تواصل: وتمطر افتراضيا أيضا !

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول :
تصاب بمرض السرطان في أحد أعضاء جسدها، تنهار عند سماعها الخبر، ثم تتمالك نفسها بعد عدة أسابيع وتبدأ في رحلة علاجها التي تؤمن أنها قد تطول، تصادف حالات كثيرة في تلك الرحلة منها: تلك اليائسة من حالتها وغيرها ممن تقاوم بشجاعة وأخرى تستعد لمغادرة الحياة بإعداد وصيتها والتأكد من تأمين أوضاع جيدة لمن تتولى مسؤوليتهم.
تشعر أنها تود أن تفعل شيئا تساعد به كل من يصاب بهذا المرض ويعتقد أنها النهاية، تبدأ في تنفيذ حملتها في وسائل التواصل الاجتماعي بتصوير نفسها وهي تتحدث عن المرض وآلية تجاوز حالة اليأس التي تترافق مع معرفة المريض بأنه مصاب به، وطرق التعامل معه للشفاء منه بحسب قناعاتها، تزور المستشفيات المعنية بهذا المرض، تقدم المحاضرات التي تمنح جرعة كبيرة من التفاؤل وتوثق كل ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي، تتعدد مبادراتها لدرجة يتساءل معها المتابع: كيف تستطيع القيام بكل هذا مع آلامها التي تظهر على ملامحها وهي تصور مقاطعها في تلك المنصات ؟
مشهد ثانٍ:
مدمنة لنشرات الأخبار والحسابات الإخبارية في وسائل التواصل الاجتماعي، تتابع أخبار اللاجئين في مختلف البلدان العربية، تعرف صعوبة الحصول على التعليم بالشكل النظامي لأطفال اللاجئين، تتذكر ذلك الألم في كل مرة ترى أبناءها يذهبون للمدارس في الوقت الذي يوجد فيه العديد من الأطفال في دول أخرى لا يمكنهم ذلك، تبحث كثيرا في هذا الجانب وتستفسر أكثر في آلية المساعدة لو رغبت في تهيئة أماكن جيدة لهؤلاء الأطفال للدراسة في البلدان التي يلجأ الوالدان للعيش فيها، وبعد أن تكتمل لديها كل المعلومات، تطلق مبادرة عبر حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي للتبرع لبناء مدرسة نظامية أو استئجارها لأطفال اللاجئين في دولة بعينها، يتفاعل المتابعون مع حملتها لتجد نفسها بعد فترة تؤسس لمدارس متعددة وهي التي كانت تظن أن حلم تأسيس مدرسة واحدة قد يكون أمرا أقرب للمستحيل!
مشهد ثالث:
يلاحظ أن أخوته والمحيطين به أدمنوا وسائل التواصل الاجتماعي، يتعللون بالانشغالات الحياتية حتى لا يقرأون، مع أنهم يقضون ساعات طويلة جداً في تصفح حساباتهم في تلك المنصات، يصدمه دفتر محاضرات أخيه الجامعي بكم الأخطاء الإملائية فيه، يقول لنفسه: لو كان يقرأ من الكتب، لم يكن ليرتكب كل تلك الأخطاء الإملائية، لكن لأن كل ثقافته مستقاة من وسائل التواصل الاجتماعي لذا من الطبيعي أن تكون طريقة كتابته بذلك الشكل !
يقرر أن يقود حملة قراءة في وسائل التواصل الاجتماعي، يبدأها بأن تكون الجوائز عبارة عن أشياء اشتراها من راتبه، تنتشر الحملة وينضم إليها من المتابعين من يساهم في التمويل، يسعد بكل مرة يخبره أحد أن هذه المبادرة أعادته للقراءة بعد أن اعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي قد قضت على مساحتها في يومه !
هناك من يتذمر من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا، والتي يرون أنها استنفذت وقتنا في العيش خلف شاشات هاتف نتعلق فيها بكلمات لأشخاص نجهلهم، مع أننا نعتقد حينها أننا نعرفهم تماما، فهم في نظرنا كما يصورون أنفسهم لنا أو كما نعتقد نحن من كلماتهم، وهناك من ينصح بالابتعاد عن هذه المنصات حرصا على السلامة العقلية بعد أن توغلت في حياة الكثيرين بشكل أصبح الانفصال عنها شيئا من المستحيلات.
في غمرة كل تلك الآثار السلبية لهذه المنصات بحسب من يعتقدها، هناك العديد من المبادرات التي تجعل مغادرة البعض لهذه المنصات نوعا من الخسران الذي قد لا يمكن تعويضه، فهناك من فكر بمبادرات شخصية في مجالات متعددة مستفيدا من تجربته في النجاح في جانب معين من حياته أو رغبته في تغيير واقع معين أو شغفه بمجال آخر والذي يجعله يرغب في أن يحفز كل من لديهم نفس الشغف لكن ربما لظروف كثيرة لم يستطيعوا الاقتراب من شغفهم أو تحقيقه.
هناك من خرج من تجربة مرض أو ما زال يعيش تحت وطئتها ورغب في توعية المحيطين بالتعامل الأمثل مع الحالة، وهناك من فكّر في حياة أفضل للجميع وسعى خلف مبادرات عديدة تعيد البشر إلى الحياة المليئة بالتفاصيل القريبة والتي ترتقي بذواتهم وهناك من سافر شرقا وغرباً كي يوصل رسالته في المحبة والسلام والتقارب والتسامح ونشر كل ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي.
هؤلاء غيروا محيطهم وحياة الآلاف من البشر فقط لأنهم آمنوا بفكرة وقرروا أن يشاركوا الجميع نتائج تلك الفكرة، واستفادوا من منصات التواصل الاجتماعي في نشر كل ذلك الجمال بين البشر الذين ربما لن يلتقوا بهم يوماً إلا عبر تلك المنصات.
إن وسائل التواصل الاجتماعي بميزة سهولة الانتشار التي تتمتع بها قد تساهم في أن تكون مطرا يفيض على المتابعين بالخير والمحبة وتتبع الشغف لنصل إلى قناعة بعدها أن بعض الجمال قد يمطر افتراضيا أيضا !