«الاستراتيجية الوطنية» تسعى إلى معالجة الاحتباس الحراري ووضع إجراءات للتخفيف من المخاطر البيئية

تعزيز القدرات لمواجهة التأثيرات السلبية للتغيّر المناخي –

«عمان» ناقشت وزارة البيئة والشؤون المناخية أمس مخرجات الاستراتيجية الوطنية للتكيف والتخفيف من التغيرات المناخية، والتداعيات التي تلقي بتأثيراتها على كافة جوانب الحياة، وتهدد مستقبل التنمية، وبحث إعداد نماذج للتأثيرات المناخية وفقا للمعايير والمنهجيات الدولية المعتمدة في هذا الشأن مع بناء وتعزيز القدرات الوطنية. جاء ذلك في الندوة التي نظمتها الوزارة أمس تحت رعاية معالي الدكتور علي بن مسعود السنيدي وزير التجارة والصناعة بحضور عدد من المسؤولين، وذلك بديوان عام وزارة البيئة والشؤون المناخية، وأقيمت بالتعاون مع كل من جامعة السلطان قابوس وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) وبعض المعاهد الدولية المتخصصة في هذا المجال.

التحديات المستقبلية

وقال معالي محمد بن سالم التوبي وزير البيئة والشؤون المناخية: إن أهمية هذه الاستراتيجية تأتي لكونها تعالج الكثير من التحديات المستقبلية جراء التغيرات المناخية، وناقشت الاستراتيجية على مدى ثلاث سنوات كل التحديات والإشكاليات التي تواجه السلطنة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وكذلك جامعة السلطان قابوس التي قامت بدور كبير بجانب القطاعات الأخرى سواء أكانت مؤسسات حكومية أم مؤسسات خاصة معنية بالتغير المناخي، وعلى مدى هذه السنوات تم البحث في كثير من القطاعات، وتم استعراضها أمس، وتمت مناقشتها وتحليلها من قبل المختصين والفنيين.
وأضاف معاليه: نأمل من الله تعالى استكمال هذه الاستراتيجية قريبا لأهميتها، وهناك تعاون وتواصل بيننا وبين المجلس الأعلى للتخطيط، لتوفير المتطلبات لهذه الاستراتيجية وتنفيذها، ونحن حاليًا في المرحلة الأخيرة بعد مناقشتها وتحليلها، وسيتم تقديمها للجهات المعنية حتى يتم اعتمادها.
وشملت الندوة عدة فقرات منها عرض فيلم مرئي عن الاستراتيجية الوطنية للتكيف والتخفيف من التغيرات المناخية، أعقبه كلمة الوزارة ألقاها سعادة نجيب بن علي الرواس وكيل وزارة البيئة والشؤون المناخية التي أكد فيها على أهمية إقامة هذه الندوة الوطنية؛ لما يواجهه العالم من التحديات البيئية التي تهدد المستقبل المتمثل في التغيرات المناخية؛ كونه يمس النظام المناخي لكوكب الأرض، وترتبط المكونات والنظم البيئية على الأرض ارتباطا وثيقا بالنظام المناخي؛ لذلك فإن تداعيات التغيرات المناخية تلقي بتأثيراتها على كافة جوانب الحياة وتهدد مستقبل التنمية.
وذكر الرواس أن وزارة البيئة والشؤون المناخية بادرت على مدى ثلاث سنوات مضت بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بإعداد الاستراتيجية الوطنية للتكيف والتخفيف من التغيرات المناخية التي تهدف إلى وضع رؤى ومسارات استراتيجية للتعامل مع تأثيرات التغيرات المناخية والتأقلم معها حفاظا على مكتسبات التنمية في بلادنا وضمانا لمستقبل مستدام وآمن، وتأكيدا لاهتمام الحكومة بمجابهة التغيرات المناخية والإسهام في الحد من آثارها، خصوصا أن السلطنة كغيرها من دول العالم معرضة للتأثيرات المتوقعة جراء هذه التغيرات في المناخ.

