ماذا بعد انتخابات التجديد النصفي؟

عبد العزيز محمود –

من المؤكد أن نتيجة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، تحدد الأغلبية في الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ، لكن الأهم -أنها تحدد- إلى أين تتجه الولايات المتحدة؟

أيا كانت نتيجة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي التي أجريت يوم ٦ نوفمبر الجاري فالمؤكد أنها سوف تعمق حالة الانقسام الحادة وغير المسبوقة داخل الولايات المتحدة، ففوز الجمهوريين بالأغلبية يعني احتفاظهم بالسيطرة على كافة المؤسسات لمدة عامين مقبلين، بينما يهدد فوز الديمقراطيين بالأغلبية بتعطيل مخططات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واستهدافه وإداراته بمزيد من التحقيقات حول التدخل الروسي المزعوم في انتخابات ٢٠١٦، وفي حالة تقاسم الحزبين للسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، فإن الولايات المتحدة تبدو مهددة بالجمود السياسي إلى حد غير قليل.
وهكذا تبدو انتخابات التجديد النصفي لللكونجرس، التي تستهدف انتخاب مجلس نواب جديد (٤٣٥ نائبا) وثلث أعضاء مجلس الشيوخ (٣٥ من أصل ١٠٠)، والتي أجريت بالتزامن مع انتخابات حكام ٣٦ ولاية أمريكية، وكأنها أشبه بانتخابات عام 2016 الرئاسية
فالخلافات عميقة بين الجمهوريين والديمقراطيين حول مختلف القضايا بدءا بالهجرة وانتهاء بالرعاية الصحية، وسياسات الرئيس ترامب الشعبوية خاصة المتعلقة بالأقليات والمهاجرين تزيد من حالة الاستقطاب السياسي في الداخل، وتضع مصداقية الولايات المتحدة على المحك في الخارج
والرئيس ترامب يتعامل مع انتخابات التجديد النصفي، باعتبارها التي سوف تحدد مصيره السياسي، فاحتفاظ الجمهوريين بالأغلبية داخل الكونجرس سوف يجعله أكثر قدرة علي تنفيذ تعهداته خلال ما تبقى من ولايته الأولي، ويضمن له -وهذا هو الأهم- إعادة الترشح لولاية رئاسية ثانية، ولعل هذا ما دفع الرئيس للقيام بجولات في مختلف الولايات لدعم مرشحي الحزب الجمهوري، بينما استعان الحزب الديمقراطي بالرئيس السابق باراك أوباما لنفس المهمة، مما جعل انتخابات التجديد النصفي، وكأنها بروفة تحضيرية لانتخابات الرئاسة المقبلة والمقرر إجراؤها في نوفمبر عام 2020.
وهذا ما يدركه الحزب الجمهوري الذي يسعى من خلال الاحتفاظ بالأغلبية داخل مجلسي النواب والشيوخ، للسيطرة على عمليتي التشريع والرقابة داخل الكونجرس، فضلا عن استمرار النفوذ على السلطة القضائية والوكالات الفيدرالية،
وهوا ما يعني استمرار الوضع الذي كان قائما خلال العامين الماضيين، عندما شغل الجمهوريون ٢٣٥ مقعدا مقابل ١٩٣ مقعدا للديمقراطيين، وهناك سبعة مقاعد شاغرة)، وسيطرتهم بأغلبية ضئيلة علي مجلس الشيوخ (٥١ مقعدا للجمهوريين مقابل ٤٧ للديمقراطيين+ مقعدين للمستقلين يصوتان لصالح الديمقراطيين).
وهذا تحديدا ما أتاح للرئيس ترامب وإدارته حرية الحركة خلال العامين الماضيين، مع غياب أي رقابة حقيقية من جانب الكونجرس، وحصوله علي مساندة الجمهوريين له خلال مواجهاته مع وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي وأجهزة الاستخبارات علي خلفية التحقيقات الجارية بشان التدخل الروسي المحتمل في انتخابات عام ٢٠١٦
