ما بين الموازنة والجودة .. هل ثمة علاقة؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يسرب بعض الموظفين – عادة بعد انتهاء السنة المالية في كل عام – أن المسؤولين في مؤسساتهم استطاعوا أن يوجدوا فائضا ماليا في الميزانية المخصصة للمؤسسة، وأنهم أعادوا هذا الفائض إلى الجهة المعنية بإعداد الموازنة المالية للدولة، وهذه الصورة على الرغم من ارتباكها لما يعرف عن الصرف المالي في المؤسسات عموما، وأعني بها المؤسسات العامة، على وجه الخصوص، إلا أن الأمر يحتاج إلى كثير من المراجعة.
إن ما يتحدث عنه بهذه المباشرة صحيحا، لأن واقعا كهذا، وأعني به إرجاع الفائض المالي، لا أتصوره صحيحا ودقيقا، كسلوك إداري يحدث في أي مؤسسة، لأن الموازنة ترسم وتخصص لأي مؤسسة بناء على مجموعة التصورات للمشروعات التي تنوي المؤسسة تنفيذها خلال العام المالي المحدد لجميع مؤسسات الدولة، ربما قد يزيد قليلا، وقد ينقص قليلا، فهذه الزيادة إن حدثت، وبمستوى غير متوقع، فهي لا تعبر إطلاقا عن حنكة المسؤول في الصرف، وإنما تعكس مجموعة الإخفاقات المصاحبة لإدارة المؤسسة، وعدم القيام بكامل الدور لما يجب أن يكون عليه سير العمل في المؤسسة، وبالتالي ربما يكون ذلك كله على حساب مشروعات مهمة رسمت أو لم ترسم في المؤسسة ذاتها، حيث توقفت عن الإنجاز، أو تم ترحيلها إلى سنوات مالية أخرى قادمة، ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ترقيات الموظفين، مكافآت المجتهدين، عدم التأهيل والتدريب الجيد للموارد البشرية، عدم التفكير في مشروعات نوعية مبتكرة تخدم الأهداف التي تسعى المؤسسة إلى تحقيقها على المدى القريب أو البعيد، وبالتالي فحرص المسؤول على إعادة الفائض إلى الميزانية العامة للدولة، هو يأتي حرصا منه لزيادة رصيده الخاص في التقدير والإشادة من قبل مسؤوله الأعلى، كما يأمل، وما يتبع ذلك من مكافآت خاصة، وصولا إلى البحث عن مناصب أكبر في الهيكل الإداري للدولة في ذات المؤسسة، أو غيرها من المؤسسات، لا غير.
لأن واقع كثير من المؤسسات يحتاج إلى كثير من المراجعة من حيث الأداء الفني للموظفين، ومن حيث تأهيل الكادر البشري في هذه المؤسسات، ومن حيث النظم الحديثة التي يفترض وفق هذه الفوائض المالية السنوية أنها وصلت إلى الغايات الحقيقية، ومن حيث المشروعات المبتورة، أو الموقوفة نهائيا، وهنا تكمن حالة التناقض الذي يعيشها بعض المسؤولين الذين يرفدون المالية العامة بـ«الفوائض المالية» بينما المقابل تعيش تلك المؤسسات، أو بعضها على الأقل، حالة خاملة في الأداء، وأخطاء أيضا في النتائج، والحالة تراوح مكانها كل عام، ومع ذلك تُحمل الموازنة العامة جل هذه الإخفاقات، ويظل التعليل دائما تتقدمه عبارة «الإمكانيات المادية لا تسمح».
والحقيقة أن «الفوائض المالية» التي هي عنوان أحاديث المجالس، عادة، في أواخر العام المالي، لا تعبر عن أن لدى المؤسسة التي يحدث عندها فائض مالي، رؤى استراتيجية تعبّر عنها خطط للعمل واضحة ورؤية استشرافية للمهام والمسؤوليات من شأنها أن تستوعب المخصص المالي في كل عام بالصورة الصحيحة، وبالتالي تستطيع أن تعمل على تجويد الإنتاج، والإكثار منه بمستوى نوعي، وإنما تظل الصورة متموضعة تكرر نمطيتها المعتادة والذاهبة إلى تكريس الكسل، والعمل على زيادة «البطالة المقنعة» داخل المؤسسات، ولذلك يداهمك الاستغراب والتعجب عندما تسمع من موظف أنه ليس لديه ما يفعله في يوم عمل ما، وهذا في تقديري، ليس لأنه لا يوجد عمل ما يقوم به الموظف في هذه المؤسسة أو تلك، ولكن لأن قوانين وأنظمة المؤسسة غير واضحة لدى جل الموظفين، فهناك على ما يبدو شبه تعتيم على فهم الأنظمة والقوانين في المؤسسة تلك، والسؤال: لماذا هذا التعتيم على عدم وجود الفهم الواضح لحقيقة الوظيفة، هل للخوف من هذا الموظف أن يكتشف أن كثيرا من الممارسات الإدارية غير واضحة، أو غير سليمة؟ وهذا ما يؤسف له حقا، في ظل تسارع غير عادي تشهده الحياة العامة عند الأفراد، بينما تقبع المؤسسات، بإمكانياتها المادية، تحت عباءة من عدم القدرة على مواكبة التسارع الحاصل الذي يشهده أفراد المجتمع، وهذه إشكالية نوعية لدى كثير من المسؤولين، على الرغم من مستوى الوعي الإداري والخبرة لدى الكثيرين منهم، ومن الممارسة المشفوعة بالكثير من الأسس العلمية المتمخضة من دورات التدريب، ومن الوقوف على تجارب كثيرة خارج السلطنة، بما في ذلك المؤهلات العلمية العالية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا تربط الموازنة بالجودة سواء على مستوى المؤسسة، وعلى مستوى الموظف في المؤسسة الواحدة؟ سؤال أطرحه هنا للمناقشة، ومبررات طرحه أن الموازنات المخصصة للمؤسسات في الدولة الهدف منها إعانة المؤسسات على القيام بدورها خير قيام، سواء من خلال المهام والمسؤوليات الموكولة إليها، ومن خلال تأهيل الكادر البشري المعني بصورة مباشرة بتنفيذ هذه المهمات والمسؤوليات، بحيث تحدد مقدار الموازنة للمؤسسة بناء على مستوى الإنجاز المتوقع لها، وذلك من خلال متابعة دقيقة يقوم بها جهاز الرقابة المالية والإدارية بصورة مباشرة، مع انتهاء كل سنة مالية، وعلى أساسها يتحدد مقدار الموازنة المالية للسنة القادمة المخصصة للمؤسسة، سواء زيادتها أو خفضها، وذلك بناء على الجودة التي تحققها أو تفشل في تحقيقها، هذا على مستوى المؤسسات، وتقوم كل مؤسسة أيضا بالتحقق من الجودة التي عليها الموظف مع نهاية كل عام مالي، بحيث يقارن مستوى إنجازه بمستوى العائد المالي المقبوض من أثر الممارسة الوظيفية، وهذا يكون على مستوى المؤسسة نفسها، بحيث لا يرقى الموظف، ولا حتى يعطى المكافأة السنوية إذا هو لم يحقق مستوى معينا من الأداء، وهناك مقاييس علمية كثيرة للأداء، ولا يعتمد في استحقاق الموظف للعلاوة السنوية، أو المكافأة على التقييم الوظيفي اليدوي المعمول به حاليا في معظم المؤسسات، لأن هذا التحول في الفهم الإداري سيعفي المؤسسات من الإدارات التقليدية التي لم تعد ذات جدوى في ظل تسيد الخدمات الإلكترونية، على سبيل المثال، على المشهد العام، سواء في الوظيفة أو في غيره، وهذا من شأنه أيضا أن يسرع في تطبيق الـ«حكومة الإلكترونية» والتي من شأنها أن تحقق مطلب الجودة في المؤسسات، فهي الوحيدة القادرة على تجاوز الكثير من الإخفاقات الإدارية، وكشف مستوى الضعف الذي يعاني منه الكثير من الموظفين، في مختلف المستويات الوظيفية، وهي الكفيلة أيضا إلى إعلاء نصيب الجودة في الأداء لدقتها في التقييم.
هناك دراسات علمية تشير اليوم، في كثير من دول العالم، إلى أن طموحات جيل اليوم من الشباب الموظفين، ليس مقتصرا فقط على مستوى الراتب الذي يتقاضاه من الوظيفة، وإنما يذهب الطموح أكثر إلى المؤسسة التي تتبنى الفكر الإبداعي، وتهتم بالموظف وتعمل على إعلاء مجمل الإمكانيات المهنية التي يتمتع بها، لذا فالفئات الواعية من الموظفين لا يستمرون في الوظيفة العامة، والسبب أنه لا توجد رؤية، ولا خطط عمل في بعض الأحيان، والمسألة متوقفة على قرار المسؤول الارتجالي، وهذا لا يؤسس حاضنة للإبداع والابتكار لدى الموظفين جميعا، بقدر ما يخدم فئة محدودة تستفيد من هبات المسؤول، وهذه مسألة خطيرة على المدى البعيد، لأنها تفتح المجال لدخول الوظيفة فئات غير مؤهلة ولا مبدعة، ولا يقلقها الطموح بالمؤسسة لأن يكون لها موطئ قدم في الإنجاز على مستوى المؤسسات، وبالتالي تنكفئ المؤسسة باجترار أنظمة قديمة معرقلة للمسيرة الإدارية التي تتناسب وروح العصر، فالوظيفة أيا كان حال من يدير دفتها لن تكون مهوى للهبات والوجهات، ولا يجب أن تفهم كذلك، وإنما هي ممارسة فنية بحتة تصقلها وتحافظ عليها مجموع القيم الوظيفية الضابطة التي يحددها النظام الإداري على مستوى الدولة، ويقيمها مستوى الجودة الذي تصل فيه مع نهاية الإنجاز في أي ركن من أركانها، وليس هناك من فترة زمنية لذلك، وإنما تبقى حالة معايشة بتألق مستمر.
والسؤال الختامي هنا: هو متى يتوغل فهم العلاقة القائمة بين الموظف والوظيفة على أن هذه العلاقة بين الطرفين علاقة وسيلة وليست غاية، وبالتالي متى كانت الوظيفة وسيلة للوصول إلى إنتاج ذات جودة، انتفت في النهاية الغاية لدى الموظف لتحقيق مكاسب شخصية فقط، وهذه مسألة لن تحددها وتشذبها إلا مجموعة الأطر والقوانين والأنظمة المتبعة في كل مؤسسة .