المساعي العمانية .. بين العلنية وقوالب التفكير الجاهزة !!

د. عبدالحميد الموافي –

«السلطنة لا تفرض نفسها ولا تزاحم أحدا ، حتى وان كانت متأكدة أن الآخرين يحتاجون إلى جهودها ومساعيها ، وعادة تنتظر الوقت المناسب لتقوم بما ترى أنه ضروري لصالح السلام والاستقرار في المنطقة ، وفي كل الأحوال فإن النجاح في النهاية هو مسؤولية الأطراف المعنية ، ويكفي السلطنة أنها لم تدخر وسعا في التهيئة لإمكان النجاح إذا خلصت النوايا وتوفرت الإرادة السياسية الضرورية لذلك».
بالرغم مما هو معروف على نطاق واسع بالنسبة لسياسة السلطنة ومواقفها حيال مختلف القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وما هو معروف أيضا من استقرار، بل ثبات السياسة والمواقف العمانية ووضوحها الشديد في كل الظروف، وأنها لا تعرف التغيرات الحادة، ولا السريعة ولا الفجائية في المواقف، وبالرغم أيضا من اليقين واسع النطاق، والمستقر، حول حرص حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – على الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، وعلى العمل بكل السبل الممكنة من اجل تخفيف معاناة الأشقاء الفلسطينيين، والدفع نحو حل شامل وعادل للقضية، يسمح بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وتأييدها – السلطنة – لكل جهد جاد وبناء لدفع عملية السلام في المنطقة، وكلها موضع اتفاق عام بالنسبة للسلطنة على امتداد العقود و السنوات الأخيرة، إلا أن الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو للسلطنة يوم 26 أكتوبر 2018، وهي زيارة تمت برغبة إسرائيلية، كما أشار إلى ذلك معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، قد أثارت موجة من الجدل، على مستويات عدة، وأعادت بدرجة أو بأخرى حالة من الاصطفاف النسبي، وهي درجة أقل من الاستقطاب، حول قضية السلام والجهود التي يمكن القيام بها لإعادة تحريكها، والموقف من إسرائيل والتعامل معها، فضلا عن الأسئلة الكثيرة الواضحة والمبطنة حول أسباب هذا التحرك العماني في هذا الوقت، وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج، بالنسبة لعملية السلام والقضية الفلسطينية بوجه عام وبالنسبة للتعامل مع إسرائيل بوجه خاص من ناحية، وما إذا كان ذلك جزءا من تحرك عماني أوسع وعلى نحو يتسع لقضايا عربية أخرى، خاصة ما يتصل باليمن وسوريا وليبيا وحاجة كل منها الملحة للسير بخطى عملية ملموسة على طريق إنهاء المواجهات المسلحة، ودفع جهود الحل السلمي في كل منها، وهو ما بدأت تتضح ملامحه بشكل أكبر في الأيام الأخيرة من ناحية ثانية. وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: إنه من الأهمية بمكان في البداية التأكيد على حقيقة أساسية، وهي أن السياسة والمواقف العمانية، حيال مختلف القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وفي ضوء خبرة السنوات والعقود الماضية، هي سياسة ومواقف لا يمكن التشكيك فيها، ولا في مصداقيتها، ولا في أهدافها الرامية إلى تحقيق السلام العادل والمصالح الفلسطينية والعربية، خاصة وان السلطنة لم تلجأ في أية مرحلة إلى ارتداء الكوفية الفلسطينية، بشكل ظرفي أو تكتيكي أو مناسبي، واستثمارها لتحقيق أهداف أو أجندة خاصة بها، كما فعلت وتفعل الكثير من الأطراف العربية والإقليمية على امتداد السنوات الماضية. وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس شديد الوضوح في إشارته إلى أن السلطنة « لا تعمل لمصلحة