عطر: لندق أجراس الخطر

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

بين أن تكون مدركا وبين أن تكون غير مدرك، ليس المعرفة فقط، بل “الإرادة”، كلنا في مرحلة ما لا ندرك بل ولا نملك أدوات المعرفة لنرفع من مستوى إدراكنا، هذا الأمر شبيه بالإشكالية الفلسفية، من جاء قبل الآخر (البيضة أم الدجاجة)؟
علينا أن نعرف الفرق الشاسع بين الإدراك والوعي: الإدراك يرتبط بمفهوم حسي، بمعنى أنك تملك المعلومات التي تقودك إلى استنتاجات، مثل: إدراكك أن الأفعال لها مسببات ونتائج منها الإيجابي ومنها السلبي، أما الوعي فهو أكثر عمقا من الإدراك، ويستند على الإدراك وميزاته أنه أكثر التصاقا بالروح، ومع هذا الإدراك مرحلة تسبق الوعي ( أنت عليك ان تدرك لتعي). من جهة أخرى كليهما يتغذيان من المعرفة، ومن ما تملكه من بنك معلومات يحفز مداركك ويمكنك من قياس الفعل ونتائجه، لترفع وعيك الذاتي والمجتمعي، الوعي يتغذى بالمعرفة، التي لا يجب ان تتوقف عن التدفق لإشباع الإدراك ورفع درجات الوعي.
طبعا المقال ليس فلسفيا، رغم ان بدايته فلسفية، بل حبر لن يمل قرع أجراس الخطر وقلم لن يصمت إلا حين يغادر الحياة. المسؤولية مسؤولية فكر لا حبر فقط، لأن التجارة بالكلمات كتجارة الرقيق من أحقر أنواع التجارة، ولأن الكلمات الموثقة كلمات لا تموت وستغذي ولو بعد حين، قارئ يتأثر بها أو يتبناها، من مهام الكاتب والإعلامي، تبسيط المعرفة لتغذية الإدراك ورفع الوعي. من هنا كلماتنا هي الأجراس التي لا يجب أن تمل من قرع نواقيس الخطر، والخطر الحقيقي اليوم هو في تشويش الوعي الجماعي المجتمعي، والإشكالية الكبرى تكمن في إشكالية الهوية الذاتية والانتماء، وتطلع المجتمعات نحو التطور ودخول سباق الأمم، لكن من الواضح السقوط بفخ المظهر وعدم الوصول الى عمق الجوهر.
من الملاحظ أن التطور أفرز فئات متعلمة حاصلة على شهادات عالية نفتخر بها، ولكن بمقابل ذلك افرز أيضا خللا في التفاعل، وظهور فئة من الشباب، تتجاهل أن العلم والمعرفة هما درعا مجتمعاتنا وأننا جميعا مسؤولون عن توسيع إدراكنا ورفع مستوى وعينا. حاجة أوطاننا في توظيف القدرات العلمية لنهوض بأي ركود فكري لا إطلاق النظريات العشوائية وانتقاد هذه المجتمعات والتصرف على أساس أنهم لم يعودوا منها، دون أن يقدموا حلولا لها أو نجدهم ينتسبون الى عوالم لا ترتبط بحضارتهم وثقافتهم، من هنا علينا جميعا أن نؤكد على هويتنا الفكرية وجمال ما نملك من تاريخ مقابل هذه الحضارات الحديثة، لذا على الكتاب والصحفيين ان يركزوا في كتاباتهم على الهوية ورفع درجات الوعي لنتحرر من الاستعمار الاختياري.
لقد تغيرت استراتيجية الاستعمار التاريخية، بدل أن تأتي الدول بجيوشها وعتادها وعديدها لتستعمر وتفرض عاداتها وثقافتها ولغتها علينا لتغذي إدراكنا الحسي بمعرفة إلغائية لحضارتنا وتغير وعينا الذي كان يكلفها الكثير من الخسائر المادية والبشرية، تمكنوا من غزونا ثقافيا واستبدال التفاعل بالتقليد الأعمى في العادات من: ( ملبس ومأكل ومظهر وموسيقى والطامة الكبرى في محو اللغة ) باستخدام منصات العولمة وسمومها وما يعرف بشبكات التواصل الاجتماعي.
يجب أن نحارب الغربة المتعالية وضياع الهوية، لعلنا لا نعي انه علينا مسؤولية التذكير وقرع الأجراس ورفع الصوت عاليا، ربما ما نعانيه اليوم أكبر من كلماتنا وأقوى من قدراتنا في التأثير، ولكن الصمت مشاركة بالجريمة. على كل قلم حر، أن يكتب ويوضح الفرق بين (النفتاح وبين النجراف)، لأن العلم وسيلة وغاية وضرورة وعلى المثقف العربي أن يوظف المعرفة لتمهد له التواصل الإيجابي والندي لا التبعية للحضارات الدخيلة، وسرقته من حضارته ومن تاريخه.
(اللهم قد بلغت اللهم فاشهد).