الاستراتيجية الوطنية للتعليم 2040 توضّح التغيير المطلوب للمرحلة المقبلة وأبرز التوصيات

العمل على بناء نظام تعليمي يسهم في تحقيق أهداف وطنية يتسم بالديناميكية والتفاعل مع متطلبات سوق العمل والمجتمع –

كتبت- عهود الجيلانية :

أكد معالي السيد خالد بن هلال بن سعود البوسعيدي وزير ديوان البلاط السلطاني رئيس مجلس التعليم إدراك الحكومة أهمية التعليم في قيادة التنمية الشاملة للدولة، فوجهت خططها التعليمية مع بداية النهضة المباركة نحو نشر التعليم وتعميمه بما يواكب الخطط التنموية للدولة وها هي تولي في المرحلة الراهنة اهتماما كبيرا لنوعية التعليم وجودته، وذلك من أجل تعزيز نهضة المجتمع العماني وتقدمه بمقومات العلم المعاصر والمعرفة المتجددة والقيم الرفيعة، جنبا إلى جنب مع كفاءة الموارد البشرية للقيام بأدوارها في التنمية الوطنية.
وقال معاليه في مقدمة الملخص التنفيذي للاستراتيجية الوطنية للتعليم 2040: إن التعليم أهم ركائز التنمية المستدامة على مختلف أصعدتها البيئية والاقتصادية والاجتماعية وهو من الأولويات التي تعتمدها الدول في تنمية مواردها البشرية التي تعول عليها في المنافسة على صعيد الاقتصاد العالمي المفتوح في هذا العصر.
وأضاف رئيس مجلس التعليم: وإدراكا من الإرادة السامية لأهمية مواكبة التعليم للتطورات السريعة في مجال المعرفة والتقانة فقد جاء التوجيه السامي من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس -حفظه الله ورعاه- في خطابه السامي في دور الانعقاد السنوي للفترة الخامسة لمجلس عمان 2011م بالتركيز على أن تتحلى الأجيال الملتحقة بركب التعليم بالوعي والمسؤولية وتتمتع بالخبرة والمهارة والتطلع إلى مستوى معرفي أرقى وأرفع موجها -أبقاه الله- إلى ضرورة إجراء تقييم شامل للعملية التعليمية بالسلطنة من أجل تحقيق تلك التطلعات والاستفادة من فرص العمل المتاحة في مختلف القطاعات الواعدة في السلطنة. وتأكيدا على تلك الإرادة الواعية والتوجيهات السامية فقد تناول الخطاب السامي لجلالته -أعزه الله- في العام التالي في دور الانعقاد السنوي للفترة الخامسة بمجلس عمان 2012م ذات المنطلقات والثوابت فكان التأكيد السامي على «مراجعة سياسات التعليم وخططه وبرامجه وتطويرها بما يواكب المتغيرات التي يشهدها الوطن والمتطلبات التي يفرضها التقدم العلمي والتطور الحضاري، وصولا إلى بناء جيل مسلح بالوعي والمعرفة والقدرات المطلوبة».
وفي سبيل تنفيذ التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم -أعزه الله- وبعد مرحلة قام خلالها مجلس التعليم العالي(سابقا) بدور مهم في تطوير منظومة وبنية التعليم العالي في السلطنة وفي مختلف مساراته، فقد تم إنشاء مجلس التعليم ليكون المظلة التي تعنى برسم السياسات العامة للتعليم في السلطنة. وفي هذا الإطار قرر المجلس الشروع في تحديث وتنقيح وثيقة استراتيجية التعليم 2006-2020 التي بنيت على عدد من الدراسات التي قام بها فريق من الخبراء العمانيين والدوليين خلال فترة إعدادها وبمشاركة الأطراف المعنية بالتعليم ونتج عن ذلك إعداد وثيقة جديدة بمسمى «الاستراتيجية الوطنية للتعليم في سلطنة عمان 2040».
وأوضح معاليه: بنيت الاستراتيجية الوطنية للتعليم على أربعة أسس رئيسية وهي وضع إطار عمل جيد للتعليم، وبناء القدرات ونقل المسؤوليات للمؤسسات التعليمية وتبنى أسلوب يعتمد على المخرجات. كما تناولت الاستراتيجية أبعاد المنظومة التعليمية كافة من خلال خمس استراتيجيات فرعية وهي إدارة التعليم والتحاق الطلبة وتقدمهم عبر المراحل التعليمية وقطاعات العمل، وبناء الجودة في التعليم والبحث العلمي والتطوير وتمويل التعليم.
وتم إعداد خطة تنفيذية موسعة للاستراتيجية تتضمن المشاريع والمبادرات التي تندرج تحت كل توصية مرتبة بحسب الأولوية، مع تحديد الجهات التنفيذية والمدة المفترضة لعملية التنفيذ، والنتائج والمؤشرات المتوقعة، كما روعي توفير عنصرين في غاية الأهمية في الاستراتيجية أولهما أن تتسم بالمرونة الكافية والقابلية المناسبة لمواكبة ما قد يستجد من المتغيرات والمتطلبات خلال مداها الزمني المحدد بالعام 2040م . وثانيهما إجراء عملية مراجعة مستمرة لمستوى أداء الخطة، وتقييم مرحلي لعملية التنفيذ بما يمكن من التحديث المستمر للعناصر المتغيرة في الاستراتيجية وإجراء التحسينات التي قد تقتضيها الظروف أو المتغيرات التي قد تطرأ بين فترة وأخرى. وختاما يدعو مجلس التعليم جميع الأطراف المعنية بقطاع التعليم بالسلطنة للعمل معه جنبا إلى جنب بإرادة قوية والتزام وطني ومهني كامل لتنفيذ التوصيات الواردة في الاستراتيجية الوطنية في إطار خطتها التنفيذية مما يسهم في تحقيق رؤيتها وأهدافها في تطوير كفاءة النظام التعليمي من أجل مستقبل مشرق لعمان وأبنائها.