خاصة ولا تنحرف بوصلتها وأنها لا تشتري من هنا وتبيع هناك » وهي كلمات بالغة الدلالة، خاصة أنها جاءت بعد الزيارة التي قام بها « أبو مازن « للسلطنة والتي انتهت قبل يومين فقط من وصول نتانياهو إلى مسقط ، وهو ما يعبر عن ارتباط ما بين الزيارتين المتعاقبتين، على الأقل من جهة المساعي العمانية، ولعل من المهم أيضا الإشارة إلى أن معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، أوضح هذه النقطة عندما قال إن الزيارتين تمتا بطلب من الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، للحديث مع جلالة السلطان المعظم – أعزه الله – والاستماع إليه، وأن كل من الزيارتين « تمت في الإطار الثنائي ». من جانب آخر فإن معاليه أشار بوضوح إلى أن السلطنة في تحركها لا تقوم « بوساطة »، ولكنها تسعى إلى «تيسير» إعادة الحوار الفلسطيني الإسرائيلي، المجمد منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وأنها – أي السلطنة – تقدم أفكارا للمساعدة في التهيئة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وان الطرفين – الفلسطيني والإسرائيلي – خرجا «بحالة أفضل» بعد المناقشة والاستماع إلى جلالة السلطان، وكانت كلمات الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حول ما سمعه كل منهم من جلالته، شديدة الوضوح والدلالة في تثمينهما لذلك. ولعل إدراك طبيعة السياسة في الشرق الأوسط، والحساسيات والتعقيدات العديدة التي تحيط بها، خاصة في هذه الظروف، كانت وراء الرغبة في تأكيد أن التحرك العماني لا يتقاطع مع أية جهود، أو محاولات عربية أو غير عربية أخرى، وان الدور الأمريكي يظل أساسيا في تحقيق تقدم على طريق الحل، خاصة وان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تستعد لطرح ما يسمى بصفقة القرن، والتي لا تزال مجهولة الملامح إلى حد بعيد، وان ما يطرح بشأنها، يظل تكهنات حتى يتم الإعلان الرسمي عنها، برغم أية تكهنات أو اجتهادات في هذا الاتجاه أو ذاك. ومن هنا تحديدا تتبخر وتنتهي الآراء والتعليقات المتهافتة، التي حاولت الربط بين زيارة نتانياهو وصفقة القرن، وتلك التي عادت إلى قوالب التفكير الجاهزة حول الصراع العربي الإسرائيلي، وهي القوالب ذاتها التي يتم العودة إليها وإشهارها في وجه أية محاولة لدفع عملية السلام والتمهيد لتسوية شاملة وعادلة للصراع الذي يدفع الفلسطينيون ثمنا فادحا لاستمراره في الحاضر، وتتضاءل فرص التسوية العادلة كلما استمرت سنوات الضياع والصراعات والحروب الأهلية العربية، والتي لا يبدو أنها على وشك الانتهاء بسبب العقلية العربية للأسف الشديد، وبسبب تقاطع أوهام الدور بين الأشقاء، والذي دفعت وتدفع الشعوب العربية، بل والمنطقة ككل ثمنا فادحا له. وهنا تحديدا فإنه من المهم والضروري التأكيد مرة أخرى – فقد سبق التأكيد على ذلك مرات عدة – أن سلطنة عمان وقيادتها لا تبحث عن دور، وأنها لا ترغب في الظهور، ولا في شغل وسائل الإعلام بشكل أو بآخر، فذلك كله لم يكن ولن يكون ضمن اهتمامات قيادتها على أي نحو، ولكنها في الوقت ذاته تملك القدرة والشجاعة على القيام بما تعتقد أنه مفيد للأشقاء الفلسطينيين، وللتهيئة لتسوية القضية الفلسطينية بشكل عادل ودائم وفي إطار الموقف العربي العام المؤيد للسلام مع إسرائيل، وهو موقف معلن، على الأقل منذ المبادرة العربية في قمة بيروت عام 2002.. ولعل ذلك هو ما يعطي أهمية كبيرة للمحادثات التي أجراها الرئيس الفلسطيني مع جلالة السلطان المعظم.