مستقبل تنموي

وأكد سعادته أن الاستراتيجية الوطنية للتكيف والتخفيف من التغيرات المناخية تعد بمثابة خطوة أولية وأساسية تجاه بناء برامج وخطط عمل على المستوى الوطني تتكامل خلالها الرؤى القطاعية لضمان مستقبل تنموي مزدهر ومؤمن ضد مخاطر التغيرات المناخية وقادر على التكيف مع تداعياته بأقل تكلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية، كما أن هذه الاستراتيجية تأتي كمتطلب دولي لتحديد نوعية التحديات المناخية المستقبلية على المستوى الوطني للوصول إلى التمويل المباشر لمشاريع تغير المناخ من الصندوق الأخضر للمناخ التابع لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
وأضاف: إن إعداد الاستراتيجية الوطنية للتكيف والتخفيف من التغيرات المناخية مر بالعديد من المراحل من بينها إعداد التقارير والمسوحات الفنية وبناء النماذج المناخية الخاصة بالسلطنة عن طريق نخبة من الخبراء والمعاهد الدولية المختصة واستعراضها من خلال عدد من حلقات العمل الفنية والمشاورات مع الجهات الحكومية ذات العلاقة بقطاعات التنمية الحساسة، ومن ثم إرسال النتائج النهائية التي تم التوصل إليها إلى تلك الجهات لإبداء ملاحظاتهم عليها.
واختتم الرواس حديثه ليؤكد أن الاستراتيجية بعد اعتمادها سوف توفر أرضية صلبة لصياغة برامج وخطط تنفيذية بالتكامل مع الاستراتيجيات القطاعية المختلفة ورؤية عمان 2040 لتحقيق أهداف السلطنة في بناء مستقبل زاهر ومستدام للأجيال الحالية والمستقبلية.
من جانبه، قال سعادة الدكتور علي بن سعود البيماني رئيس جامعة السلطان قابوس خلال كلمة ألقاها في الندوة: إن هذه الندوة تأتي لاستعراض أهم نتائج الاستراتيجية الوطنية للتكيف والتخفيف من التغيرات المناخية، وتأكيدا على أن توطين البحث العلمي في حل قضايا التغيرات المناخية سيكون له أثر إيجابي في المستقبل، وإن معالجة مثل هذه القضايا يكون بالتعاون المثمر مع جهات الاختصاص.
واستعرض البيماني أوجه التعاون بين وزارة البيئة والشؤون المناخية وجامعة السلطان قابوس في حفظ البيئة والشؤون المناخية، وذكر أن الجامعة نظمت العديد من المؤتمرات العلمية الهادفة في هذا الشأن، منها المؤتمر الدولي للأعاصير المدارية في المحيط الهندي والتغيرات المناخية، وكذلك قامت الجامعة بالتعاون مع وزارة البيئة بإعداد البلاغ الوطني الأول لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتغيرات المناخية.
من جهته، قال عبدالمجيد حداد نائب المدير الإقليمي للأمم المتحدة للبيئة في آسيا: إن الاستراتيجية الوطنية للتكيف والتخفيف من التغيرات المناخية تمثل بالنسبة للأمم المتحدة نقطة فارقة في العمل البيئي في السلطنة. كما أنها تجربة فريدة في منطقتنا العربية، وتعتبر أول استراتيجية تتعامل مع تغير المناخ بمنهجية تكاملية لمعالجة انبعاثات الغازات الدفيئة والتكيف مع آثاره بناء على تحليل علمي وبحثي معمق. كما أن الاستراتيجية لا تغفل آليات وأدوات التنفيذ. ولتأكيد أن سلطنة عمان سباقة دائما في المبادرات البيئية يكفي أن نشير إلى أن فكرة إعداد الاستراتيجية نشأت حتى قبل اتفاق باريس عن تغير المناخ وما يتطلبه ذلك الاتفاق من جهد وطني ودولي على مستوى التكيف والتخفيف. أي أن هناك قناعة تامة لدى أصحاب القرار في السلطنة بأهمية مجابهة تغير المناخ واعتماد مبدئي الاحتراز والاستعدادية للحفاظ على الأرواح والممتلكات خاصة وأن السلطنة معرضة للتأثيرات المناخية بحكم وقوعها في نظام مناخي معقد ومتقلب واحتوائها على بيئات حساسة وهشة عوضا عن التضاريس التي تساهم في تفاقم المشكلة ومشقة الحلول.

