الدور العماني والسلام المنشود

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي  –

تتسم السياسة الخارجية للسلطنة ومنذ فجر النهضة المباركة بثوابت راسخة تركز على أهمية التعاون الدولي ونشر قيم التسامح والحوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين والبعد عن الصراعات والحروب مما جعل هذه السياسة الخارجية والتي قادها بفكر مستنير وحكيم جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه- ومن هنا فإن الإسهام العماني في حل عدد من الملفات الإقليمية والدعوة لإيجاد السلام والاستقرار في المنطقة هي دعوة عمانية منذ عقد السبعينات من القرن الماضي عندما دعت السلطنة إلى اجتماع لوزراء خارجية الدول المطلة على الخليج وهي الآن دول مجلس التعاون والعراق وإيران في إشارة عمانية لأهمية إيجاد نوع من التعاون ، أو التنسيق الأعمق بين الدول الثماني من أجل استقرار واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم .
إن الدبلوماسية العمانية الهادئة أصبحت تلعب أدوارا مهمة على الصعيدين الإقليمي والدولي وهناك محطات مضيئة حققت من خلالها السياسة العمانية الحكيمة إنجازات دبلوماسية جنبت المنطقة الويلات والحروب ولعل موضوع الاتفاق النووي الإيراني كان من اهم الملفات التي لعبت فيها السلطنة دورا مهما والذي انتهي باتفاق تاريخي بين إيران والقوى الكبرى في العالم عام 2015.

دبلوماسية الحوار

التحركات الأخيرة للسلطنة على صعيد عملية السلام في الشرق الأوسط تلقى التقدير من دول العالم ولعل ذلك يعود إلى القبول الدولي الواسع النطاق بالدور العماني الذي يخلو من المصالح الضيقة حيث الصدق والموضوعية التي يتسم بها الدور العماني ، والحرص الشديد على إنهاء النزاعات والحروب كما هو الجهد العماني المقدر في الحرب في اليمن والتي بذلت من خلالها الدبلوماسية العمانية دورا مهما من خلال الحوار مع الفرقاء اليمنيين والوقوف على نفس المسافة من كل منها .
الدبلوماسية العمانية هي دبلوماسية الحوار العقلاني والموضوعي مما جعلها تلقى ذلك القبول الدولي والاحترام من قادة العالم وهو ما يحظى به جلالة السلطان المعظم كزعيم سياسي وإنساني ، والذي بفكره الثاقب يقرأ الأحداث بشكل صحيح ومنطقي . ولعل موقف السلطنة من معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل هو إحدى الخطوات الأساسية التي أثبتت صحة المواقف العمانية بعيدا عن العاطفة والتشنج السياسي .
إن الحوار هو أساس الوصول إلى السلام ولا شك أن القضية الفلسطينية تحظى بدعم عماني على المستويين الرسمي والشعبي ، وهناك مساندة عمانية كبيرة للشعب الفلسطيني سياسيا واقتصاديا وقد رأينا ذلك رأي العين عند زيارتنا لدولة فلسطين عام 2013 مع مجموعة من صحفيي السلطنة .
التحرك العماني الأخير للدفع بعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو جهد مهم للدبلوماسية العمانية والتي تنطلق من أهداف قومية عربية وحرص وطني على إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني جراء الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة.

