«وضوح الشمس» والمضي نحو عالم جديد

عماد البليك –

شكلّت الزيارة التي قام بها دولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى مسقط ولقائه بحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- مفاجأة لكل من حاول أن يذهب يمينًا ويسارًا في تفسير المغزى أو الدلالة وراء هذه الزيارة التي جاءت بعد ثلاثة أيام من زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى السلطنة.
وقد قطع معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية الشك باليقين، بأن الطرف الإسرائيلي أبدى رغبة في زيارة مسقط واللقاء بجلالة السلطان وأن الحكومة العُمانية وافقت على ذلك، وأشار في تصريحات تلفزيونية بأن إسرائيل دولة من دول الشرق الأوسط وأن هذا التواصل يخدم الوصول إلى الأمن والاستقرار في المنطقة والإقليم، ومجمل عملية السلام المنشود في الشرق الأوسط، وهو ما أكد عليه في منتدى الحوار بالمنامة الأسبوع الماضي.
وإذا عُدنا بالتاريخ إلى الوراء فإن جلالة السلطان كان سبّاقًا في قراءة المعطيات السياسية وخرائط الواقع، نسبة لخبرته الكبيرة في هذا الإطار وحنكته التي يتمتع بها في إدارة مفاصل السياسة الإقليمية والدولية بما جعل السلطنة تنأى عن المشاكل والحروب التي تضخ دماء الأبرياء في البلدان العربية، وحيث تكاد تكون هذه المنطقة من أكثر المناطق في العالم حروبًا وقتلى خلال الخمسين سنة الماضية خصوصًا في الفترة الأخيرة، وفي مقابل ذلك فهي الأكثر تخلفًا على مستوى التعليم ومستويات الفقر، والبنى المعرفية والتعاطي مع التكنولوجيا والحياة الحديثة، حتى أن استخدام التقنية يأتي شكليًا وإجرائيًا وليس من صميم المعرفة الحقيقية للإنسان.
في عام 1976 بادر جلالة السلطان قابوس في اجتماع دعا له في مسقط بإنشاء تحالف إقليمي أمني كان سيضم بالإضافة لدول مجلس التعاون العربي الست، العراق وإيران، لكن هذه الخطوة لم تتم. وبعدها كان قيام مجلس التعاون الذي جاء أقل من منظور الفكرة الأوسع نطاقًا التي دعا لها جلالته. وظل الهاجس الأمني الذي ترى السلطنة أن المدخل الاقتصادي والتعاون في هذا الإطار جزء كبير من حله، مسيطرًا على بنى الواقع السياسي والاجتماعي في الإقليم.
ومن ثم كانت تلك الوقفة المعروفة للسلطنة بجوار الرئيس المصري محمد أنور السادات بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد التي وقعتها مصر مع إسرائيل في 17 سبتمبر 1978 بين الرئيسين المصري محمد أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيجن بعد 12 يومًا من المفاوضات في منتجع كامب ديفيد الأمريكي. ففي الوقت الذي وقف فيه الجميع تقريبًا ضد هذا المشروع المستقبلي، كان موقف السلطنة واضحًا بوضع التصورات المستقبلية في الاعتبار وأن السلام هو الأمل المنشود للمنطقة، وكان الموقف العماني يقوم على النظر الأوضح للمشهد، في تفكير استباقي واستشرافي للحلول الممكنة على المدى الأوسع، ومع مرور السنوات كانت اتفاقية أوسلو في 13 سبتمبر 1993 ليبدو الأفق جليًا، حيث وقعت الاتفاقية منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة في زعيمها ياسر عرفات مع إسرائيل، وحيث بدا أن كثيرًا من المواقف تتطلب مرور بعض الوقت لفهمها بشكل واضح.
وقد جاءت أوسلو لتمهّد وترتّب لحكم ذاتي وانتقالي للفلسطينيين، وعقب سنوات كان الفلسطينيون يحصلون على الاعتراف الأممي دولة تلو دولة، ويصبح الطريق نحو الدولة الفلسطينية ملموسًا، برغم التحديات المستمرة في هذا الدرب الشاق، لكن التجربة أثبتت أن المسار السياسي الشاسع يتطلب دائما الانفتاح باتجاه النظرة الموضوعية والقراءة الأكثر ارتباطًا بالواقع وإدراكًا للتاريخ المعاصر.
لقد أعطى جلالة السلطان اعتبارات لأمور عديدة وهو ينظر للمعطيات الإقليمية والدولية وترتيبات الفعل السياسي والحراك في نهاية قرن مضطرب هو القرن العشرين، وبداية قرن جديد على وقع أكثر عصفًا ما بعد سبتمبر 2001، وحيث قلما توفرت هذه الرؤية لدى القادة، وهي نظرة جلالته الناقدة والفاحصة للتاريخ التي تجعله يضع الأحكام السائدة والنظرات التقليدية جانبًا ويعيد التفكير في الأمور بشكل موضوعي وعلمي وواقعي، والأمر الثاني أن جلالته يفكر دائما في المسار الأبعد في المسألة وأن العالم يتجه للتعايش والبعد عن «التقوقع» كما أشار لذلك بوضوح في عام 2007 أثناء الجولة السنوية السامية، وحيث دعا لاتخاذ المعرفة والانفتاح مع العالم كوسيلة لاكتشاف الذات، أما الأمر الثالث فهو قضية التعاون الاقتصادي الذي يُصبّ في جوهر فلسفة وحكمة جلالته في أن هذا الجانب بالتحديد هو مدخل السلم الدولي، فالشعوب التي تعاني اقتصاديا تعيش الويلات وتتأذى وتبعد عن الإبداع والعطاء والإضافة.