* ثانيا : إنه إذا كانت السلطنة قد امتلكت، منذ عقود وسنوات عديدة، ما يؤهلها للقيام بدور إيجابي من اجل حل الخلافات، سواء بين الأشقاء، أو بين الأشقاء والأصدقاء، أو بين الأصدقاء وبعضهم، وهو ما يتجسد في صراحتها وصدقها وقدرتها المعروفة على الحديث بلغة واحدة، داخل الغرف المغلقة وخارجها، وفي إيمانها الحقيقي والراسخ بأهمية تحقيق السلام والاستقرار واستعادة الأمن في المنطقة كشرط لا غنى عنه لتمكين شعوب المنطقة من بناء تنميتها وتحقيق تقدمها وازدهارها وتعاونها معا لصالح الأجيال القادمة، فإن السلطنة، ومن واقع الإيمان العميق والالتزام الصارم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، تحرص، حتى في مساعيها الحميدة، على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للأطراف الأخرى، فهي تعمل على تهيئة الظروف والمناخ للتواصل والحوار بين الأطراف المعنية، ولكنها لا تحل محل أيا منها، ولا تقدم تنازلا من جانبها على حساب أي من الأطراف المعنية، وبقدر ما تعرف أين ومتى تضع قدمها وتقوم بمساعيها الحميدة، فإنها اعتادت أن تقوم بجهودها وفق ما تراه هي، إذ إنها لا تنتظر ضوءا أخضر، ولا طلبا سوى من أصحاب المشكلة وأطرافها المعنية، وحدث ذلك من قبل، وحدث أيضا بالنسبة لزيارتي « أبومازن ونتانياهو» قبل أيام.
من جانب آخر فإنه ليس مصادفة أبدا أن تكون زيارة نتانياهو علنية، وأن يتم نقل وقائعها في مختلف وسائل الإعلام، فالسلطنة ليس لديها ما تخفيه، ولا تهوى الدبلوماسية السرية، إلا إذا كان ذلك ضروريا لنجاح جهودها ولصالح الأطراف المعنية مباشرة، وبطلب من تلك الأطراف أيضا، وهو ما حدث في حالات محددة منها الاتصالات الأمريكية الإيرانية حول النشاط النووي الإيراني عام 2013، والتي تمخضت عن اتفاق 2015 بين إيران مجموعة (5 +1). صحيح دفعت السلطنة ثمن هذا الالتزام بشكل أو بآخر، ولكن الصحيح أيضا هو أن المصلحة المتمثلة في خدمة السلام والاستقرار في المنطقة كانت تحتاج لذلك.
