بدء السباق على خلافة ميركل

سمير عواد –
يبدو أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قررت الانسحاب من الحياة السياسية في ألمانيا على مراحل.

وكانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه قرارها عدم ترشيح نفسها مرة جديدة في منصب رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تشغله منذ أن أطاحت في عام 2000 بالمستشار الألماني الأسبق هيلموت كول عندما طلبت منه علناً عبر صفحات جريدة «فرانكفورتر ألجماينه» التنحي عن منصب رئيس الحزب بعد الضرر المعنوي والمادي الذي تسبب به نتيجة الكشف عن مسؤوليته عن تلقي أموال من شخصيات ألمانية وإيداعها في حسابات سرية في ألمانيا وسويسرا وإمارة ليشتنشتاين، ثم لحق به المقرب منه في ذلك الوقت فولفجانج شويبلي الذي يشغل اليوم منصب رئيس البرلمان الألماني، ولا زال في عمر الـ76 الرجل القوي في الحزب المسيحي الديمقراطي. ولا شك أن تصريحه الأخير قبل وقت قصير عن الانتخابات المحلية في ولاية «هيسن» أصغر الولايات الألمانية الستة عشرة، «أن ميركل لم تعد ضمانا ليفوز الحزب في الانتخابات»، قد أنذر ميركل ومعاونيها في الحزب وديوان المستشارية. فمنذ النتائج الهزيلة التي تعرض لها حزبها في الانتخابات العامة بتاريخ 24 سبتمبر 2017، وفشلها في تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الخضر والحزب الليبرالي لتفادي تشكيل حكومة ائتلافية مع الحزب الاشتراكي وهو ما يُسمى بالتحالف الكبير لأنه يجمع أكبر حزبين في ألمانيا، أصبحت ميركل تتراجع في الداخل.
ورغم أنه لم يكن مفاجئاً للمراقبين في برلين أن تتنازل ميركل عن رئاسة الحزب، وهذه سابقة في تاريخه، حيث كان المستشارون السابقون من حزبها يشغلون مناصبهم إلى جانب رئاسة الحزب، على عكس المستشار الألماني الاشتراكي جرهارد شرودر الذي أطاح مع شركائه الخضر بالمستشار كول في عام 1998، فقد تنازل عن رئاسة الحزب للتفرغ لمهامه كمستشار للحكومة الألمانية وهو منصب يماثل منصب رئيس الوزراء، فقد كانت المفاجأة إعلان ميركل أن ولايتها الرابعة الراهنة ستكون الأخيرة، وأنها لن تُترشح لولاية خامسة. وقالت للصحفيين: إنها اتخذت القرارين في الصيف المنصرم.
ويرى المراقبون الدافع لإعلانها عن انسحابها التدريجي من الحياة السياسية في ألمانيا بعد ثمانية عشر عاماً أمضتها زعيمة للحزب وثلاثة عشر عاماً حتى الآن في منصب المستشارة الألمانية الذي استلمته كأول امرأة في نهاية عام 2005 عندما أطاحت بشرودر وائتلافه الاشتراكي – الأخضر، كانت الهزيمة الجديدة التي تعرض لها حزبها في الانتخابات المحلية لولاية «هيسن»، وذلك بعد سلسلة من الهزائم التي مني بها حزبها في الولايات وخشيتها خسارة الانتخابات المقبلة في عام 2019 المقررة في ثلاث ولايات في ألمانيا الشرقية السابقة، حيث تشير عمليات استطلاع الرأي إلى أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي أصبح بعد تأسيسه في عام 2013 أقوى من الأحزاب التقليدية في الولايات الخمسة التي تأسست بعد الوحدة الألمانية عام 1990 على أرض ألمانيا الشرقية السابقة، الأمر الذي تسبب في جدل داخل حزبها حول ضرورة التفكير بالتراجع عن الموقف المعروف للأحزاب التقليدية، أي عدم التعاون مع الشعبويين الألمان الذين أصبحوا بعد انتخابات ولاية «هيسن» ممثلين في جميع البرلمانات المحلية الستة عشر، وفي البرلمان الألماني «بوندستانج»، ويحمل الكثيرون ميركل مسؤولية انتصار الشعبويين الألمان، مشيرين إلى أن قرارها في سبتمبر 2015 فتح حدود ألمانيا أمام مئات الآلاف من اللاجئين، هو الذي قلب الأمور رأساً على عقب، حيث استغل الشعبويون نشر الأكاذيب والشعارات المعادية للاجئين والإسلام وإثارة المخاوف من أنهم سوف يسلبون الألمان وظائف العمل وأماكن السكن.