تغير المناخ

وأكد حداد أن تجربة السلطنة في إعداد هذه الاستراتيجية ريادية، جاءت بتشكيل فرق بحثية بقيادة جامعة السلطان قابوس ومجموعات أخرى فنية بقيادة وزارة البيئة والشؤون المناخية بدعم من خبراء من برنامج الأمم المتحدة للبيئة لجمع وتحليل البيانات وعمل النماذج المناخية وتقييم الآثار على المدى المتوسط والطويل وفقا لأحدث السيناريوهات والأدلة الاسترشادية الصادرة من الهيئة الحكومية المعنية بتغير المناخ (IPCC). وتمت مراجعة نتائج هذه الدراسات من خلال حلقة العمل التشاورية مع القطاعات والوزارات المعنية.
موضحا عبدالمجيد حداد أن تغير المناخ لن يتضاءل أو يختفي بل إننا للأسف نزداد بعدا عن حل مسبباته وآثاره كلما تقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات عاجلة وعلى نطاق واسع في كافة أبعاد التنمية، وقد شكلت نتائج التقرير الصادر قبل أسبوعين من الهيئة الحكومية المعنية بتغير المناخ الذي يركز على هدف ١.٥ درجة مئوية قد شكل إنذارا آخر بأن تغير المناخ يسير بوتيرة أسرع مما توقعنا سابقا، وأن هذا الهدف ربما نصل إليه في الفترة من 2030-2052 حتى لو تم إنفاذ كل ما التزمت به الدول ضمن اتفاق باريس. وإذا لم نتخذ إجراءات طموحة وحازمة وسريعة فإن تغير المناخ سيصل إلى نقطة اللاعودة، وبالتالي يقلل من مقدرتنا على السيطرة وكبح جماح المشكلة عوضا عن الخسائر المادية والبشرية والاقتصادية والبيئية الناتجة عن تدهور النظام المناخي العالمي. وإن الاختبار الحقيقي لمدى جدية المجتمع الدولي للتعامل مع هذه النتائج سوف يظهر جليا في مؤتمر الأطراف الرابع والعشرين الذي سيعقد في كاتوفيتسا في بولندا في شهر ديسمبر القادم.
وأضاف في كلمته: إن برنامج الأمم المتحدة للبيئة يتشرف دوما بالعمل مع سلطنة عمان في مجالات البيئة والتنمية المستدامة. وإن الشراكة مع وزارة البيئة والشؤون المناخية متميزة، واستعرض بعض الاقتراحات التي تعزز من البدء الفوري في التنفيذ بناء على تجارب دولية مماثلة، وذلك في تخصيص مكتب أو وحدة وتشكيل فريق في الوزارة مهمته الرئيسية التخطيط ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية. وتخصيص الميزانية اللازمة لتنفيذ البرامج والأنشطة ذات الأولوية. كما يتم تعزيز قدرات دائرة النماذج والدراسات المناخية وإنشاء قاعدة بيانات وخرائط الهشاشة على مستوى السلطنة. وتنفيذ أنشطة توعوية عن مخرجات الاستراتيجية في محافظات السلطنة وكذلك القطاعات المعنية بما فيها التعليم.
وكذلك البدء بإنشاء شبكة من مشاريع التكيف النموذجية في المناطق الأكثر تعرضا وهشاشة. وتهدف الشبكة إلى تقييم فعالية هذه المشاريع بالإضافة إلى عملها كمنصة للتعلم وتبادل المعلومات والخبرات وأفضل الممارسات.

جلسات الندوة

وتهدف الاستراتيجية إلى تحديد التأثيرات السلبية ومخاطر التغيرات المناخية على قطاعات التنمية ورصد انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من مصادرها المختلفة، ووضع إجراءات للتكيف والتخفيف من تلك المخاطر، بالإضافة إلى إعداد نماذج لتأثيرات التغيرات المناخية وفقا للمعايير والمنهجيات الدولية المعتمدة في هذا الشأن مع بناء وتعزيز القدرات الوطنية في مجال التغيرات المناخية خلال مراحل تنفيذ الاستراتيجية.
وشملت الندوة عدة جلسات، جاءت الأولى لاستعراض مخرجات وتقارير استراتيجية التكيف مع التغيرات المناخية في قطاعات التنمية، وقام الدكتور ياسين بن عبدالرحمن الشرعبي مدير مركز الدراسات والبحوث البيئية بجامعة السلطان قابوس والباحث الرئيسي لمشروع الاستراتيجية بتقديم ورقة عمل عن فصل التوقعات المناخية.
وتم خلال الجلسة الثانية تقسيم المشاركين بالندوة إلى مجموعات عمل متزامنة لاستعراض ومناقشة مخرجات وتقارير استراتيجية التكيف مع التغيرات المناخية في قطاعات التنمية، وقد قدم فيها الدكتور مالك الوردي مدير محطة التجارب الزراعية بجامعة السلطان قابوس والمنسق الفني لمشروع الاستراتيجية ورقة عمل حول قطاعي الزراعة والثروة السمكية، كما قدم الدكتور غازي الرواس مساعد العميد للتدريب بكلية الهندسة بجامعة السلطان قابوس ونائب الباحث الرئيس في مشروع الاستراتيجية ورقة عمل حول قطاع موارد المياه، تلاه ورقة عمل حول قطاع البنية الأساسية والمناطق الحضرية والسياحية وقطاع الصحة، قدمها الدكتور طلال العوضي رئيس قسم الجغرافيا بجامعة السلطان قابوس والباحث في مشروع الاستراتيجية. وفي الجلسة الثالثة تم استعراض مخرجات وتقارير استراتيجية التخفيف من التغيرات المناخية والمواضيع المشتركة بين قطاعات التنمية، استعرض من خلالها الدكتور ياسين الشرعبي استراتيجية التخفيف من التغيرات المناخية والمواضيع المشتركة مع جهات الاختصاص (cross-cutting issues)، ثم قام خبراء المشروع والمشاركون بالمشاركة في جلسة نقاش عامة حول أهم الخطوات الإجرائية القادمة بشأن الاستراتيجية.