السلطنة وجهود الوساطة ؛ الأسباب .. والسيناريوهات

هاني عسل –

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تستقبل فيها سلطنة عمان مسؤولا إسرائيليا كبيرا، فقد زار رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل شيمون بيريز سلطنة عمان عام 1996، وافتتح فيها مكتبا للتمثيل التجاري، وسبقه رئيس الوزراء الراحل إسحاق رابين بالقيام بأول زيارة لسلطنة عمان في عام 1994، فلماذا الاعتراض على هذه الزيارة بالذات؟
وإذا انتقلنا للحديث عن الخلفيات المحتملة وراء تلك الزيارة، وما إذا كانت السلطنة بصدد القيام بدور وساطة ما في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تحديدا، سنجد أنه على الرغم من التحفظ الرسمي العماني على إمكانية القيام بوساطة الآن تحديدا، فإن هذا لا يمنع أن هناك أكثر من سبب يؤهل السلطنة للقيام بدور «الوساطة» في أي أزمة إقليمية أو دولية آنية :
فأولا : سلطنة عمان تعد من أقدم دول المنطقة وأكثرها تاريخا وحضارة ورسوخا، إذ يعود هذا التاريخ إلى ما يقارب العشرة آلاف عام، وتروي قصص التاريخ عنها أنها كانت واحدة من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في العالم.
وثانيا : تتمتع السلطنة بموقع استراتيجي لا مثيل له، إذ أنها حلقة الوصل الطبيعية بين العالم العربي وأفريقيا من جانب، وبين إيران والكتلة الآسيوية الشاسعة من جانب آخر، بما فيها إيران والهند والصين وآسيا الوسطى، كما أن وجود مضيق هرمز بها يجعل منها بوابة طبيعية لثروات الخليج العربي البترولية التي يتم تصديرها إلى باقي أنحاء العالم، وهو ما يمنحها ثقلا اقتصاديا، بجانب الثقل التاريخي والحضاري.
ثالثا : تتمتع السلطنة باستقرار سياسي واقتصادي ومجتمعي وأمني لا نظير له بين دول المنطقة، إذ لم تشهد في عصرنا الحديث على الأقل أزمات سياسية طاحنة أو لافتة، ولا صراعات، ولا إرهابا، ولا غيره .
رابعا : يقود السلطنة منذ عام 1970 جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – ، صاحب أكبر الخبرات بين أشقائه من القادة العرب الآخرين، والذين يشيدون دوما بحكمته وحنكته وسياسته الهادئة.
خامسا : اشتهرت سلطنة عمان بانتهاج دبلوماسية الحياد في مختلف أزمات العصر الحديث، من معاهدة كامب ديفيد وحقبة القطيعة العربية لمصر.
سادسا : يوجد على رأس المؤسسة الدبلوماسية العريقة بها، رجل محنك هو معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، وهو أيضا صاحب أكبر الخبرات بين جميع نظرائه العرب.
سابعا : اشتهرت السلطنة – كما سبق الذكر في فقرة سابقة – بأنها تنتهج جميع سياساتها في العلن، ولا توجد لديها تحركات سرية، مثلما هو الحال في دول إقليمية أخرى.
ثامنا : احتفظت السلطنة بعلاقات طيبة مع جميع الدول المجاورة وجميع أطراف الصراعات في المنطقة، وترفض دائما التدخل في شؤون الغير.
تاسعا : لم تكن السلطنة يوما طرفا في صراعات عسكرية أو نزاعات أو تلاسن أو تراشق، ولا تملك منصات إعلامية مثيرة للضغائن والفتن مثلما هو حال دول أخرى.
أما من حيث القدرة على الوساطة في الصراعات والأزمات الراهنة، فبالتأكيد، تستطيع سلطنة عمان أن تحقق نجاحا كبيرا في ذلك إذا لزم الأمر، أو على الأقل يمكنها القيام بمهمة «نقل الأفكار» بين الأطراف المختلفة، بحسب تعبير معالي يوسف بن علوي، وهناك كثير من الصراعات التي يمكن طرحها كأمثلة على مساحات التحرك الدبلوماسي العماني في الفترة المقبلة، إذ لزم الأمر :
أولا : السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين : فقد ظهر واضحا أن سلطنة عمان يمكنها عرض أفكار مهمة على الجانبين في هذا الصدد، أو ربما استضافة اجتماعات أو اتصالات، وبخاصة مع تراجع الاهتمام الأمريكي بحل القضية الفلسطينية في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، ولعل ما يرجح هذه الفرضيات تتابع زيارة نيتانياهو للسلطنة وزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن».
ثانيا : المصالحة الفلسطينية : فعلى الرغم من أن الدور المصري هو الرئيسي في ملف المصالحة بين فتح وحماس ، فإن السلطنة، بحكم علاقاتها الدبلوماسية القوية مع القاهرة، تستطيع القيام بجهد في هذا الصدد للتقريب بين الفرقاء الفلسطينيين، وبخاصة بعد اقتناع أجنحة غزة السياسية بعدم جدوى التمسك بالمواقف غير الواضحة وغير المريحة من هذا الملف، وهنا يجدر القول إن أبو مازن نفسه سبق وأن عرض تدخل وسطاء عرب آخرين في الصراع بجانب الولايات المتحدة، ويبدو أن طرحه هذا بلغ مسامع نيتانياهو خلال محادثاته في سلطنة عمان.
