من أجل الشركات: اليابان تقلل من إجراءات الهجرة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

في الوقت الذي تتخذ فيه الولايات المتحدة الأمريكية إجراءات مشددة وأحيانا قاسية تجاه المهجّرين الجدد الراغبين الدخول إلى الأراضي الأمريكية للعمل، وخاصة من الدول المجاورة لها كالمكسيك، فإن الأخبار الواردة من اليابان تشير إلى عكس ذلك، حيث وافقت الحكومة اليابانية مؤخرا على مشروع قانون يخفف القيود على قواعد الهجرة اليها. وكانت قوانين الهجرة اليابانية تتسم بالتقييد الشديد خلال العقود الماضية، حيث لم يكن من الممكن استقطاب العمالة الوافدة إلا بنسب بسيطة، فيما تمكّن القوانين الجديدة السماح للعمال الأجانب للعمل في عدة قطاعات مثل البناء والزراعة والصحة وبعض الخدمات الأخرى. وهذا يشير إلى انخراط معظم اليابانيين في الأعمال، فيما تتراجع نسب البطالة في البلاد لتصل إلى 2.7%، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 1993.
ولا شك أن الخطوة الأخيرة سوف تؤدي إلى مزيد من الازدهار للاقتصاد الياباني خلال السنوات المقبلة. فالمؤشرات الاقتصادية اليابانية الأخيرة تبرز التطورات الإيجابية التي شهدها الاقتصاد الياباني، حيث شهد الناتج الإجمالي نمواً بنسبة 1.9% في العام الماضي 2017، في الوقت الذي شهد الربع الثاني للعام الحالي 2018 وبدعم من قوة إنفاق الأسر والشركات اليابانية تطورات إيجابية، ليتعافى من حالة الانكماش الذي شهده الربع الأول من العام نفسه نتيجة لتوترات التجارة العالمية التي نتجت عن استخدام أساليب الحماية وتصاعد النزاعات التجارية العالمية بين أمريكا وعدد من الدول الأخرى لا سيما مع جمهورية الصين الشعبية، الأمر الذي يؤثر بقوة على عمليات الاستيراد والتصدير العالمي، لا سيما على قطاع الصادرات الصناعات التحويلية.
إن اليابان التي تحتل اليوم المرتبة الثالثة في الاقتصاد العالمي بعد كل من أمريكا والصين فانها تتوقع أن يشهد اقتصادها نموا بنسبة 1% نهاية العام الحالي وفق البيانات المتاحة، ويعد ذلك أسرع معدل نمو للاقتصاد في اليابان على المدى الطويل منذ الحرب العالمية الثانية. فإجمالي ناتجها المحلي بلغ نحو 4.8 تريليون دولار وفق بيانات عام 2017، كما يأتي في المرتبة الثانية كثاني أكبر دولة اقتصاد متطور ومتقدم. وقد بلغ نصيب الفرد الياباني من الناتج المحلى الإجمالي نحو 36899 دولاراً، فيما تستحوذ اليابان على نحو 13.7% من الأصول المالية الخاصة بالعالم، وتعتبر أكبر دولة دائنة في قائمة الدول في العالم.
إن قرار اليابان بتخفيف القيود على الهجرة الأجنبية جاء في إطار تلبية رغبات معظم الشركات اليابانية التي تطالب الحكومة منذ فترة مضت بتخفيف شروط نظام الهجرة الصارم إلى اليابان، والذي نتج عنه نقص حاد في العمالة الأجنبية وخاصة الماهرة منها. ورغم ذلك فان جميع المسؤولين في الشركات اليابانية حريصون على تشديد الإجراءات بهدف المحافظة على معايير قبول عالية للعمالة الأجنبية، بحيث تناسب ومكان العمل والإنتاج، وفي الوقت نفسه منع تدفق العمالة غير الماهرة في إطار الإجراءات. وهذا ما كشفه استطلاع أجرته وكالة رويترز مؤخرا في هذا الشأن. فالتحليلات الواردة تشير إلى أن اليابان تواجه أكبر نقص في العمالة منذ 50 عاما، نتيجة لتقدم أعمار أغلب سكانها، الأمر الذي يدفع الحكومة اليابانية بفتح الباب للعمّالة الوافدة لتلبية مطالب المؤسسات والشركات العاملة في مجالات الزراعة والخدمات وصناعة السيّارات والمتاجر وغيرها من المؤسسات الأخرى. وفتح الباب للعمالة الأجنبية إلى اليابان لا يعني عدم وجود أجانب في هذا البلد للعمل، أذ اشار الاستطلاع الذي أجري بهذا الشأن أن 57% من الشركات اليابانية الكبيرة ومتوسطة الحجم توظف أجانب، وأنّ 60% منها تفضّل وجود نظام هجرة مفتوح بشكل أكبر، بينما 38% منها تؤيد فقط السماح للعمالة غير المؤهلة بدخول البلاد لتخفيف حدة نقص العمالة. وفي جميع الحالات فان معظم الشركات اليابانية تتخذ إجراءات احترازية وهي حذرة بشكل عام من قبول عمال أجانب بصورة مفتوحة، إلا أنها تدرك الحاجة لوجود أيدي عاملة أجنبية على المدى البعيد، لاعتبارات تتعلق بالتغيرات في النمو الديموغرافي من جهة، والعلاقات التجارية الجيدة القائمة بين اليابان ومعظم دول العالم من جهة أخرى. أما في الوقت الحالي فإن هذه الشركات تحاول التكيّف وسداد نقص العمالة من خلال الاعتماد والاستثمار في تكنولوجيا التشغيل الآلي التي تقلل من الأيدي العاملة، فيما تعمل قطاع التغذية والمطاعم ومتاجر البيع بالتجزئة بشكل كبير من خلال تشغيل الطلاب الأجانب الذين يُسمح لهم بالعمل لمدة 28 ساعة أسبوعيًّا في هذا البلد. فهذه الدولة رغم اعتزازه بتجانسه العرقي، إلا أن اليابانيين يحترمون كل من يأتي إلى بلدهم سواء للعمل أو الدراسة أو السياحة. وفي جميع الحالات فإن الشركات اليابانية ونظرا لاهتمامها الكبير بجودة المنتجات اليابانية، فإنها تضع عدة معايير عالية لقبول العمال سواء من أبنائها أو الأجانب، وذلك من خلال تقديم عدد من الاختبارات لفحص الكفاءة في العمل.
