عقوبات وحوافز

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

لن أتوقف طويلا عند حزمة العقوبات الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب منذ الاثنين الماضي على إيران، ولا ما أثارته وستستمر تثيره من جدل، أو الآثار التي ستترتب عليها سواء بالنسبة لإيران ذاتها أو للمنطقة، والأسواق العالمية، والدول التي تشتري النفط الإيراني وتتبادل التجارة والمنافع مع إيران بالدولار.
غرضي اليوم هو فقط مناقشة هذا النهج من العقوبات. قرأت لكتاب متنوعين كيف أن ترامب توصل أخيرا إلى ما يمكن أن يوجع به إيران ألا وهو بترولها وبنوكها، وأن مسعاه إلى إخراج إيران من نظام «سويفت»  العالمي ( نظام إدارة التحويلات بين البنوك في العالم ) سيلحق أضرارا مؤلمة بإيران .
تذكرت مع هذا النوع من العقوبات والكتابات حولها مثلا شعبيا مصريا هو : «… وفين يوجعك»،  ومعناه أن القائل، أو طبقا لما نقل عنه، امسك بخصمه ووجه إليه ضربات في المواضع التي تلحق به وجعا قاسيا ومؤكدا، أو فوق طاقة الاحتمال، بما يجعله يكف تماما عن المقاومة أو يستسلم . إن سياسات هذه الدولة أو تلك قد تكون مثيرة حقا لأشد الاختلاف حولها، ومع الخلاف الحاد ستجد في جانب آخر لها مناصرين ومؤيدين للمختلف عليه، وفى جانب ثالث هناك من لا يقبلها ولكنه أيضا لا يقبل طرق إصلاحها، لكن السؤال العام هو: متى يستخدم الشخص أو تستخدم الجماعة أو الشركة أو الدولة سياسة « فين يوجعك » مع الخصم أو الخصوم ؟. وما علاقة ذلك بالقانون العام أو الخاص أو الجنائي أو الدولي؟ . ما علاقة ذلك بنمط القيم الذي يراد تعميقه أو تهميشه في هذا العالم أو في هذا الكيان الصغير أو الكبير؟ . بكل يقين يمكن القول إنه من غير المقبول أن يلعب بلد واحد في العالم – أيا كان هو – دور شرطي العالم، فيقرر متى يحمي هذا أو يضرب ذاك، وإلا بعد أن يكون أيضا القاضي الوحيد في العالم الذي يقول ما نوع العقوبة التي يتعين توقيعها على هذا أو ذاك ودون أي معارضة أو نقض أو حتى تظلم، والأدهى هو أنه ينزل الملعب وينفذ فعلا ما قرره منفردا، وأخيرا: بل ويجبر أي أطراف أخرى على أن تجاريه وتنفذ ما أمر به دون تشاور ودون حتى حيثيات معلنة واضحة ومعيارية – أي تقبل التطبيق على أي طرف آخر يرتكب نفس الأفعال -. وإذا كان من المحتمل أن يكون الفاعل الموجع هذا هو المستبد العادل الذي يريد بقسوته أن يحقق أهدافا طيبة للمجموعة أو الكيان أو الدولة أو حتى العالم كله من جراء ما يقوم به أفلا يحق لنا أن نسأله عما يفعله للمجموعة أو الكيان … الخ في الحالات العادية وبالأدوات التقليدية أو العادية أي التي لا ألم فيها أو إيذاء بل وفيها ما يفرح أو يسر؟ . لقد ذكر مؤلف كتاب « صناعة السعادة. كيف باعت لنا الشركات العالمية الوهم » ( سلسلة عالم المعرفة ) أن البحوث أكدت أنه يمكن زيادة إنتاجية العاملين بمنحهم حافزا في صورة هبة عن الأعمال الإضافية التي يقومون بها، وأوضحت الأبحاث أن تأثير الحافز بهذه الصورة يكون أقوى مما لو تم تقديم نفس المبلغ تحت مسمى «مقابل الساعات الإضافية» لأن العمال يشعرون في الصورة الأولى أن من قدم لهم الهبة يريد التواصل معهم إنسانيا أي أبعد من كونهم عاملين وبالتالي يجدون لزاما – من الناحية الأخلاقية – عليهم أن يردوا الود بالود فيزيدون من إنتاجهم. لكن هل يصلح ما يجرى في شركة للتطبيق على مستوى دولة أو العالم ؟ . ألا يصلح المثل السابق لأن يكون قانونا في العلاقات الدولية لتحقيق نوع من التراضي بين كافة الأطراف المختلفة الأوزان والأدوار؟ الغريب أن الأمريكيين هم أول من صدر إلى العالم فكرة إدارة الدولة كشركة وذلك منذ أكثر من ربع قرن وضمن عمليات تطوير مستمرة لأفكار إدارة الأعمال في المراكز الجامعية والبحثية الأمريكية، فإذا كان ذلك كذلك أفلا يحق للعالم أن يطلب من القوى الكبرى أو الكبار المتحكمين في أي موقع أو مجال أن يجربوا التعامل بطرق أخرى غير « فين يوجعك» أو طريقة : «خذ يا هذا إن هذا هو بالضبط ما تستحقه عن ساعة العمل الزائدة التي قمت بها».