تحديات التعليم

ومن جانب آخر أشارت الاستراتيجية الوطنية للتعليم 2040 إلى التحديات التي تواجه قطاع التعليم في السلطنة كما بينتها الدراسات والتقارير التي قامت بها الجهات المعنية والتقارير الدولية حيث تم تصنيف التحديات في خمسة مجالات رئيسية أبرزها في إدارة التعليم والحاجة إلى التوجه نحو التخطيط الاستراتيجي لقطاع التعليم، والحاجة إلى توفير البيانات والمؤشرات الإحصائية لصياغة السياسات التعليمية وتعدد الجهات التي تشرف على التعليم وبالأخص التعليم العالي مما يؤدي إلى تشتت الجهود والموارد وضعف التخطيط، والحاجة إلى تعزيز الاستقلال الإداري والمالي لمؤسسات التعليم الحكومية مما يسهل تلبية احتياجاتها الإجرائية والأكاديمية.
أما التحدي في مجال الطلبة فيتمثل في الحاجة إلى رفع نسبة الأطفال الملتحقين بالتعليم قبل المدرسي، وضرورة وجود سياسة واضحة للالتحاق بها وقلة توفير الفرص التدريبية في مواقع العمل للطلبة في مراحل الدراسة المختلفة، والحاجة إلى توفير فرص العمل المناسبة لمخرجات التعليم في المراحل المختلفة من خلال التنويع الاقتصادي وتحقيق التوازن في التوزيع الجغرافي للمشاريع الاقتصادية.
وفي مجال ضمان الجودة وتحسينها فقد تمثلت التحديات في الحاجة إلى تحسين التحصيل العلمي لمخرجات دبلوم التعليم العام في العلوم والرياضيات والمهارات اللغوية في اللغتين العربية والانجليزية، والحاجة إلى إكساب الطلبة مهارات القرن الحادي والعشرين وكفاياته مثل التفكير والتحليل وحل المشكلات والإبداع والابتكار ومهارات البحث في العملية التعليمية، وتدني نسبة الكوادر العمانية في الهيئات الأكاديمية لمؤسسات التعليم العالي، بالإضافة إلى قلة برامج التطوير المهني للكادر التعليمي، والحاجة إلى توفير البيانات والإحصاءات عن احتياجات سوق العمل للاستفادة منها في تحقيق المواءمة بين التعليم وسوق العمل.
وحول تحديات مجال البحث العلمي اتضح هناك حاجة إلى دعم البنية الأساسية للبحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي، ندرة الكفاءات البحثية العمانية العالية التي يمكن أن تسهم في تعزيز البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي وبناء القدرات البحثية، والحاجة إلى زيادة إسهام البحث العلمي للمؤسسات التعليمية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي مجال التمويل، أشارت الاستراتيجية إلى اقتصار التعليم على الحكومة كمصدر رئيس للتمويل ومحدودية البدائل الأخرى لمساندة هذا المصدر، اعتماد مؤسسات التعليم الخاصة بدرجة كبيرة على الرسوم الدراسية كمصدر أساسي للتمويل، والحاجة إلى توزيع الموارد على التعليم المدرسي والتعليم العالي بقدر متوازن بما يضمن زيادة الفرص المتاحة للطلبة في التعليم.

