الإعابة.. تأباها النفوس السليمة

تأنفها الفطرة السوية –
د. سعيد بن سليمان الوائلي –
كلية العلوم الشرعية- مسقط –

لقد أتى الإسلام الحنيف بشريعته الغراء ليقوّم طبيعة الانتقاد السلبي الذي يعتمد فيه صاحبه على الهمز واللمز وكره الشيء ببيان عيوبه ونقائصه، ليجعل محل ذلك كله فضائل الآداب المؤكدة لطبيعة الفطرة السليمة قبل تأثرها بالجوانب السلبية في الحياة؛ فلها حق رفضه وعدم قبوله، ويمكنها من رده بالتي هي أحسن، أو تعديل ما فيه من السوء إن أمكن.

مما هو معهود في الأذهان أن الله تعالى قد خلق الناس بفطر سوية وعقول سليمة، ولكنهم يؤثرون على فطرهم ويغيرون مواد عقولهم بحسب ما يتعاملون معه، ندرك جانبا من هذا المعنى عندما نقف وقفة بسيطة ونتأمل قول الحق تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30].
ولعلنا في هذا المقام نحتاج إلى أن نستعين بأحد علماء التفسير لنقتبس من قولهم ما يعيننا على حسن التدبر في قول العليم الخبير، فقد جاء في كتاب التحرير والتنوير للعلامة الطاهر ابن عاشور: «أن الفطرة هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، والفطرة التي تخص نوع الإنسان هي ما خلقه الله عليه جسداً وعقلاً، فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج أمر من غير سببه خلاف الفطرة العقلية وهو المسمى في علم الاستدلال بفساد الوضع، وجزمنا بأن ما نبصره من الأشياء هو حقائق ثابتة في الوجود ونفس الأمر فطرة عقلية، وإنكار السوفسطائية ثبوت المحسوسات في نفس الأمر خلاف الفطرة العقلية… وفي قوله: (التي فطر الناس عليها) بيان لمعنى الإضافة في قوله (فطرة الله) وتصريح بأن الله خلق الناس سالمةٌ عقولهم مما ينافي الفطرة من الأديان الباطلة والعادات الذميمة، وأن ما يدخل عليهم من الضلالات ما هو إلا من جرَّاء التلقي والتعود».
ومن منطلق هذا النصّ ندرك أن النفس البشرية بما زرع فيها من خير وهدى، هي في أصل وضعها تأبى العيب والردي، وتكره استنقاص أحد لها بما تظن فيه الكمال والتمام، وهذا النظام الإلهي في التكوين البشري ينبغي أن يحافظ عليه بطبيعته التي أوجدها الله فيه من دون تغيير أو تبديل.
لكن الناس بما جعل في حياتهم من معاملات مشتركة ومصالح متشابكة ومنافع متداخلة، تلزمهم التعامل مع بعضهم البعض، يتأثرون بالمؤثرات من حولهم إلى درجة كبيرة، قد تدفعهم في كثير من الأحيان إلى الانتقاد وبيان المساوئ والعيوب.
وقد أتى الإسلام الحنيف بشريعته الغراء ليقوّم طبيعة الانتقاد السلبي الذي يعتمد فيه صاحبه على الهمز واللمز وكره الشيء ببيان عيوبه ونقائصه، ليجعل محل ذلك كله فضائل الآداب المؤكدة لطبيعة الفطرة السليمة قبل تأثرها بالجوانب السلبية في الحياة؛ فلها حق رفضه وعدم قبوله، ويمكنها من رده بالتي هي أحسن، أو تعديل ما فيه من السوء إن أمكن.
هذا إن كانت المسألة متعلقة بشيء خارج الإنساني، فما بالكم بالنفس البشرية التي يتعامل معها بجملة من المشاعر والأحاسيس، فالقول فيها يكون أكثر عمقا وحكما.
من أجل ذلك نجد أن التشريع الرباني لم يغفل في جانب التشريع أن يراعي تعاملات الناس مع بعضهم بما يراعي عواطفهم ومشاعرهم، فأكد أولا طبيعة الاختلاف فيهم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13]، فتتحقق عدالة المساواة في الناس جميعا على اختلاف قبائلهم ومشاربهم، وعلى اختلاف أنواعهم في الجنس، ليتقرر عند الله عز وجل الكرامة بميزان الله لا بأغراض الناس وأطماعهم.. هذا من جانب، ومن جانب آخر يصحح الأفهام إلى أن الحكم في تقرير الخير والشر، والصلاح والفساد، والهدى والضلال ليس مرده إلى العقل البشري، بل لابد فيه من الرجوع إلى من له الحكم والأمر، فيتعامل العباد فيما بينهم وفق التكاليف الشرعية.
من أجل ذلك، كان من الأدب الإسلامي عدم اشتغال الإنسان بعيوب غيره، وعدم الهمز واللمز في أعراض الآخرين، وعدم السخرية من أوضاعهم.
