بداية سباق تسلح نووي جديد

ميخائيل جورباتشوف- نيويورك تايمز –
ترجمة: قاسم مكي –
قبل ثلاثين عاما وقَعتُ أنا والرئيس (الأمريكي) رونالد ريغان في واشنطن على المعاهدة السوفييتية الأمريكية حول إزالة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى. ولأول مرة في التاريخ صار لزاما إزالة وتدمير صنفين من الأسلحة النووية. (وقَعَ الرئيسان جورباتشوف وريغان معاهدة إزالة الصواريخ النووية المتوسطة المدي في 8 ديسمبر 1987 ودخلت حَيِزَ التطبيق في الأول من يونيو 1988. تشمل المعاهدة تدمير الصواريخ الباليستية متوسطة المدى وصواريخ كروز أرض جو التي يتراوح مداها بين 1000 إلى 5500 كيلومتر والصواريخ الباليستية الأقصر مدى من 500 إلى 100 كيلومتر- المترجم). كانت تلك هي الخطوة الأولى. ثم أعقبتها في عام 1991 معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية التي وقَعها الاتحاد السوفييتي مع الرئيس جورج إتش دبليو بوش واتفاقيتنا حول إجراء تخفيضات جذرية في الأسلحة النووية التكتيكية ومعاهدة ستارت الجديدة التي وقعها رئيسا روسيا والولايات المتحدة في عام 2010. لا يزال هنالك عدد أكبر مما يجب من الأسلحة النووية في العالم. لكن الترسانتين الروسية والأمريكية يشكلان الآن جزءا ضئيلا من حجمهما في أثناء فترة الحرب الباردة. وفي مؤتمر مراجعة (معاهدة) الحد من انتشار السلاح النووي في عام 2015 أبلغت كل من روسيا والولايات المتحدة المجتمعَ الدولي بأن نسبة تصل إلى 85% من حجم هاتين الترسانتين خرجت من الخدمة وأن الجزء الغالب منها تم تدميره. هذا الإنجاز الضخم الذي يحق لبلدينا أن يفخرا به في خطر اليوم. فقد أعلن الرئيس (دونالد) ترامب في الماضية عن خطة الولايات المتحدة للانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى وعن نية بلده بناء (ترسانة) أسلحة نووية. (أعلن الرئيس دونالد ترامب في أثناء مهرجان انتخابي يوم 20 أكتوبر الماضي أنه سينهي المعاهدة، وذلك في سياق نزاع متطاول حول عدم التزام روسيا بها – المترجم). يسألني (الناس) هل أشعر بمرارة وأنا أشاهد زوال ما بذلتُ من جهد شاق لتحقيقه. هذه ليست مسألة شخصية. فالخسارة يمكن أن تكون أكبر. لقد تم الإعلان عن سباق تسلح (نووي) جديد. ومعاهدة الحد من الصواريخ النووية المتوسطة المدى ليست أول ضحية لعسكرة الشؤون الدولية. ففي عام 2002 انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الحد من الصواريخ الباليستية. و(انسحبت) هذا العام من الاتفاق النووي الإيراني. وارتفعت مخصصات الإنفاق العسكري إلى مستويات فلكية وتواصل الارتفاع.

استندت الولايات المتحدة كذريعة للانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ متوسطة المدى إلى انتهاكات روسيا المزعومة لبعض بنود المعاهدة. وأثارت روسيا مخاوف مماثلة بخصوص الالتزام الأمريكي (بنصوص المعاهدة) مقترحةً في نفس الوقت مناقشة هذه القضايا على طاولة المفاوضات بهدف إيجاد حل مقبول للطرفين. لكن خلال السنوات القليلة الماضية كانت الولايات المتحدة تتجنب مثل هذه المفاوضات. وأعتقد أن سبب ذلك واضح الآن. من الممكن بتوافر قدر كافٍ من الإرادة السياسية حل أية مشاكل تتعلق بالالتزام بالمعاهدات الحالية. لكن وكما شهدنا في أثناء العامين الماضيين كان في بال الرئيس الأمريكي غرض مختلف جدا. إنه تحرير الولايات المتحدة من أية التزامات وأية قيود وليس فقط (الالتزامات والقيود) المتعلقة بالصواريخ النووية. وفي واقع الأمر ابتدرت الولايات المتحدة تدمير نظام المعاهدات والاتفاقيات الدولية بأكمله. وهو النظام الذي ظل يشكل قاعدة ارتكاز السلم والأمن عقب الحرب العالمية الثانية. رغما عن ذلك فأنا على قناعة بأن أولئك الذين يأملون في الانتفاع من عالم (نووي) مفتوح للجميع مخطؤون جدا. لن يكون هنالك منتصر في «حربٍ للكل ضد الكل» خصوصا إذا انتهى بها المطاف إلى حرب نووية. وذلك احتمال لا يمكن استبعاده. فليس من شأن سباق التسلح الذي ينطلق دون هوادة والتوترات الدولية والعداء وانتشار عدم الثقة سوى زيادة المخاطر. هل تأخر الوقت للعودة إلى الحوار والمفاوضات؟ أنا لا أريد أن أفقد الأمل. أملي أن تتخذ روسيا موقفا حازما ولكن موزونا. وآمُلُ أن يرفض حلفاء أمريكا، بعد تفكير حصيف، أن يكونوا منصات إطلاق للصواريخ الأمريكية الجديدة. وآمُلُ أن تتخذ الأمم المتحدة، خصوصا أعضاء مجلس أمنها الذين خُوِلُوا بموجب ميثاق الأمم المتحدة تولِي المسؤولية الابتدائية عن الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، الإجراء المسئول (أن تتصرف بمسؤولية). لَسنَا بلا حول ولا قوة في مواجهة هذا التهديد الوخيم للسلام. يجب ألا نستكين وعلينا ألا نستسلم .

• الكاتب ميخائيل جورباتشوف الرئيس السابق للاتحاد السوفييتي – المقال مترجم من اللغة الروسية إلى الإنجليزية