وتجدر الإشارة إلى أن السلطنة لديها الشجاعة لتعلن مواقفها وتحركاتها، ولم تلجأ أبدا إلى اللقاءات والاستضافات السرية أو المغطاة، فقد أعلنت ذلك عند زيارة رابين رئيس وزراء إسرائيل لها عام 1994، وعند زيارة شمعون بيريز لها عام 1996، وعند افتتاح مكتب التمثيل التجاري لإسرائيل في مسقط عام 1997 وعند إغلاق المكتب رسميا مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000. وفي كل تلك الحالات وعلى امتداد السنوات الماضية لم يتم فتح المجال للتطبيع مع إسرائيل لسبب محدد هو أن السلطنة ترى أن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل يقتضي التوصل إلى السلام العادل وإقامة الدولة الفلسطينية، ولا تزال ترى ذلك، وأن حديث معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية حول أنه آن الأوان للتعامل مع إسرائيل كدولة من دول المنطقة، لا يعني الاعتراف المبكر – كما تخيل البعض – ولكنه يعني حث إسرائيل على الاستجابة لمتطلبات السلام العادل للانتقال إلى حالة أعلى، وهو ما سبق وان أعلنته المبادرة العربية قبل ستة عشر عاما، أما الحديث عن تطبيع مع إسرائيل، فإن ذلك لا يعدو أن يكون استدعاء لقوالب التفكير العربية الجاهزة، خاصة وانه بعد أربعين عاما من كامب ديفيد لم يحدث تطبيع للعلاقات المصرية الإسرائيلية على المستوى الشعبي، وهو ما تشتكي منه إسرائيل، والأمر نفسه على الصعيد الأردني، برغم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 ومعاهدة وادي عربة للسلام بين الأردن وإسرائيل عام 1994، ومن ثم فإن مزاعم التطبيع بالنسبة لزيارة نتانياهو لمسقط هي مجرد مزايدة وفزاعة ومحاولة للتشويه المتعمد من جانب أطراف تسعى للإساءة للسلطنة، ربما لأسباب أخرى لا علاقة للقضية الفلسطينية بها. ولكن لأن السلطنة تؤمن بما تقوم به، وتدرك أهميته بالنسبة للآخرين وللمنطقة ككل من حولها، فإنها تمضي في طريقها غير عابئة بما يلقيه البعض من حجارة، وغير مهتمة أيضا بالرد على من بيوتهم من زجاج، فهي لا تريد مزيدا من الخلافات، وتدرك أن الجميع سيدرك في النهاية قيمة ما قامت وتقوم به من اجل فلسطين ومن اجل السلام والأمن والاستقرار في المنطقة أيضا.
*ثالثا: إنه من المعروف أن المساعي الحميدة العمانية لم تكن، ولن تكون مقصورة على القضية الفلسطينية، صحيح أن زيارتي « ابومازن ونتانياهو» لمسقط ولقاء كل منهما مع جلالة السلطان يشكلان تحركا إيجابيا نشطا في اتجاه التهيئة لاستئناف المفاوضات والسعي إلى سلام عادل وأمن متبادل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بما في ذلك إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وذلك حتى يعود السلام والاستقرار للمنطقة وتتمكن من التخلص من آفة الإرهاب، ولكن الصحيح أيضا هو أن السلطنة، بسياساتها ومواقفها وعلاقاتها الطيبة مع مختلف الأطراف المعنية بالأوضاع في اليمن وليبيا وسوريا والصومال، وثقة كل الأطراف في أنها، أي السلطنة – لا تعمل لمصلحة ذاتية لها لا بشكل مباشر ولا غير مباشر – قادرة على الإسهام الإيجابي لدفع الجهود والتحركات نحو الحل السلمي في اليمن وسوريا وليبيا والصومال، وهذه القدرة ليست وليدة اليوم، ولكن إسهامها الإيجابي بدأ في الواقع قبل وقت غير قليل. والمؤكد أننا لسنا في حاجة إلى الإشارة لتلك الجهود في كل من تلك القضايا الدامية، ومن شأن التحرك النشط في اتجاه الحل السلمي في اليمن وسوريا وليبيا والصومال أن يحفز الإسهام العماني، الذي يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة من جانب الأطراف المعنية، فالسلطنة كما تمت الإشارة لا تفرض نفسها ولا تزاحم أحدا، حتى وإن كانت متأكدة أن الآخرين يحتاجون إلى جهودها ومساعيها، وعادة تنتظر الوقت المناسب لتقوم بما ترى أنه ضروري لصالح السلام والاستقرار في المنطقة، وفي كل الأحوال فإن النجاح في النهاية هو مسؤولية الأطراف المعنية، ويكفي السلطنة أنها لم تدخر وسعا في التهيئة لإمكان النجاح إذا خلصت النوايا وتوفرت الإرادة السياسية الضرورية لذلك، وفي النهاية فإنها لا تنتظر جزاء ولا شكورا وجائزتها أن يتحقق السلام والأمن والاستقرار لدول وشعوب المنطقة.