لكن هذا الوضع يمكن الآن أن يتغير، إذا أسفرت انتخابات التجديد النصفي، عن فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية ولو ضئيلة في مجلس النواب، وهو احتمال يبدو واردا، بالنظر إلي أداء الديمقراطيين القوي خلال الانتخابات، والتبرعات الهائلة التي جمعوها، وتراجع التأييد الشعبي للرئيس ترامب وفقا لاستطلاعات الرأي.
وفي هذه الحالة سوف يكون بوسع الديمقراطيين وقف أو تعطيل مخططات وسياسات الرئيس برفض إقرارها داخل مجلس النواب، فضلا عن إحباط قدرته على تمرير أي تشريع رئاسي.
الأهم من ذلك تحركهم لإخضاع الرئيس وإدارته للرقابة، وهو ما لم يكن متاحا في السابق، لدرجة رفض الرئيس ترامب مجرد الإفراج عن إقرارته الضريبية. فضلا عن استهداف الرئيس وإدارته بالمزيد من التحقيقات حول مدى تورط حملته الانتخابية في المحاولات الروسية المزعومة للتدخل في انتخابات ٢٠١٦، بهدف أضعاف موقفة أو الحيلولة دون ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وحتى يتحقق ذلك لابد أن يحصل الديمقراطيون أولا على ٢١٨ مقعدا علي الأقل داخل مجلس النواب لضمان فوزهم بالأغلبية، وهو ما يعني أنهم بحاجة للفوز بما لا يقل عن ٢٣ من مقاعد الجمهوريين، وهو ما قد يبدو متاحا، بالنظر إلي إن عددا كبيرا من الجمهوريين غادروا مجلس النواب بالتقاعد أو سعيا وراء مناصب أعلى أو لمعارضتهم لسياسات ترامب.
من جهة أخرى، تبدو فرصة الديمقراطيين أصعب في الفوز بالأغلبية في مجلس الشيوخ، الذي يتمتع فيه الجمهوريون بأغلبية ضئيلة (٥١ مقعدا مقابل ٤٧ للديمقراطيين+ مقعدين للمستقلين)، فهذا يتطلب فوزهم باثنين من مقاعد الجمهوريين من أصل ٩ مقاعد جمهورية تم طرحها للتصويت، مع احتفاظهم ب ٢٤ مقعدا ديمقراطيا تم طرحها للتصويت، في انتخابات التجديد النصفي.
والحقيقة إن سيطرة الديمقراطيين ولو بأغلبية ضئيلة على مجلس الشيوخ، سوف تمكنهم من إقرار أو رفض ترشيحات الرئيس لشاغلي المناصب الرئيسية بالحكومة والقضاء، وربما تدفعهم لبدء إجراءات عزل ترامب أو دفعه للاستقالة، رغم أنه لم يتم تنحية أي رئيس أمريكي عبر عملية العزل.
وفي كل الأحوال لا تبدو المسألة بهذه السهولة، فتحسن أداء الاقتصاد الأمريكي وتراجع معدلات البطالة وارتفاع الأجور يلعب دورا لصالح الحزب الجمهوري، الذي يبدو مؤهلا أكثر للفوز بالأغلبية داخل مجلس الشيوخ، المنوط به إقرار أو رفض السياسة الخارجية للرئيس.
وفي هذه الحالة يحتفظ الجمهوريون بالسيطرة علي مجلس الشيوخ، ويستعيد الديمقراطيون السيطرة علي مجلس النواب، وهو وضع يهدد الولايات المتحدة بالجمود السياسي، خاصة إذا لم يتمكن الجانبان من التوافق، علي الأقل حول ميزانية الدولة، تجنبا لحدوث حالة الإغلاق الحكومي.
عموما وأيا كانت نتيجة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، فالمؤكد إنها لن تحدد فقط من يفوز بالأغلبية في الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ، بل ستحدد -وهذا هو الأهم- إلى أين تتجه الولايات المتحدة؟