هذه المبادئ والرؤى يجب أن توضع في الاعتبار إذا ما أردنا أن نفهم كيف تفكر القيادة العمانية وكيف تسير حركة ودولاب التاريخ العماني الحديث، وليس هذا بغريب على العمانيين الذين عرفوا منذ القدم بالانفتاح على العالم ومسايرة الشعوب والتعايش مع الآخر بسلم وأدب وأخلاق، ومعروف أن الإسلام دخل عمان دون أن يكون ثمة سيف أو رمح وأن العمانيين ذهبوا إلى النبي مؤيدين ومتعايشين مع مرحلة جديدة من التاريخ البشري، وهم الأمة نفسها التي خاضت غمار البحار وأوصلت سفنها شرقًا وغربًا، كذلك الذين أوفدوا أول سفير عربي إلى الولايات المتحدة الأمريكية في رحلة تاريخية لا يمكن أن يتجاوزها أي مؤرخ حصيف، وذلك عندما وصلت السفينة سلطانة التي يقودها أحمد بن نعمان الكعبي إلى نيويورك في عام 1840 وذلك بتوجيهات السلطان سعيد بن سلطان الذي وصلت في عهده الإمبراطورية العمانية أوج العظمة.
هذه المعطيات التاريخية وفي تماسها مع الراهن، سوف تعطي صورة على النظرة الموضوعية التي يتحلى بها جلالة السلطان وهو يضع في الاعتبار مصلحة شعبه في المقام الأول في تكامل ذلك مع المصالح المشتركة مع الشعوب الشقيقة والصديقة، وأن نسيج المستقبل لا يمكن أن ينفلت عن موضوع الأمس والحاضر، وأن بناء لبنة قد يكون صعبًا لكن بعد سنين سوف يكتشف الناس أن ذلك كان ضروريًا، وبهذا المعنى فمواقف السلطنة ظلت دائما تكشف معانيها في كثير من الأحيان بعد أن يكون قد انقشع الضباب، كما في قضية العملة الخليجية الموحدة التي كان للسلطنة موقف جلي منها أعلنته بكل صراحة.
وفيما يعرف بالربيع العربي، وفي حين أن الجميع تقريبًا انفضوا عن سوريا، فإن السلطنة حافظت على علاقة متوازنة بالحكومة والمعارضة في الآن نفسه، واستضافت الطرفين، وساهمت في مفاوضات الدستور الليبي وأبرز موقف يعرفه الجميع الاختراق الذي تحقق في الملف النووي الإيراني في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وفي الملف اليمني حرصت السلطنة على القيام بالدور الإنساني الذي أجادته وحافظت على العلاقات مع طرفي النزاع دون أن تكون خصمًا على طرف، وهو نفس موقفها في حربي الخليج الأولى والثانية، من الحرص على تهدئة الأحوال والوصول إلى التسويات السلمية والعقلانية دون اللجوء لأسلوب العنف والصدام أو كل فعل غير مدروس أو محسوب لا يتوقع منه ثمرة ناضجة.
ويمكن التذكير أيضا ببعض المواقف كما حصل على مرمى من نهاية الحرب الباردة وتفتت الاتحاد السوفيتي، حيث كان السلطنة في مطلع الثمانينات من الدول التي أنشأت علاقات دبلوماسية في فترة حرجة مع موسكو، وقال جلالته وقتها في عام 1985 ردًا على أسئلة الإعلاميين بتوضيح أبعاد الموقف، بأنه يستغرب للذين يستغربون هذه الخطوة، وأن مسيرة عمان في السياسة الخارجية «واضحة وضوح الشمس، فنحن نريد أن نصادق كل شعوب العالم ويكون لنا علاقات معها، ولكن هناك أسسًا يجب أن تكون أولًا واضحة لدى من يريد أن يمد يده لنا، وهذه معروفة، وسياسة السلطنة الخارجية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية إلى آخر هذه الأسس المعروفة، والعمل من أجل الاستقرار والسلام في العالم».
إن القراءة لتغيرات الخرائط الجغرافية والمعطى التاريخي الجديد يجب أن تؤخذ في الاعتبار دائمًا، لهذا فثابت سياسة السلطنة ووضوحه كـ «الشمس» يقابله المتغير على مستوى التعاطي مع الظرف والموضوع والواقع السياسي المستجد، إذ لا يعني ذلك الثبات في السياسات مجرد الالتصاق بالأفكار المتحجرة أو القاصرة عن استيعاب لحظة جديدة في التاريخ، وهذا واضح جدًا من خلال ما تم سرده والاستعانة به من أفكار ومواقف.
أخيرًا فإن المعطى الجديد الذي أشير له بوضوح يتعلق بالأهمية الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط، بما فيها من حراك وتأثير عميق روحي ومادي على مجمل العالم، بحسبان موقعها الذي يتمركز في خرائط العالم منذ القدم، وهذا المعطى يتم إسناده وضخه بالحيوية عبر التفكير في ركيزة الأمن والأمان من مدخل التعاون الاقتصادي والتجاري والابتكار في عالم لم يعد يقيّم شيئًا ولا يُقيم وزنًا لأي من لم يعرف كيف يتخذ مساره نحو التعايش والمواكبة، ولاسيما أن هذه الرؤية لو أخذت بالتروي والتعمق المطلوب سوف تكشف أن المستقبل سيكون لأولئك الذين ينشدون التفاؤل ويكتبون الواقع عبر المتاح لا المتخيل، ومن ثم يفتحون الطريق للأفق الجديد، وسوف يرى الناس النتائج ولو بعد حين، وتبقى القاعدة هي التعامل بالمثل والمسؤولية المتبادلة أو «الالتزامات» كما عرّفها ابن علوي، مع اليقين التام بأنه لا طريق سهل أو مفروش بالورد، والأولوية هي «وضع نهاية للصراع والمضي نحو عالم جديد».