فاشنيستا

خصيب القريني –

تمثل الفاشنيستا ظاهرة عالمية ليست وليدة اليوم وإنما ترتبط بتطور الجانب الإعلامي وخاصة بدايات ظهور التلفاز والسينما وغيرها من الأدوات، ولمن لم يسمع عن هذا المصطلح فهو في ابسط صوره الانبهار بنجوم الموضة في مختلف المجالات وخاصة الفنية منها، وتقليدهم في كل ما يقومون به من أعمال وما يلبسونه من ملابس وما يمارسونه من أنشطة، تقليد ناتج من الإعجاب الشديد بهذه الشخصيات، واعتبارها قدوة لهم في كل ما يمارسونه.
ومع الثورة الصناعية الجديدة والتي تتمركز حول الذكاء الصناعي وما يرتبط به من برمجيات، تزداد وتيرة هذه الظاهرة خاصة مع تطور المجال التكنولوجي الهائل المرتبط بمجال الدعاية والإعلان والذي يسيطر على العالم بصورة رهيبة وعجيبة في نفس الوقت، ويزداد معها عدد المعجبين حول العالم حيث تذوب الحدود المكانية والزمانية، ويصبح العالم اقل من ان يوصف بأنه غرفة صغيرة، حيث لا مجال هنا للانغلاق على ثقافة معينة، فالبقاء والسيطرة للأقوى في امتلاك أدوات الثورة الصناعية الجديدة.
لقد كثرت الشخصيات التي تمثل هذه الظاهرة وأصبحت شخصيات مؤثرة إعلاميا واجتماعيا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وأضحت تمتلك مبالغ طائلة من خلال ممارستها لهذا الدور، ولو تفحصنا غالبيتها لوجدناها شخصيات ليست مؤهلة أو أنها تمتلك إمكانيات معينة بل اعتمدت على جذب اكبر عدد من المتابعين بأساليب مختلفة تتمثل غالبتيها في الإثارة، بل وصل الأمر في بعض التطبيقات والبرمجيات الى بيع وشراء المتابعين وكأنها سوق أخرى جديدة في المتاجرة بالبشر، ولكن هنا تتم المتاجرة بالأفكار والعقول والمحصلة واحدة في النهاية مهما اختلفت الطريقة والأسلوب والزمان أيضا، فالهدف السيطرة ثم امتلاك الثروات.
ولك ان تتخيل عزيزي القارئ حجم المبالغ التي تجنيها هذه الشخصيات من الإعلانات التي تقوم بها، والتي تتجاوز آلاف الدولارات عن إعلان لا يتجاوز الثواني المعدودة، وكل ذلك بسبب وجود متابعين لهذه الشخصية يتجاوز أعدادهم في بعض الأحيان الملايين، فهم الأساس الذي لا تملك شيئا سواه والتي كونتها بأساليب مختلفة كما أسلفنا، ويتسابق المتابعون هنا لامتلاك كل ما تعرضه هذه الشخصية، على أساس ان هذا التصرف هو تصرف حضاري يجب ان لا يفوتوا الفرصة في مجاراته وإلا أصبحوا في عداد المتخلفين حضاريا وتكنولوجيا ومجتمعيا.
إننا أمام ظاهرة لا يقل ضررها عن ظاهرة مثل الابتزاز الإلكتروني، فالأمر هنا يتم طواعية ولكن النتيجة واحدة، فما يتم سلبه من أموال ووقت وأفكار هو في الواقع نوع آخر من الابتزاز ولكن بمصطلح آخر، فيجب ان تكون هنالك حملات توعوية من أصحاب الحسابات التي تقدم الفائدة والمنفعة ومن المؤسسات ذات العلاقة تبصر هؤلاء الناس بأهمية اختيار ما ينفع من شخصيات تمتلك القدوة الصالحة، وليس همها مجرد الترويج لمنتجات كمالية تستهلك عقلياتهم وأموالهم وأوقاتهم، تحدي آخر يضاف الى تحديات الثورة الصناعية الجديدة التي يجب ان نمتلك ناصية تعديل مساراتها بكل ما يتوافر لدينا من إمكانيات مادية ومعنوية.