حركة ثقافية قائمة.. ولكن الكراسي شاغرة..!

بفعاليات يتفاوت نصيبها من الحضور –
تحقيق: خلود الفزارية –

ونحن على أعتاب العام الجديد، نختتم موسما ثقافيا ونستعد لاستقبال موسم ثقافي جديد، لتبدأ جميع الجهات المعنية بتنظيم الفعاليات الثقافية بتجهيز أجندتها لتناسب الذائقة المتنوعة، ولتغطي جميع المجالات. ولا بد أن المتتبع للمشهد الثقافي العماني لاحظ التنوع المطروح في مجالات الثقافة والفنون المختلفة بدءا بالأدب وانتهاء بالموسيقى والأفلام، مرورا بالمعارض الفنية وحلقات العمل، والندوات وغيرها من الفعاليات الكثيرة، التي لا تتوقف على مدار العام، بشكل أسبوعي يضم عددا من الفعاليات.
وبرغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها المؤسسات المختلفة لتنويع الفعاليات، إلا أن الجمهور ما يزال يشكل نسبة ضئيلة في مقابل الكم الكبير من المتنورين، وذلك ما تشهد به منصات التواصل الاجتماعي، التي تضج بأعداد كبيرة من أصحاب الرأي والكلمة، إلا أنهم يفضلون متابعة الفعاليات من بعيد، والتعليق على مجرياتها دون الحضور أو التفاعل المباشر مع الأحداث الثقافية، التي تقام وتتم حتى وإن كان الصف الأول غير مكتمل!!
((عمان الثقافي)) تتساءل عن أسباب عزوف المثقفين عن حضور الفعاليات الثقافية والفنية، وعن الحلول التي تقترحها الجهات المنظمة لمثل هذه الفعاليات…..
تقول فايزة محمد كاتبة ومديرة تحرير صحيفة شـؤون عمانية الإلكترونية إن العديد من الفعاليات الثقافية المختلفة: تقام على مدار العام، وتنظمها جهات متنوعة مثل الجمعية العمانية للكتاب والأدباء والنادي الثقافي وبيت الزبير وغيرها، وتشمل ندوات ومؤتمرات ومحاضرات، ولا بد أن من بين هذه الأنشطة توجد فعاليات متميزة من حيث نوع الضيوف وموضوع الطرح، فهناك فعاليات تجذب الجمهور مثل مهرجان بيت الزبير الأول للموسيقى الصوفية الذي نظمته مؤسسة بيت الزبير في يناير عام 2018 على مدار أربع أمسيات جميلة وحضرها جمهور كبير جدا من عشاق الفن الصوفي، وهناك في المقابل ندوات تخصصية وخاصة في النقد الأدبي يقل فيها الحضور إلى المهتمين بهذا الحقل المعرفي فقط. مضيفة أن الكثير من هذه الفعاليات ليست في مستوى الطموح من حيث المحتوى وربما هذا يفسر عزوف المثقفين أو الجمهور عن الحضور.
وتشير الى أنها شخصيا تجذبها الفعاليات التي تطرح قضايا نقدية جادة، وأضرب مثالا هنا ببعض الفعاليات التي نظمها صالون سبلة عمان الثقافي قبل عدة سنوات عندما كنت مشرفة عليه، فقد نظمنا فعاليات نقدية شهدت حضورا جماهيريا كبيرا جدا حتى من بعض الدول المجاورة، مثل أمسية «نقد نقد العقل العربي» للمفكر الراحل جورج طرابيشي، وأمسية الدكتورة ابتهال الخطيب من دولة الكويت الشقيقة، كما لا أنسى أيضا المحاضرة التي ألقاها الدكتور يوسف زيدان في النادي الثقافي حيث كان الحضور كبيرا جدا، وكذلك محاضرة أحمد الفلاحي العام الماضي في الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، موضحة أن سبب عزوف الجمهور عن حضور كثير من الفعاليات الثقافية، لكون بعض المثقفين أو الجمهور لا يعتقد أن هذه الفعالية تقع ضمن اهتماماته وبالتالي فمن الطبيعي ألا يحضر، كما أن بعض الفعاليات تقام في وقت واحد، بالإضافة إلى بعض الفعاليات التي يرى كثير من المثقفين والجمهور أنها تناقش قضايا لا تهمه ولا تمت إلى الواقع بصلة، فضلا عن كثير من الأسماء التي يتم استضافتها – مع احترامنا لها – غير معروفة وليس لها إنتاج معرفي وثقافي معروف، لأن الواقع يقول إن أغلب الفعاليات التي استضافت أسماء كبيرة في المشهد الثقافي العربي حضرها جمهور كبير جدا حتى إن كثيرا من الحضور لم يكن يجد كرسيا للجلوس عليه فيضطر للمتابعة واقفا.

