ثورة في الرواية البوليسية الإسبانية بعد ضم أبطال غير تقليديين

مدريد ـ «د ب أ»: عندما تعود إلى وحدة جرائم القتل بعد عام من الإيقاف، ستواجه مفتشة الشرطة صوفيا لونا تحقيقا في جريمة قتل شديدة الغموض، ولكنها ستضطر في الوقت نفسه لمواجهة أمر شديد الخصوصية. فقد خضعت خلال تلك الفترة لعملية تحويل نوع. حين قرر الأديب الإسباني أنطونيو ميرسيرو /‏‏49 عاما/‏‏ كتابة روايته «حالة اليابانيات القتيلات»، لم يكن يعتزم تقديم عمل بوليسي تقليدي، بل أراد أن يقدم إسهاما في قضية التسامح من شأنه أن يحدث ثورة في مجال «الرواية السوداء» أو البوليسية الإسبانية، حيث يقدم لأول مرة في تاريخ هذا النوع من السرد القصصي بطلة متحولة.

وكان ميرسيرو قد قدم إرهاصا لبطلة روايته صوفيا/‏‏ كارلوس سابقا، في عمله الأول «نهاية الإنسان»، حيث يعتقد المؤلف أنه من خلال الجزء الثاني يستكمل قليلا سرد سيرته الذاتية، مستوحيا الفكرة من واقعة حقيقية، حكتها له صديقة عن ضابطة شرطة بريطانية مرت بهذه التجربة، وتمكنت من تجاوز حدود الرفض وخاضت المعارك لكي تثبت ذاتها.
في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) قال ميرسيرو «اتصور أن تقديم شخصية ضابط شرطة يجري عملية تحويل نوع، من شأنه أن يتسبب في زلزال، خاصة وأنها مؤسسة ذكورية في المقام الأول. كان الأمر يستحق إقحام شخصية على التحقيق في ذروة أزمة تحويل النوع، مع إدراك مدى صعوبة الأمر». ويضيف «تروقني الصعوبات والعقبات التي تواجهها الشخصية، سواء على الصعيد المهني أو الأسري أو الشخصي، ردود الأفعال الجسمانية على العلاج بالهرمونات، بينما يتعين عليه التصدي لكشف غموض جرائم قتل».
يوضح أيضا أن التحول في النوع الذي تشهده الشخصية يرمز إلى التغيرات التي تطرأ على المجتمع، من الذكورية المتوارثة عبر الأجيال إلى التأنيث أو على الأقل لأن يصبح مجتمعا أكثر مساواة.
وفيما يتعلق ببناء الشخصية، يقول ميرسيرو «في البداية انطلقت الشخصية ثم تلتها الحبكة الدرامية»، ليتقمص بعد ذلك شخصية كاتب سيناريو، نظرا لاعتياده على المشاركة في العديد من المسلسلات التليفزيونية الإسبانية الناجحة ومنها على سبيل المثال «المستشفى المركزي»، الذي استمر عرضه خلال الفترة بين 2000 وحتى 2012. وكانت بداياته على الشاشة الصغيرة مع مسلسل «صيدلية ليلية»، الذي عرض خلال موسم من 1991 إلى 1995، التي اشترك فيها مع والده، وهو مخرج وكاتب سيناريو راحل، اشتهر أكثر بإخراج مسلسل «صيف أزرق» الذي قدم بين عامي 1981 و 1982.
أما لماذا قدم رواية بوليسية، فيوضح ميرسيرو أنه خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كانت الرواية البوليسية هي الأسلوب السردي السائد لتقديم النقد الاجتماعي وتسليط نظرة شاملة على التغيرات التي تطرأ على المجتمع تتجاوز كثيرا مجرد الحبكة البوليسية، مشيرا إلى أن هذا النوع في الأدب الأمريكي دأب على تسليط الضوء على قضايا الفساد التي تنخر المجتمع، ولكنه أراد الخروج من هذه الحبكة التقليدية وتوجيه النقد إلى جوانب أخرى من المجتمع، مثل التسامح والمساواة.
وتتضمن الرواية شخصيات لدهم توجهات وميول متعارضة، وهذا يرجع إلى خلفية ميرسيرو ككاتب سيناريو، حيث يوضح «إذا أمعنا النظر وجدنا أن أروع ما في الجنس البشري هو التنوع، والكم الهائل لأشكال الوجود والتفكير وملامح الشخصية التي تفرق بين شخص وآخر، وكلما أخرجت المزيد منها كل كلما كان ذلك أفضل وأكثر تشويقا لأني أشعر بأني أقدم عملا أكثر تعقيدا».
على أية حال تجمع الرواية بين التوثيقي والواقعي، دون التخلي عن الخيال الروائي. وفي هذا السياق يؤكد المؤلف «أولا وأخيرا أحب أن تكون الشخصية خيالية، أكثر من كونها رواية شخصية واقعية تم توفيق الخيال مع الواقع فيها». ويضيف «لو أن هذه الواقعة كانت حقيقية، لكان لزاما على الشرطة الإسبانية تقبل عملية تحويل النوع لدى أحد عملائها. لابد وأن هناك حالة بين الشرطة أو الجيش أو في الشرطة المحلية في كتالونيا، وقد تم تقبلهم».
كما يؤكد «لا أقول إن الأمر كان سهلا. عادة وبصفة عامة لا يتم قبول الاختلاف بسهولة، حتى أعز أصدقائك قد يديرون ظهرهم لك أو قد لا يظهرون ترحيبا كبيرا بعلاقتهم بك في حالة التغيير، نحن نتحدث هنا عن دائرة المقربين والنواة الصلبة التي تمثل الظهر والسند العاطفي للإنسان: أبناؤك، والداك. المجتمع شديد القسوة ولا يتسامح عادة مع من يخرجون على السياق».
في الوقت الراهن، لا يعلم المؤلف إذا كانت قصة صوفيا لونا، محققة الشرطة المتحولة، بطلة سلسلته الروائية، سيكتب منها جزء ثالث أم لا، علما بأنه يعكف حاليا على إعداد معالجة تليفزيونية من الجزء الأول بعد أن اشترت إحدى محطات التليفزيون حقوق عرضها. يعتقد ميرسيرو أن التسامح موضوع واسع منفتح على الكثير من الإبداع، كما أن رحلة تحول صوفيا من نوع إلى نوع تتضمن الكثير من التفاصيل، لأنها أقسى رحلة يمكن أن يخوضها بطل في عمل روائي.