المرحلة المقبلة

وتطرق الملخص التنفيذي للاستراتيجية إلى التغيير المطلوب للمرحلة القادمة حيث بدأت السلطنة عام 2012م مرحلة جديدة من التنمية والبناء وتعمل على صياغة أهداف وطنية تسعى إلى تحقيقها في إطار الخطط التنموية للسلطنة حتى عام 2040م، كما أن توجّه السلطنة نحو الاقتصاد المبني على المعرفة يتطلب تطوير نظام التعليم العالي والعمل على بناء نظام تعليمي يسهم في تحقيق أهداف التنمية الوطنية للمرحلة القادمة، ويتسم بالديناميكية والتفاعل مع متطلبات سوق العمل والمجتمع مما يتطلب وضع استراتيجية شاملة ومتكاملة لمنظومة التعليم تأخذ بعين الاعتبار عناصر هامة أبرزها التوافق مع الأهداف الوطنية للتنمية حيث ينبغي أن تقوم المؤسسات التعليمية بضمان توافق البرامج والمقررات الدراسية وأنشطة البحث العلمي مع أولويات الأهداف الوطنية للتنمية، وأن تكون مسارات نظام التعليم في مراحله المختلفة ملبية لمتطلبات خطط التنمية المستقبلية، فذلك سوف يضمن توافق قطاع التعليم مع الغايات الوطنية ويسهم بكفاءة في تحقيقها.
وذكرت الاستراتيجية أهمية الاهتمام بعنصر توفير تعليم ملازم للتطور الاقتصادي حيث انتهجت السلطنة سياسة التنويع الاقتصادي ودعم القطاعات غير النفطية التي يعتمد عليها اقتصادها ولا ريب أن لقطاع النفط والغاز والصناعات أهمية رئيسية، إلا أن سياسات الحكومة للمرحلة الجديدة هي التوجّه نحو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والاقتصاد المبني على المعرفة لذلك فإن تنويع التخصصات لمدخلات التعليم المتزايدة في مختلف المستويات يجب أن يواكب الخطط الاقتصادية للسلطنة في القطاعات الرئيسية وطبيعة الاستثمارات التي سوف تجلبها هذه الخطط التنافسية.
كما وجهت الاستراتيجية بضرورة استثمار جيل الشباب وإيلاء العناية الكافية بهم من خلال توفير التعليم المناسب ذي الجودة العالية بما يؤهلهم للالتحاق بقطاعات العمل المختلفة، وتزويدهم بالمهارات اللازمة لامتلاك زمام المبادرة والقدرة على المنافسة وإثبات الذات. وذكرت الاستراتيجية أن المرحلة المقبلة تستدعي تعزيز جودة نظام التعليم وكفاءة الأداء والشفافية الذي يتطلب تحسين فاعلية الأداء وكفاءته لعناصر المنظومة التعليمية كافة، كما أنه لابد من تحقيق الانسجام والشفافية في توفير المعلومات عن أداء النظام التعليمي بما يساعد المتعلمين على اتخاذ قرارات أفضل. ولابد من العناية بتنمية المهارات حيث يجب أن تمتلك مخرجات نظام التعليم مجموعة من المهارات والكفايات التي تلبي متطلبات سوق عمل محلي وعالمي ديناميكي ومتغير ومن غير الممكن التنبؤ به، كما لابد من تعزيز القدرة على الإبداع والابتكار وروح الريادة وذلك أن تعمل المؤسسات التعليمية على بناء مجتمع يشجع على النجاح ويكافئه ويعزز الرغبة في المخاطرة والتعلّم من الأخطاء ويحتضن التنوع الذي يقود إلى النجاح عن طريق الاختلاف وتقبل التغيير المستمر واستثمار الفرص.

