هيمنة الدولار مستمرة رغم الجهود الدولية

جيليان تيت – الفاينانشال تايمز – ترجمة قاسم مكي –

حين عقد جيروم باول، رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، مؤتمرا صحفيا أواخر سبتمبر كان المستثمرون في حالة تأهب قصوى لسماع ما قد يقوله بشأن الدولار. ولا عجب في ذلك. فكما أوضحت الأزمات الأخيرة في تركيا والأرجنتين يضع ارتفاع سعر أخضر الظهر (الدولار) ومعدلات الفائدة الأمريكية مقترضي الأسواق الناشئة بين فكي كماشة الأمر الذي يضفي أهمية حاسمة لمعرفة ما إذا كان بنك الاحتياط الفيدرالي يسعى إلى تعزيز قوة الدولار (برفع سعر الفائدة). وما حدث أن باول لم يلزِم نفسه بشيء. لكن فيما يفكر المستثمرون في سعر الدولار هنالك موضوع آخر يجب عليهم أن يُعنُوا به أيضا وهو دور العملة الأمريكية في النظام المالي العالمي. فهنالك شيء غير متوقع يحدث على هذه الجبهة. في شهر سبتمبر أعلن دونالد ترامب (مرة أخرى) أنه يريد هز النظام العالمي الذي ساد في فترة ما بعد الحرب الثانية.
وأكد الرئيس الأمريكي الذي كان يتحدث في الأمم المتحدة أن أمريكا تتبنى موقفا أكثر أحادية. وحتى قبل انتخاب ترامب حاولت عدة بلدان في هدوء تغيير النظام المالي الدولي بالالتزام بتقليص النفوذ العالمي للدولار. وقَدَّم جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية هذا الشهر بيانا عمليا لذلك المسعى حين وظف خطابا للشكوى من هيمنة الدولار والدعوة إلى تعظيم نفوذ اليورو.
قال يونكر وهو يستشيط غضبا «من العبث أن تسدد أوروبا 80% من فاتورة وارداتها من الطاقة بالدولار الأمريكي في حين أن 2% فقط من هذه الواردات تأتي من الولايات المتحدة… (أو) أن تشتري الشركات الأوروبية الطائرات الأوروبية بالدولار بدلا عن اليورو. «لقد تعهدت الصين بتوسيع نطاق استخدام عملتها كي تضاهي قوتها الاقتصادية المتعاظمة. ويغمغم بعض المسؤولين بأن الرينمينبي (اليوان) سيتفوق في النهاية على الدولار كعملة احتياط. كما عكفت بلدان الاقتصادات الصاعدة على محاولة تعزيز أسواق سندات عملاتها المحلية وقطع روابطها مع الدولار. ولكن هذا المسعى لم ينجح. ففي الأعوام الأخيرة تعززت في الحقيقة هيمنة الدولار ولم تضعف. وهذه الهيمنة الآن، حسب روشير شارما، الخبير الاقتصادي ببنك مورغان ستانلي، «عند مستويات قياسية» رغم موقف ترامب الانعزالي. وحسب تقرير صدر عن البنك المركزي الأوروبي مؤخرا فإن اليورو يستخدم على نطاق مساوٍ تقريبا للدولار كعملة سداد للمدفوعات. لكن ذلك هو المجال الوحيد لما يقرب من أن يكون تكافؤا (بين العملتين.) فالمعاملات بالدولار لا تزال تشكل 62% من الدَّين العالمي و56% من القروض الدولية و44% تقريبا من حجم التداول في سوق الصرف الأجنبي وما يقرب من 63% من احتياطيات النقد الأجنبي.
أما الأرقام المناظرة لها بالنسبة لليورو فهي ما بين 20% إلى 24% فيما عدا حصته في حجم معاملات سوق الصرف الأجنبي والتي تبلغ 15.7%. دعونا نلقي نظرة أيضا على بلدان الاقتصادات الصاعدة. لقد ازدهر بها استخدام السندات المقومة بالعملة المحلية. لكن في العقد الماضي زاد حجم اقتراض البلدان الصاعدة بالدولار بأكثر من الضعف. ويشكل الاقتراض بهذه العملة الجزء الأعظم من الدَّين هناك. هذا صحيح حتى في الصين. فشركاتها توسعت في الاقتراض بالدولار بوتيرة سريعة خلال هذا العقد. وعلى الرغم من أن حصة الرينمينبي من احتياطي العملات الدولية ارتفعت إلى 2.8% في السنوات الأولى من هذا العقد إلا أنها تراجعت إلى 2% بعدما أعادت الصين فرض الضوابط على رأس المال في عام 2015.
وكما لاحظت كارمِن راينهاردت، أستاذة النظام المالي الدولي بجامعة هارفارد، حين تقرض الصين ديونا للبلدان الإفريقية أو الآسيوية المنخفضة الدخل فإنها (يا للمفارقة) تميل إلى إقراضها بالدولار. ولا ينبغي لنا أن نحبس أنفاسنا في انتظار أن يتغير ذلك. من بين الأسباب التي تفسر هذا المستوى القياسي لاستخدام الدولار تعاظم القوة الدولية للشركات المالية الأمريكية منذ الأزمة المالية العالمية (وهذه مفارقة أخرى من مفارقات العالم الحديث). هنالك سبب ثانٍ يتمثل في القوة النسبية لاقتصاد الولايات المتحدة. لكن السبب الثالث هو أنه لا يوجد من بين منافسي الولايات المتحدة من يوفر ذلك القدر من السيولة والصدقية المرتبطة في الوقت الحالي بأسواق الدولار.
فإصلاحات الصين المالية نصف مكتملة في أحسن الأحوال واليابان تنطوي على نفسها ومنطقة اليورو تواجه تحدياتٍ هيكلية. بالطبع قد تنهار صِدقِيَّة الولايات المتحدة إذا عانت من أزمة تتعلق بدينها السيادي الخاص بها هي نفسها. وهذا مهدد حقيقي يتزايد احتماله في الأجل المتوسط بالنظر إلى سياسة ترامب المقوِّضة للموازنة بخفض الضرائب وزيادة الإنفاق. بعض الناس في وول ستريت (شارع المال والأعمال بالولايات المتحدة) مهمومون جدا بذلك وأخبروني أنهم عاكفون على تطوير بدائل للدولار كتحوُّط للعملاء. لكن هذه البدائل تركز على التحوطات الرقمية باستخدام عملة البيتكوين والذهب وليس اليورو أو الين أو الرينمينبي.
يمكنكم إذا أردتم تسمية مكانة الدولار كعملة الاحتياط الأولي «بالامتياز الفائق الحد» للولايات المتحدة أو بدقة أكثر «اللعنة المرعبة التي حلَّت بالعالم غير الأمريكي.» وفي كلا الحالين ستعني هذه الوضعية، بصرف النظر عما سيفعله ترامب أو لن يفعله على المسرح الدولي في المرحلة القادمة، أن جيروم باول سيحظى بنفوذ غير عادي في الأسواق المالية. دعونا نأمل في أن يكون أكثر منهجية وحذرا في ممارسته لهذا النفوذ مقارنةً برئيس بلده.