ومما لا شك فيه أن إعلان ميركل سوف يخلط الأوراق في ألمانيا وأوروبا والعالم. فقد بدأت المنافسة على خلافتها، وتم الإعلان عن ثلاثة أسماء بارزة لخلافتها في الحزب عندما يعقد المؤتمر العام له في مدينة «هامبورج» في ديسمبر المقبل، وهؤلاء هم :
– أنيجريت كرامب- كارينباور، الأمينة العامة للحزب المسيحي الديمقراطي التي يُقال: إنها عازمة على مواصلة نهج ميركل لكنها قد تفاجئ المراقبين بأن لها أيضا مواقف مستقلة، وهي مقبولة من قبل الرأي العام وقادة الأحزاب المنافسة.
– وعودة ظهور فريدريش ميرتس الذي غاب عن الحياة السياسية في برلين منذ عام 2009 نتيجة خلافه مع ميركل، وكان يشغل منصب رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي في البرلمان الألماني، ويقوم بدعم مواقفها في البرلمان.
– ثم ينس شبان، وزير الصحة الألماني الشاب الذي يعتقد أنه ينبغي حصول الشباب على فرصة للتغيير في ألمانيا.
ويعتقد المراقبون أن أنيجريت كرامب- كارينباور أوفر حظاً من منافسيها؛ لأن ميرتس وشبان يؤيدان ميول الحزب إلى اليمين لهدف استعادة الناخبين الذين اعتبروا أن ميركل اتجهت بالحزب إلى اليسار. ورغم أن ميركل أكدت أنها سوف تستمر في منصبها حتى نهاية الدورة الدستورية في عام 2021، إلا أن الكثيرين وفي مقدمتهم زيجمار جابرييل وزير الخارجية الألماني السابق الذي ينتمي إلى الحزب الاشتراكي، يعتقد أنها ستتنحى عن منصبها في عام 2019 في حالتين: إذا واجه حزبها هزائم في العمليات الانتخابية الأربعة، أو إذا انهارت حكومتها.
على الصعيد الأوروبي سوف يفقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شريكته التي ضعف نفوذها في الاتحاد الأوروبي، مقابل ترحيب القادة الشعبويين من أوروبا الشرقية في الاتحاد الأوروبي ببدء ميركل الانسحاب من الحياة السياسية، إذ إنهم لا زالوا ألد خصومها وأفشلوا خططها تجاه أزمة اللاجئين.
أما على الصعيد العالمي فإن ميركل التي توصف بأكبر صديقة لإسرائيل، حيث قدمت خدمات لإسرائيل أكثر من المستشارين الألمان السابقين، وقامت في مارس عام 2008 برفع مستوى العلاقات معها إلى أعلى مستوى، وأعلنت في العام المذكور في كلمة ألقتها أمام «الكنيست» أن أمن إسرائيل من مبادئ السياسة الألمانية. وقد أثار هذا الموقف مخاوف لدى العديد من الألمان الذين راحوا ينتقدونها على هذا الموقف ويعبرون عن خشيتهم من أن تعتبره إسرائيل فرصة لكي تساندها ألمانيا عسكريا في النزاعات المسلحة وخاصة في حالة المواجهة مع إيران، إذا حدثت، وتريد إسرائيل من خليفة ميركل قبل كل شيء الاستمرار في نهجها تجاهها.