تنوع وثراء الفعاليات

ويرى أحمد الهاشمي أن المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة شهد حراكا جيدا خاصة مع دخول مؤسسات غير رسمية إلى دائرة الفعل الثقافي ونجاحها في التأثير، مثالا على ذلك مؤسسة الزبير، وأثير، هذا بالإضافة إلى الجهد المؤسسي المنظم لجمعية الكتاب والأدباء التي شهدت نقلة نوعية في أدائها وبرامجها وكذلك النادي الثقافي. فالواضح مما أنجز وما يعلن عنه من برامج أن هناك تنوعا وثراء في الفعاليات، يتفاوت نصيبها من الحضور بالطبع وفقا لما تطرحه من عناوين وما تمثله الشخصيات المستضافة في الحركة الثقافية. مبينا أن الحضور مهما بدا محدودا وباهتا في بعض الأحيان إلا أنه في تصوري يظل مقنعا وطبيعيا ولا يستدعي الغرابة وذلك بالنظر إلى نخبوية الآداب والفنون في كل الأزمنة والأمكنة، وبلادنا ليست استثناء من حيث تدني الاهتمام الرسمي والجمعي بالمعرفة في تجلياتها الأدبية والفنية وانسحابها لصالح ظواهر أخرى أكثر تسليعا، إعلامية كانت أو استهلاكية وترفيهية، وبالتالي لا يمكن بل ولا ينبغي للحالة الثقافية أن تجاري الظواهر الجماهيرية وتعمل بشروطها.

ضرورة الدعم المعنوي والمادي

ويشير سعيد بيت مبارك الى أن الفعاليات تتباين فيما بينها من حيث جودة المادة المقدمة وتنظيمها وتنفيذها، موضحا أن معظم هذه الفعاليات جيدة ومفيدة على مستوى المحتوى والمادة المقدمة إلا أن السواد الأعظم منها يفتقر إلى التنظيم الجيد والدعم العالي معنويا وماديا من قبل المؤسسات الحكومية والخاصة مما يؤثر سلبا على جودة التنظيم وجاذبية الفعالية حتى إن أهل المجال والتخصص الذي تقام فيه الفعالية يعزفون عنها ويزهدون فيما تقدمه من مادة علمية وتخصصية على أهميتها وجودتها، ويشير إلى نفسه بقوله: يقل حضوري للفعاليات التي تقام بسبب طبيعة عملي التي تتوزع على فترتين صباحية ومسائية لكنني أسترق الحضور بين الفينة والأخرى كلما سنحت الفرص، وأنجذب إلى تلك الفعاليات التي تهتم باللغة العربية وآدابها كما أحب أيضا حضور فعاليات التدريب والتنمية البشرية. مضيفا أن المثقف يستوي مع غيره من عامة المواطنين في عدم الحضور من حيث ضعف وسائل الإعلان وتقليدية أدواته ومحدودية انتشاره وعدم العناية بإيصال خبر الفعالية إلى كافة شرائح المجتمع عبر جميع الوسائل المتاحة كالمدارس والمساجد والجامعات والتجمعات الأسرية الكبيرة والأسواق ومجمعات التسوق الكبيرة والإعلام المتلفز والإذاعي إذ ينبغي أن تكون الفعالية من الأهمية بمكان وكأنها حدث وطني يهم المجتمع بأكمله، أما فيما يخص المثقفين فقط وهو تقطع هذه الفئة وتشتت المثقفين وقلة التواصل بينهم بل ربما وجود تحزبات فئوية – للأسف – بينهم مما يجعل المثقف ينتقي من هذه الفعاليات بشكل ربما يكون مزاجيا بقطع النظر عن الفائدة منه.