والنص في القرآن الكريم واضح في الوعيد بالويل لمن كان همازا لمّازا، قال الله تعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) [الهُمَزَة: 1]، والهمزة: وصف لمن قام بالهمز والهمز هو أن يعيب أحدٌ أحداً بالإِشارة بالعين أو بالشِّدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه. واللمزة وصف لمن فعل اللمز وهو المواجعة بالعيب. وترتب الوعيد على أصحاب هذه الصفات منفر من الاتصاف بها كما هو معلوم.
وكذلك أتى النهي عن السخرية من الآخرين بصورة أكيدة، مصاحبة لجملة من المنهيات التي تحافظ على رابطة الأخوة الإيمانية وعلاقة المسلمين ببعضهم، فقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الحجرات: 11]، والسخرية من إنسان ببيان عيب فيه أو انتقاص قدره أمام غيره، وإيصال الألم النفس بأوضاعه وأحواله، وهذه السخرية ذميمة في أصلها، قبيحة في نتائجها كما لا يخفى ذلك على عاقل. وعندما ننظر في هذه الآية نظرة تدبر، نلحظ فيها توجيه النهي لكل الأطراف من الرجال والنساء فلا يقدح أحد في أحد، ولا يعيب أحد في أحد، ولا ينتقص حق من أي أحد، كل ذلك حفاظا للحقوق وإلزاما بالواجبات.. وقد جاء بعد ذلك النهي عن اللمز للأنفس بالمعنى الذي ذكرناه سابقا في الوعيد بالويل للهمزة اللمزة.
وليحسن إسلام الإنسان بالصورة الشرعية الكاملة، أتى بيان آخر بتوجيه نبوي كريم، ليترك كل فرد ما لا يعنيه، فجاء في الحديث عن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
وهذا الكلام له أثره وأبعاده الاجتماعية، حيث يترك الإنسان البحث في أشياء لا تخصه ولا تعنيه، مراعاة لحقوق صاحبه وأخيه في خصوصياته ومتعلقاته الشخصية، وتدخل الإنسان في خصوصيات غيره تعرضه للخطر وإن قل، وجاء في الحكمة: (من تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه)، ويروى في الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال لرجل وهو يعظه: «لا تتكلم فيما لا يعنيك».
هذا فما بالكم ببيان العيوب والمساوئ وذكر ما يسئ ولا يحمد، فإن ذلك يكون له الآثار السلبية بصورة أكبر، أقلها أنه يبعد الإنسان عن حسن إسلامه وكماله، ويعرضه للنقصان في مجاله.
ثم لا يخفى على أحد أن الإعابة وبيان العيوب المتعلقة بالشخصية الإنسانية تؤذيه خاصة إذا كانت أثناء حضوره، والإيذاء من الأمور المنهي عنها في الشرع، وعدم الإيذاء مرتبط بحقيقة الإيمان كما جاء في النص المروي عن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وفي بعض الأحيان يكون إيذاء اللسان أبلغ وأنكى بالإنسان من إيذاء اليد، وهو المسمى بالإيذاء النفسي أو المعنوي، ولا شك أن إعلان العيوب من قبيل الإيذاء.
وإذا تأملنا في أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان من طبعه الإحسان بكل معانيه؛ فإننا نجده لم يعب أحدا من الناس لا من أصحابه ولا من أعدائه، ولم يكن من طبعه الفحش في القول ولا الغلظة فيه، وقد جاء في وصفه أنه: «لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا». بل كان متصفا بجانب ذلك بالرحمة التي تعد من صفات الكمال بما يدفع الإنسان إلى أن يرق لآلام غيره من المخلوقات، ويسعى للقضاء عليها وإزالتها.. ولعل ذلك من أثر رحمة الله بعباده وهو الرحمن الرحيم، فأودع من رحمته جزءًا منها في قلوب الخلائق، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجًا رائعًا للرحمة في الإنسانية في وجوده وتعامله، وفي حياته الخاصة والعامة، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) [آل عمران: 159].
ولعل مما يحسن أن نختم به في موضوعنا هذا، أن الإنسان حتى يجد حلاوة الإيمان ينبغي له أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأين نحن عن حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». ومن جملة ذلك أن يحترم الآخر في كيانه ووجوده، ولا يتعرض لذكر عيوبه؛ ليترتب على ذلك ما له من حقوق في ذمة غيره..
والله نسأل أن يحقق لنا معنى الحياة في ظلال المعاني الإيمانية التي يرتبط بها كل فرد بما يرضيه عز وجل.