توصيات مهمة

وضعت الاستراتيجية مجموعة من التوصيات المختلفة فمن ضمن التوصيات الرئيسية لاستراتيجية إدارة التعليم العمل على إعادة هيكلة السلّم التعليمي للتعليم المدرسي بما يلبي الغايات المنشودة منه، وإنشاء جامعة حكومية من خلال دمج كليات العلوم التطبيقية التابعة لوزارة التعليم العالي والكليات التقنية التابعة لوزارة القوى العاملة والإبقاء على مراكز التدريب المهني ومعاهد تدريب الصيادين تحت مظلة القوى العاملة وتطبيق مبادئ الحوكمة في إدارة مؤسسات التعليم العالي. والنقل التدريجي للصلاحيات الإدارية والمالية للمدارس ومؤسسات التعليم العالي تمهيدًا لمنحها الإدارة الذاتية.
ومن التوصيات الرئيسية لاستراتيجية التحاق الطلبة وتقدمهم عبر المراحل التعليمية اتخاذ إجراءات فاعلة لرفع نسب الالتحاق بمرحلة التعليم ما بعد الأساسي وفتح مسارات للتعليم التقني والمهني للطلبة ما بعد التعليم الأساسي وتحديد العوامل المؤثرة على تدني التحصيل العلمي للطلبة الذكور، وتبني السياسات والبرامج الكفيلة برفع مستوى التحصيل الدراسي وفق معايير أداء محددة، وقيام وزارة التربية والتعليم بإعداد خطة وطنية لتعليم ذوي الإعاقة.
وأوصت الاستراتيجية الثالثة عن بناء الجودة في التعليم إلى أن تقوم وزارة التربية والتعليم بوضع نظام داخلي لضمان الجودة في التعليم المدرسي وتعزيزها، وتطوير الكفاءات الوطنية وإعدادها في مجال ضمان الجودة في المؤسسات التعليمية واعتماد التصنيف المعياري للتعليم العالي في السلطنة وغيرها من التوصيات.
وأوصت الاستراتيجية الرابعة للبحث العلمي والتطوير إلى ضمان توافق خطط البحث العلمي وبرامج الدراسات العليا في مؤسسات التعليم العالي مع خطة الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي، زيادة السعة البحثية وجودتها في الجامعات وتمويل البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي وإنشاء حاضنات علمية في مؤسسات التعليم العالي وإنشاء مراكز للتميز البحثي بمؤسسات التعليم العالي في مجال علمي تتميز به، وغيرها من التوصيات.
ودعت الاستراتيجية الخامسة في تمويل التعليم إلى تأسيس إطار تمويلي متكامل ويكون مجلس التعليم مسؤولا عن التوصية بتوفير الموازنات وآليات توزيعها على المؤسسات والهيئات التعليمية، تعزيز الاستعمال الأمثل للإنفاق، مراقبة توازن الإنفاق بين التعليم المدرسي والتعليم العالي، وتطوير نظم قياسية لإدارة الشؤون المالية في المؤسسات التعليمية بطريقة تؤدي إلى ربط عملية التمويل بالمخرجات.