى الله عليه وسلم يمتلكون المكانة العلمية أو الفقهية أو الدراية الدعوية إلى آخره، فيرشدون بها الناس فيوصلون تلك الفوائد أو ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس، وفي رواية «فيخرجون أذلة» وبناية على هذه الرواية فانهم يخرجون متواضعين، فالله سبحانه وتعالى يقول: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) فهؤلاء الذين يخرجون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجون وهم أذلة على المؤمنين متواضعين لهم، راحمين لهم، يسترون عيوبهم، ويرفدونهم بما يستطيعون، ويقومون بشؤونهم، ثم قال: «فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم» فيخزن لسانه نفس ما تقدم من إطالة السكوت، قال: «ويؤلفهم ولا يفرقهم، ولا ينفرهم»، هكذا كانت سيرته صلى الله عليه وسلم فقد كانت سيرته التأليف بين أفراد هذه الأمة والسعي إلى تقوية الرابطة الإيمانية بينهم، وهناك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما إن وصل المدينة إلا قام بجملة من الأمور من أهمها بناء مسجد للمسلمين يجتمعون ويلتقون ويقيمون شعائر دينهم، وقام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم سعى إلى كل ما يقوي الرابطة الإيمانية بين المسلمين وان يوثق عرى المودة فيما بينهم لأن المجتمعات لا يمكن أن تبني حضارة وان تشيد مجدا إلا بتآلفها وتعاضدها، أما إذا تفرقوا وتشرذموا فان ذلك مما يوهن قوتهم ويضعف شوكتهم ولذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلق دخول الجنة بالإيمان، ويعلق الإيمان بالتحاب، فقال صلى الله عليه وسلم: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، افشوا السلام بينكم».
وأوضح المحاضر انه لما كانت المحبة أمرا قلبيا فانه صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ما من شأنه أن يورث هذه المحبة، فقال: «أفشوا السلام بينكم»، وأرشد إلى التهادي فجاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «تهادوا تحابوا»، ولذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكل ما من شأنه أن يوثق عرى المودة وان يقوي اللحمة بين المسلمين فنجد النبي صلى الله عليه وسلم يشبه المجتمع الإسلامي بالجسم، والأفراد هم أعضاء لهذا الجسم، فكلنا يعلم الحديث المشهور عنه صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد، إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر»، فالمؤمنون جسد وأفراده هم الأعضاء، فنجد أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم يشبه المؤمنين بالبناء، ولبنات هذا البناء هم هؤلاء الأفراد، فيقول صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤمن أخو المؤمن، والمؤمن مرآة المؤمن»، فالمؤمن مرآة لأخيه لأنه يعينه على إزالة ما من شأنه أن يضر به، كما أن المرآة تبين لك ما في ثيابك أو ما في جسدك من أشياء تحتاج إلى إزالة فإن أخاك المسلم هو الذي ينقل لك ما لا تراه من أخطائك، لأن الإنسان بطبيعته لا يتنبه لأخطائه، ولذلك يقول الإمام أبو مسلم رحمه الله تعالى:

منازل النفس لا تدرى حقائقها
واخطأ الزعم من قال يدريها
فالعين تدرك إلا ذاتها نظرا
والكف تقبض إلا معصما فيها

وقال الغاربي: وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكل ما من شأنه أن يقوي الوحدة والألفة والمودة بين أفراد هذا المجتمع نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن كل ما من شأنه أن يخدش هذه الألفة أو أن يضعفها ويوهن عراها فنجد أن الله سبحانه وتعالى نهى عن الغيبة، ونهى عن النميمة، وهي الوشاية بين الناس، وقال: «لا يدخل الجنة قتات» نجد أن نصوص التشريع من كتاب وسنة تجعل الفرد يذوب في المجتمع فالحق سبحانه وتعالى يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ولا يقتل بعضكم بعضا، فنقل غير واحد من المفسرين ومنهم ابن عطية أن المقصود من قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ولا تقتلوا إخوانكم، فنجد انه صلى الله عليه وسلم يستدر عاطفة هذه الأخوة حتى في مقام الخصام، بل القرآن قبل ذلك يفعل ذلك، فالله سبحانه وتعالى يقول: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) فهو يذكر بهذه الإخوة، ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مقام الخصام: «إنكم تختصمون إليّ، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما اقطع له قطعة من نار فلا يأخذها» فقال هنا من مال أخيه حتى في مقام الخصام، فإذن كانت سيرته صلى الله عليه وسلم كما ورد هنا انه عليه الصلاة والسلام.
وأما عن قوله: «ويؤلفهم ولا يفرقهم، ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن احد بشره، ولا خلقه»، فبيان ذلك انه كان صلى الله عليه وسلم كما ذكر هنا يحذر الناس ويحترس منهم، وهذا لا منافاة بينه وبين حسن الظن، فالمسلم مأمور أن يحسن الظن بأخيه ومنهي أن يسيء الظن بالناس، ولكن الحذر من الناس لا ينافي الاحتراس منهم، فأنت تحسن الظن بأخيك المسلم، ولكن مع ذلك تأخذ ما يجب عليك أن تأخذه على سبيل الاحتياط، وعلى سبيل ذلك: لو أن إنسانا جاءك وطلب منك قرضا ماليا، لا غضاضة في أن تطلب منه إثبات ذلك في وثيقة وهذا أمر أرشدنا إليه الشارع، فهذا من الاحتراس، ومن الحذر، ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر الناس ولكن ليس ذلك بدافع سوء الظن، فهناك فرق بين سوء الظن وبين أن يكون الإنسان حازما في تعامله وان يكون حذرا من أن يوقعه الناس فيما يضره، وفي هذا يقول الشاعر:

عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى
وصوّت إنسان فكدت أطير

فالإنسان يكون حذرا من المزالق ومن الأشياء التي تجره فيما لا تحمد عقباها، خصوصا في التعاملات المالية ونحوها، فكان صلى الله عليه وسلم إذن يحذر من الناس ويحترس منهم، ومع ذلك ما كان صلى الله عليه وسلم يطوي عن احد بشره ولا خلقه، ثم قال: «ويتفقد أصحابه»، وهذه خصلة كريمة، فالآن كثير من الناس تجد بينهم صحبة وإخاء ولكن إذا غاب أخوه وانقطع أياما يكاد لا يسأل عنه، فكان من سيرته صلى الله عليه وسلم انه يتفقد أصحابه يسأل عنهم ويبحث عن أحوالهم، إذا غاب احدهم سأل عنهم، وإذا رأى على احد منهم ما يسوؤه حاول أن يخفف عنه، وان يسعى في درء كل ما من شأنه أن يؤذيه أو يضايقه أو نحو ذلك وهذا من حقوق الصحبة أن تزيل عن أخيك ما يضره. أما قوله: «ويسأل الناس عما في الناس»، فهو صلى الله عليه وسلم يسأل عن أحوال الناس وعن معايشتهم وعن أسعارهم إلى غير ذلك مما هو عليه حال الناس، وقوله: «ويحسن الحسن ويقويه»، فان كان صلى الله عليه وسلم إيجابيا فهو إذا رأى حسنا حسنه، وحض عليه وأمر به، وقوله: «ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الرأي، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا، أو يملوا، لكل حال عنده عتاد»، أي كان صلى الله عليه وسلم يقظا يحتاط لكل ما يمكن أن يقع محتاط له، ويتوقع الشيء قبل وقوعه فيأخذ حذره ويأخذ بالحزم، وأما قوله: «أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة» فهو واضح فما أحوج الإنسان إلى أخ ناصح مشفق، وقوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر»، فهذا يبين لنا أهمية ومنزلة الذكر.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) فكان صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، أما قوله: «ولا يوطّن الأماكن وينهى عن إيطانها»، أي انه صلى الله عليه وسلم لا يتخذ له موضعا مخصوصا يختص به من بين سائر الناس، وإذا ما احد جلس في ذلك الموضع ساءه ذلك كما يفعل بعض الناس، وقوله: «من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف»، أي إذا جاءه طالب حاجة مهما أطال في الكلام ومهما أطال في الشرح فانه صلى الله عليه وسلم يصبر ويتجلد حتى يكون ذلك الإنسان هو المنصرف، وقوله: «مجلسه مجلس حلم، وحياء وصبر، وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم»، فهكذا يجب أن تكون عليه المجالس ليس فيها صخب ولا تنتهك أعراض الناس، ويتكلم فيها بالغيبة والنميمة، فتؤبن معناها «تقترف» و«الحرم» إما الأعراض وإما النساء، أي لا تنتهك أعراض النساء على رأي شراح هذه الكلمة. ومعنى «ولا تنثى فلتاته»، بمعنى لو أن أحدا زل في مجلس صلى الله عليه وسلم وأخطأ فانه لا يشهّر به وإنما يحفظ ويستر عليه ذلك الخطأ، ثم قال: «كيف كانت سيرته في جلسائه؟ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر»، أي انه صلى الله عليه وسلم كان طلق المحيا، ذا بشاشة، لا يقطّب جبينه، ولا يعبس في وجوه الناس، ولا يكفهر كما يفعل بعض الناس الآن عندما يقابلك تراه مكفهرا، غضوبا، وإنما كان صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفض ولا غليظ ولا صخاب، ولا فحاش، لا عيّاب، ولا مدّاح، فإذن كان صلى الله عليه وسلم كما يروي الراوي هنا دائم البشر، لأن هذه الطلاقة في الوجه هي التي تورث المحبة وتورث المودة، ولذلك كان العرب يعدونها خيرا من القِرى، كما يقول شاعرهم:

بشاشة وجه المرء خير من القرى
فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك

واختتم الغاربي محاضرته قائلا: إذن هذه بعض الصفات والمحامد والخصال الكريمة التي كان عليها رسولنا صلى الله عليه وسلم فحري بنا بعد أن علمناها أن نتأسى به صلى الله عليه وسلم وان نقتدي به عليه الصلاة والسلام حتى ننال المثوبة والأجر من الله سبحانه وتعالى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لسلوك مرضاته والتأسي به صلى الله عليه وسلم.