الخطوة الأخيرة بتخفيف القيود على العمالة الأجنبية بالعمل في اليابان ستتم من خلال إصدار تصاريح عمل معينة للوافدين تصل لمدة خمس سنوات، فيما من المحتمل أن تسمح السلطات للذين يجتازون اختبارات معيّنة بالبقاء لأجل غير مسمى وإحضار أفراد أسرهم معهم، الأمر الذي حتما سيؤدي إلى حدوث تغيير كبير نسبيا في اليابان خلال العقود المقبلة. وهذه القوانين الجديدة سوف تعمل على استحداث فئتين جديدتين من التأشيرة تسمحان للأجانب بالعمل في قطاعات تعاني من نقص الأيدي العاملة، حيث تتيح الفئة الأولى من التأشيرة للأجانب بالعمل في اليابان لمدة خمس سنوات وجلب عائلاتهم على أن يتمتعوا بمستوى معين من المهارات والقدرة على التحدث باللغة اليابانية. أما الفئة الأخرى التي تتمتع بأعلى من المهارات، فبإمكانها الحصول على التأشيرة والتي تتيح لهم التقدم في مرحلة لاحقة بطلب الحصول على الإقامة الدائمة في البلد. وهذا لا يعني بأن جميع اليابانيين موافقون على القرار الأخير للحكومة بتخفيف القيود على العمالة الأجنبية. فمواقف أحزاب المعارضة معروفة ومعبرة عن قلقها من تطبيق هذا القانون الذي سوف يؤثر بشكل مباشر على مستوى الأجور ورفع معدلات الجريمة، إلا أن الأغلبية وخاصة الشركات اليابانية تطالب بتعديل قوانين الهجرة ليتيح لها توظيف العمال الأجانب، مع تأكيد الحكومة بأن القوانين الجديدة لا تعني تحولا في سياسة الهجرة، وإنما يتم ذلك لمواجهة النقص الخطير في الأيدي العاملة للعمل في القطاعات التي تحتاج إليها الشركات.
إن العمل بالقرار الأخير سيعمل على إصلاح الأضرار التي لحقت ببعض القطاعات من بينها الزراعة والتمريض والبناء والفنادق وبناء السفن والمواصلات، وأن العدد المتوقع الذي سيدخل السوق الياباني وفق وسائل الإعلام سوف يفوق 500 ألف شخص بحلول عام 2025، في الوقت الذي يوجد في اليابان وبحسب إحصائية الحكومة اليابانية أقل من 240 ألف عامل أجنبي وأكثر من 250 ألف متدرب في أواخر عام 2017.
إن هذه الخطوات سوف تعزز من نهوض الاقتصاد الياباني من جديد لقيادة قاطرة النمو العالمي في الإطار المنافسة العالمية وبعد سنوات عدة عانى منها الاقتصاد الياباني من حالة الانكماش. فالاقتصاد الياباني بدأ فعلياً مرحلة النمو القوي بعد النتائج النوعية التي حققتها القطاعات الاقتصادية والصناعية والتجارية في العام الماضي 2017، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على العملة اليابانية (الين) الذي يشهد مرحلة تصاعدية بتفوقه على بقية العملات الرئيسة الأخرى، وكذلك النمو اللافت في الصادرات التي قفزت فوق مستويات 10% والإنفاق الاستهلاكي الذي ارتفع بشكل لافت فوق مستويات 1.7%. وجميع هذه المؤشرات من المتوقع أن تشهد تطورات إيجابية مع نمو بقية القطاعات الاقتصادية من خلال سد النقص الحاصل لدى الشركات اليابانية من جانب العمالة الماهرة، الأمر الذي سوف يعزز المكانة العالمية لليابان كملاذٍ اقتصادي آمن.