ثالثا : التطبيع بين العرب وإسرائيل : وهو ملف شائك، ولكن دون أن ننسى أن التطبيع كان اقتراحا شملته المبادرة العربية للسلام من قبل، ويعاد طرحه هذه الأيام مع الحديث عن صفقة القرن بين العرب وإسرائيل، وإن كانت الخطوة الأمريكية الأولى التي اتخذتها إدارة ترامب في هذا الصدد، وهي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيل إلى القدس، أثارت كثيرا من الريبة في المنطقة تجاه حقيقة هذه الصفقة، ولكن يمكن للسلطنة تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، لأنها على الأقل ستكون أكثر قدرة من أي طرف آخر على نقل وجهات نظر الفلسطينيين والعرب عموما إلى الجانب الإسرائيلي فيما يتعلق بخطوط حمراء لا ينبغي الاقتراب منها في حالة الإصرار على هذه الصفقة، وعلى رأسها بالطبع وضع مدينة القدس، وهو بالمناسبة موضوع يجب التواصل مع المملكة العربية السعودية تحديدا بشأنه، وهنا يجب لفت الانتباه إلى تصريح معالي يوسف بن علوي في حوار المنامة مؤخرا الذي قال فيه: إنه حان وقت الاعتراف بوجود إسرائيل في المنطقة.
رابعا : الخلاف القطري: على الرغم من صعوبة هذا الملف، فإنه يمكن أن يكون ساحة مناسبة للتحرك العماني، بحكم امتلاك السلطنة لعلاقات قوية ومتوازنة مع جميع أطراف الخلاف : قطر، والدول الأربع : مصر والسعودية والإمارات والبحرين، ولا ننسى في هذا الصدد أن نشير إلى أن الموقف العماني من هذا الخلاف التزم الحياد منذ البداية، ولم ينحز إلى طرف على حساب آخر، وهو ما يعطي مصداقية للدور العماني وقت الضرورة، في ضوء محاربة الإرهاب وقطع قنوات تمويله من جانب، والحفاظ على وحدة العلاقات العربية من جانب آخر، وهنا تجدر الإشارة إلى أن السلطنة سبق لها التوسط بنجاح في أزمات مشابهة سابقة.
خامسا : الملف النووي الإيراني : تتمتع السلطنة بعلاقات طيبة مع الجانبين الإيراني والأمريكي، ومع بدء تنفيذ عقوبات خانقة على الصادرات الإيرانية، بما فيها البترولية، تستطيع السلطنة إما العمل على تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، أو الإسهام في تأمين مضيق هرمز، ومنعه من التحول إلى ساحة صراع عسكري في حالة تنفيذ طهران لتهديداتها بالرد بقوة على العقوبات الجديدة، ولا ننسى هنا أن دور السلطنة كان بارزا في التوسط من أجل الوصول للاتفاق النووي الإيراني بعد أن توسطت لإجراء محادثات سرية بين واشنطن وطهران عام 2013، كما كانت لها مواقف وساطة ناجحة من قبل للإفراج عن رهائن أمريكيين وفرنسيين وإيرانيين، ولا ننسى أيضا دورها المهم في التوسط لإنهاء الحرب العراقية – الإيرانية.
سادسا : الأزمة السورية : لا يقصد عنها الوساطة لحل الأزمة السورية بشكل عام، ولكن على الأقل التركيز في نقطة المخاوف من الوجود الإيراني على الأرض السورية، في ظل استمرار المخاوف الأمريكية والإسرائيلية، بل و بعض العربية، بشأن هذا الوجود، وهنا يمكن أن تلعب السلطنة دورا فاعلا في إقناع طهران بتقليص دورها العسكري على الأرض السورية التي أنهكتها الحرب، تمهيدا لبدء مرحلة جديدة من إعادة الاستقرار والإعمار، ويرتبط هذا الجانب بكل تأكيد بالبند السابق «خامسا»، إذ أن إقناع إيران بتخفيض وجودها العسكري في سوريا يمكن أن يقنع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي بتأجيل أو تخفيف وطأة العقوبات ضد إيران، وهنا لا ننسى الإشارة أيضا إلى أن عمان كان لها دور بارز في تخفيف حصار مخيم اليرموك.
سابعا : الصراع اليمني : وتتميز السلطنة أيضا، فضلا عن كونها دولة جوار لليمن، واتخذت موقفا حياديا منذ بدء الأزمة، بقدرتها على التواصل مع الحوثيين تحديدا، وربما طرح أفكار بين طرفي الأزمة في الداخل، ودول التحالف بقيادة السعودية من جانب آخر، قد تساعد على التوصل إلى تسوية، أو تهدئة ما.