وجوه كلاسيكية في معظم المناسبات

من جانبه يرى محمد الكندي رئيس جمعية السينما العمانية أن قيام التكنولوجيا الحديثة ببث المعلومات أولا بأول، إلى جانب استقاء المعلومات المراد تحصيلها في أسرع وقت ممكن وفي المكان الذي يناسبه ومع من يود الجلوس أصبحت المناشط الثقافية قليلة الحضور باستثناء القليل منها والتي تكون محاطة برعاية رسمية أو بدعوة مقدمة من المقربين للفعالية ناهيك عن الفعاليات ذات الصلة المباشرة بالحضور في مجالات اختصاصهم، أو توجهاتهم، مضيفا أن الفئة المستهدفة في الفعاليات تختلف من فعالية إلى اخرى فهناك فعاليات اقتصادية وتاريخية وفكرية وعلمية، تستلزم حضور فئات سنية وفكرية ومختلفة.
ويشير إلى أن الجمعية العمانية للسينما تسعى إلى استقطاب المثقفين لحضور هذه الفعاليات أيا كانت فئتهم لأننا نود تقديم فعاليات تعود بالفائدة إلى المجتمع معرفيا في جميع الفنون والآداب، إلا أننا ومع كل الإغراءات التي نقدمها من أجل الحضور بالإعلانات المشوقة وتسهيل الدخول وتوفير المكان المناسب، لا نحظى بذلك العدد الذي نتوقعه حيث يبدو جمهور الفعاليات فقيرا بل معدوما أحيانا. مبينا أنه ومنذ سنوات عدة تتكرر وجوه الحضور الكلاسيكي المتتبع للفعاليات والذي يقوم بالإضافة إليها من خلال نقاشاته واستيعابه للحدث، ويبقى دور الشباب مبهما ربما لأن عقليته لا تروقها الفعاليات السردية أو الغير تفاعلية، مما يقلل حضور الفعاليات الثقافية.
وفي المقابل ما إن تكون هذه الفعاليات تنافسية وبها جوائز تحفيزية فإن الجمهور يشهد إقبالا، ما يبهج النفس، وينطبق ذلك على العروض المسرحية والسينمائية والشعرية التي تلقى حضورا لا بأس به. لذلك في رأيي إن سوق المستهلك للفعاليات في السلطنة لايزال ضعيفا، بناء على قلة عدد المهتمين بالفعاليات الثقافية، وكثرة المعروض بدون تخطيط، كما أن الكثير منها تتضارب في المواعيد والتواريخ، والأوقات غير الملائمة للديموغرافية العمانية، كإقامتها في أوقات الإجازات أو الفترات الصباحية، ونحن ندرك بأن جميع مثقفينا يعملون لإيجاد لقمة عيشهم في الصباح والبعض يمتد به إلى المساء، كما أن معظم المثقفين العمانيين يعملون في الصحافة أو يشتغلون في المجال الإعلامي، وهو عامل يجعل من المثقفين متشبعين بالقراءة والاطلاع.

تنسيق مشترك لدعم الجمهور

ويوضح الدكتور سعيد السيابي نائب رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي أن النادي الثقافي يقدم فعاليات متنوعة تناسب جميع المثقفين، بالإضافة إلى فعاليات نوعية تناسب متخصصين في مجال معين، وعلى سبيل المثال: تقام فعاليات في النادي تناقش الرؤى النقدية في مجال الرواية، لأن المهتمين في هذا الجانب هم الروائيون، كما نقدم فعاليات عامة مفتوحة تخص جميع المثقفين، والمثقفون الكبار لهم حضور دائم حيث يقومون بزيارة النادي والمشاركة والمساهمة في مثل هذه الفعاليات وطرح أفكارهم، كما يستعين النادي الثقافي بهؤلاء المثقفين في برامجه الثقافية للموسم الثقافي، ويتم اللقاء بهم والاستماع لأفكارهم واقتراحاتهم، وأخذنا بجدية جميع المقترحات التي وردتنا. مشيرا إلى أن عدد الحضور ليس كبيرا لعدة أسباب رئيسية، كعدم تواجد جميع المثقفين بسبب تنوع الفعاليات الثقافية في أكثر من جهة حكومية، ولدينا في السلطنة مراكز ثقافية كثيرة كالنادي الثقافي، والمنتدى الأدبي، ومركز السلطان قابوس العالي للثقافة والفنون، ووزارة التراث والثقافة، ووزارة التعليم العالي، وجامعة السلطان قابوس فضلا عن الجامعات الخاصة والجمعية العمانية للكتاب والأدباء وغيرها الكثير، مما يصعب على المثقفين الحضور المستمر لدى جهة واحدة فقط.
ويضيف السيابي أن الضغوط الاجتماعية والمشاغل الاجتماعية تطغى على جانب كبير من الوقت فمثل هذه الزيارات تعيقها عوامل الضغط والمسافة والبعد المكاني الذي يلعب دورا في عدم الحضور، مبينا أن النادي الثقافي يطمح بأن يكون الحضور كبيرا، ويسعى إلى نشر الفعاليات السنوية في شهر ديسمبر من كل عام بموعد ثابت للفعاليات، كما ينشر عن الفعاليات في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المختلفة، بالإضافة إلى رسائل نصية إلى أعضاء النادي، إضافة إلى توثيق الفعاليات في قنوات اليوتيوب وبعض الإصدارات، وقمنا في إدارة النادي بالتنسيق مع جمعية الكتاب والأدباء لكي ننوع في توقيت الفعاليات، حيث أن الشريحة المستهدفة واحدة.
ويختتم حديثه بقوله إن قلة الحضور ليست مشكلة حديثة، فالقضية مفصلية مرتبطة بسلوك التعليم في السلطنة، وحضور الفعاليات من داخل المدارس والجامعات، وعدم وجود هذا السلوك مع عدم انتشار المراكز الثقافية في الولايات المختلفة، كان سببا مباشرا في عدم وجود عادة الحضور، إلا أن بعض الفعاليات لها زخم أكبر للحضور في الفعاليات الكبيرة، وعليه فإن المؤسسات الثقافية بحاجة إلى دراسة الأسباب وانتقاء البرامج التي تناسب توجهات شرائح المجتمع.