الأزمات الإقليمية والدور العماني

الدور العماني يتخطى الأدوار السياسية من خلال إيصال رسالة الإسلام السمحة لكل العالم من خلال رسالة الإسلام التي تجوب كل مدن العالم من خلال البرنامج الذي تقوم به وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وهو جزء مهم من دور السلطنة الأخلاقي والحضاري لتبصير الآخرين بدور الإسلام الحنيف الذي يدعو إلى الحوار والتسامح والتعاون بين الأمم والشعوب ، ومن هنا فإن هذا الدور السياسي والإنساني ينطلق من فكر متقدم يقوده جلالة السلطان المعظم منذ خمسة عقود تقريبا .
العقود الثلاثة الأخيرة شهدت موجات من الصراعات والحروب في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية وكان لها نتائج كارثية على الأمن والاستقرار والحرب الدامية في اليمن هي أحد النماذج في هذا الإطار .
إن السلطنة وهي تعيش مناخ الأمن والاستقرار هي مثار إعجاب العالم وتحرز المراكز المتقدمة في مؤشرات الخلو من الإرهاب والتعصب وتكريس مبدأ السلام ومن هنا فإن دورها في حل الأزمات الإقليمية هو دور طليعي ومرحب به إقليميا ودوليا ولا شك أن ملف القضية الفلسطينية هو من الملفات المعقدة والتي مضى عليها أكثر من سبعة عقود ومن هنا فإن إسهام السلطنة وجهودها ينبع من تلك الثوابت والقناعات بأهمية إحلال السلام في الشرق الأوسط
إن الصراع العربي-الإسرائيلي يحتاج إلى جهود كبيرة للدفع به إلى الحل الشامل والعادل لأن إحلال السلام هو لمصلحة كل شعوب المنطقة والعالم وعلى ضوء الجهد العماني الأخير فإن أمام إسرائيل فرصة تاريخية للقبول بالسلام العادل والشامل من خلال تسوية شاملة للقضية الفلسطينية من خلال إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ورجوع اللاجئين إلى ديارهم
فرص السلام لا تتكرر كثيرا وطالما العرب يريدون السلام فإن فتح ملف السلام ومن خلال الجهد الدبلوماسي العماني فرصة لإحلال السلام وإنهاء الصراع العربي مع إسرائيل وإيجاد تعاون مشترك بين شعوبالمنطقة والعالم
فإسرائيل لا تستطيع الحفاظ على الأرض والأمن معا حيث لابد من رد الحقوق لأصحابها لأن المنطق السياسي يقول بأن هناك قضية عادلة للشعب الفلسطيني يدعمها في ذلك قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام والتي أقرتها قمة بيروت العربية عام 2002 ولكن الجهد العربي بعد عام 2011 انحسر وتراجعت القضية الفلسطينية كأولوية في العمل العربي المشترك ومن هنا فإن الموقف العماني للإسهام في إيجاد آليات لعودة عملية السلام هو جهد دبلوماسي مهم.

المصالحة الفلسطينية

وحتى تنجح الجهود الدبلوماسية لابد من إيجاد المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس لأن ذلك يقوي الجبهة الداخلية في فلسطين ويعطي للتحركات السياسية فرصة للضغط على إسرائيل ومن هنا فإن التحرك المصري مهم في هذا الإطار للوصول إلى لمّ شمل الحركتين والانطلاق نحو تحقيق الحلم الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
إن العرب يريدون السلام العادل والشامل ومن هنا فإن التحرك الدبلوماسي العماني يأتي من خلال تلك القناعة ، والسلطنة الآن تتحرك على أكثر من ملف سواء في اليمن أو إيجاد مناخ للسلام في منطقة الخليج أو من خلال عودة عملية السلام في الشرق الأوسط مما يجعل الدبلوماسية العمانية نشطة ولكن من خلال خطوات مدروسة وبعيدا عن الصخب الإعلامي .
وكما قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس في تصريحاته الأخيرة للتلفزيون العماني إن السلطنة ذات سياسة حكيمة وليس لها مصلحة وإن تدخلت بجهدها السياسي لحل أي أزمة فإنها تحلها بصمت ودون ضجيج ولعل هذه الممارسة الدبلوماسية العمانية اكسبها الاحترام والنجاح في آن واحد على صعيد العالم شرقه وغربه.
إن عملية السلام هي عمليه مهمة في هذا التوقيت لإيجاد الحل المنشود ولعل الغرب وخاصة دول الاتحاد الأوروبي متفقة على أهمية ذلك الحل العادل والشامل وهناك استعداد أوروبي للاعتراف بالدولة الفلسطينية وعلى إسرائيل أن تدرك بأن الوقت ليس في صالحها وهي تعيش وسط تكتل سكاني عربي كبير يقترب من 400 مليون شخص وبالتالي فإن السلام العادل والشامل هو في مصلحتها أيضا .
إن المنطقة بحاجة للسلام العادل، فالحروب والصراعات لن تأتي إلا بإهدار مقدرات الشعوب وإنهاك الدول وضياع الفرص على الأجيال الجديدة وتنامي الكراهية والانتقام ضد إسرائيل والذي يعد احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها عام 1967 آخر احتلال في التاريخ الحديث وليس أمامها سوى إرجاع الحقوق المغتصبة إلى أصحابها حتى يعم السلام والأمن والاستقرار في المنطقة .
إن الدبلوماسية العمانية أصبحت لاعبا مهما في الأزمات الإقليمية والدولية وهو دور ينطلق من تاريخ حضاري وإنساني لدولة ضاربة بجذورها في التاريخ مما يجعلها تلعب أدوارا مهمة للتقريب بين الفرقاء في عدد من الأزمات الإقليمية حيث نجحت الدبلوماسية العمانية في مساعيها في أكثر من ملف ولا تزال تواصل دورها السياسي للوصول إلى إنهاء الصراعات في المنطقة وهو جهد كبير يحظى دوما بالاحترام لمهندس تلك السياسة الخارجية صاحب النظرة الشمولية جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في عالم ودول تتخبط في سياستها الخارجية وصراعات تحتاج إلى رؤية خاصة وإلى حكمة تبتعد بالمنطقة عن الأخطار المحدقة بها وبشعوبها.