ثمة افتراض آخر هو أن الدولة أو المجموعة أو الكيان الذي يتم توجيه العقوبات الموجعة إليه شرير أو قمعي أو مارق أو مثير للاضطرابات والفتن -، ويستحق ذلك أو لا طريق آخر لتغيير مسلكه إلا ذاك، هنا يصبح السؤال : أليس هناك حدود للإيلام؟ ماذا عن الأطفال والأمهات الحوامل والمسنين وغير القادرين على تحمل الوجع – أفرادا أو دولا -؟. ماذا عن الأنشطة التعليمية والتربوية والاجتماعية – أي غير الاقتصادية والتي ستتأثر قطعا في البلد أو الكيان المعاقب اقتصاديا – هل يمكن حتى عند معاقبة الشرير أن نتفادى إيذاء من لا ذنب لهم ولا جريرة على الأقل ؟ هل يمكن عند الإيلام أن نتفادى الأضرار بكل ما هو تراث أو تاريخ أو رمز حضاري أو إنساني؟ .
كان المأمول أن يقوم النظام الدولي المتعدد الأطراف والذي تأسس مع نهاية الحرب العالمية الثانية بشيء كذلك، أي حسن تقدير العقوبات لمن يستحق وحسن تقدير العواقب عند تنفيذ العقوبات وتحديد الأهداف التي يتم توخيها من العقاب والمدى الزمني لذلك، وقد بدا النظام بالفعل مبشرا في البدايات إلى أن اشتعلت الحرب الباردة، وزادت حدة الاستقطاب ومع الاثنين زادت الذرائعية أو التعلل بوجود خصوم أو أعداء للعمل بكل السبل على إيذائهم بغض النظر عن التناسب بين الجرم والعقاب. وقد وصلت هذه الموجة إلى ذروتها مرة أخرى الآن.
في الحياة الطبيعية نلاحظ أحيانا أن شدة العقوبة تأتي بنتائج عكسية في بعض الحالات وفى أخرى قد تقود إلى استسلام مهين سيعمل جيل تال على تدارك آثاره.
تحطيم القواعد الدولية والقانونية في جوانب كثيرة من المعاملات الدولية أصبح كأنه عادة. والغريب أن السلوك ذاته يعدي المجتمعات والكيانات الأصغر، فيزيد التناحر بينها، وتشتعل الخصومات لأقل خلاف،  ويشتط كل طرف في رد الفعل باحثا عن أقصى إيلام. الأمر يشبه من زاوية ما كان يقال في علم الاقتصاد الليبرالي والنيوليبرالي إن الإنسان يبحث عن أعلى لذة أو سعادة بأقل تكلفة ويبدو أن أعلى سعادة عند دول أو أفراد تعني رؤية آخرين في أعلى مراحل الألم. أوقفوا الحروب في المنطقة رجاء، وأوقفوا التدخلات في سيادة الدول، وتوظيف المجموعات المسلحة في الصراعات، وأوقفوا الإيذاءات الموجعة، لتشرق شمس سلام نحتاجه، لأن ما يتطلبه البناء والسلام، ضخم جدا لدرجة أنه لا يجب أن يشغلنا عنه أي شاغل آخر.