ميزان القوى يتجه شرقا.. نظرة مستقبلية

د. عبدالعاطى محمد –

إذا ما كان هناك من سبب حقيقي يفسر حالة التوتر التي تعيشها الإدارة الأمريكية تحت رئاسة دونالد ترامب وتنعكس في وقائع مختلفة من الصراع بينها وبين أكثر وأكبر حلفائها وأصدقائها في عديد من مناطق العالم، فإنه الإدراك الذي لا يعتريه الشك من جانب الولايات المتحدة شعبا ومؤسسات، بأن ميزان القوى بمعناه الواسع بدأ يميل لصالح الشرق لا الغرب بما يحدث تغييرا مستقبليا في النظام العالمي لا توده بالطبع وما كانت تتوقعه بالسرعة التي يمضى بها.
صحيح أن شخصية ترامب وأداءه السياسي لا يحفل بالدبلوماسية ويشكل استفزازا أحيانا، ليس فقط لخصوم بلاده وحلفائها وأصدقائها، وإنما لقطاع كبير من الأمريكيين سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين من حيث الانتماء الحزبي، ولكن طابع المواجهة والصدام الذي تتسم به مواقفه من أحداث العالم الكبرى وقضاياه المصيرية يعبر عن واقع يتسم بالتراجع في حسابات موازين القوى بالنسبة لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة على مدى السنوات القليلة الأخيرة بما فيها الفترة الثانية لباراك أوباما. ولذلك لم يكن ترامب مبالغا عندما رفع شعار أمريكا أولا في حملته الانتخابية، وإنما كان صريحا أكثر مما يجب في التعبير عن هذا القلق من تراجع القوة الأمريكية مقارنة بمن سبقوه من القادة الأمريكيين. ووجد في هذا الشعار ضالته لاستعادة القوة الأمريكية المفقودة، ولكن ترامب نفسه بما يمثله من أداء شخصي في القيادة السياسية وكذلك ما يطرحه هو ومستشاروه في إدارته بالبيت الأبيض، كلاهما جاء متأخرا بعد أن كانت مؤشرات تحول ميزان القوى نحو الشرق قد ثبتت أقدامها ليجد الرجل نفسه محشورا في الزاوية فيلجأ إلى كل ما هو غريب عن قواعد القانون الدولي والدبلوماسية الدولية مرتكزا على ما وصفه الرئيس الفرنسي ماكرون بقانون القوة.
وفي الحقيقة كان أوباما مدركا للتحول في موازين القوى لغير صالح الولايات المتحدة وتحديدا في المجالين الاقتصادي والأمني، وحاول بالفعل وضع استراتيجية لتأقلم بلاده مع التغيرات التي جاءت بفعل هبوب رياح الشرق، سواء من الصين أو روسيا وغيرهما من القوى الدولية الصاعدة بقوة في شرق وجنوب آسيا، ولذلك مثلا سعى إلى الانضمام لكبريات التحالفات الاقتصادية الناشئة في الشرق، ووقع اتفاقا مع إيران لإغلاق الخلاف حول الملف النووي الإيراني، وقلص قوات بلاده العسكرية في المناطق الساخنة سواء في العراق أو أفغانستان، ولم يغامر بالانخراط بقوة في الأزمة السورية، ولا حتى في الحرب التي دارت ضد الإرهاب ممثلا في تنظيم «داعش». وعلى الأرجح أنه اعتبر التأقلم مع التغيرات العالمية تلك مدخلا لاستعادة قوة الولايات المتحدة وريادتها للعالم. ولكن ترامب – بوصفه ممثلا لفكر الجمهوريين الذي يقوم على فرض أسلوب القوة على الآخرين لتحقيق التفوق – وجد فيما أقدم عليه أوباما تضحية كبرى من جانب الولايات المتحدة وخسارة لها على الصعيدين الاقتصادي والأمني، ومن ثم استرجع منطق القوة حتى مع حلفاء بلاده وأصدقائها.
اليوم عندما يجلس ترامب على مكتبه كل صباح يجد ملفات عدة كل منها يمثل تحديا قويا له ولإدارته وبلاده لم يسبق له مثيل، وهو لا يملك رفاهية الإنكار فكل ملف له دلائله وقرائنه التي تجسده خطرا حقيقيا على مكانة الولايات المتحدة كدولة عظمى تنظر لنفسها على أنها المتفردة بقيادة العالم. وفي نفس الوقت لا يرغب في العودة إلى استراتيجية أوباما المتسمة بالتأقلم لأنها تتعارض مع الاستراتيجية التي جاء بها إلى البيت الأبيض، ويعتبرها المسؤولة عن تدهور القوة الأمريكية. وعليه فإن الخيار المفضل لديه هو ممارسة القوة عسكريا واقتصاديا وسياسيا، ولكن البيئة العالمية المعاصرة بها ما يكفي لجعل هذا الخيار صعبا إن لم يكن مستحيلا، فالبوصلة اتجهت شرقا ولن تتوازن أو تعود إلى الغرب في وقت قريب.
على الصعيد الاقتصادي حققت الصين نجاحا مذهلا، ليس الآن فقط، ولكن منذ عهد أوباما، واستثمرت هذا النجاح في تجميع قوى الشرق الصاعدة إلى جانبها وعززت علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع روسيا الخصم القديم الجديد للولايات المتحدة، بل دخلت الساحة الأوروبية من أوسع أبوابها، بعد أن كانت هذه الساحة حكرا لعقود من الزمن على الولايات المتحدة. وحاول ترامب أن يصحح الخلل بالتفاهم والتودد لبكين ولم ينجح، ومن ثم اتجه بقوة إلى الصدام المباشر معها من خلال الإجراءات الحمائية التي اتخذها. وردت الصين بالمثل فاعتبر ترامب رد فعلها علامة على انتهاء الصداقة بين البلدين، ثم بدأت بكين في الإعداد لما هو أشد قسوة على الاقتصاد الأمريكي من خلال السعي إلى اعتبار «اليوان» أو العملة الصينية منافسا بشكل ما للدولار في عديد المعاملات التجارية مع عديد الدول ممن يتعاملون معها ليعلن ترامب في النهاية أن الصين تريد إسقاطه من الحكم أو التأثير على الانتخابات النصفية للكونجرس، على أساس أنه لو حقق الديمقراطيون تفوقا في مجلسي الكونجرس فإن ذلك بداية مفترضة تزيد من احتمال عدم إعادة انتخابه !
و من جانب آخر لم تستسلم أوروبا للإجراءات الحمائية التي فرضها ترامب، وإنما فعلت نفس الشيء تقريبا، وزادت على ذلك بأنها تفكر في إيجاد صيغة جديدة للتعامل المالي بعيدا عن الدولار الأمريكي فيما يتعلق بحماية مصالح شركاتها المتعاملة مع إيران. ومعلوم أن أوروبا اعترضت على إلغاء ترامب للاتفاق النووي الإيراني وحافظت على موقفها القديم وحتى تتجنب العقوبات الأمريكية المترتبة على هذا الإلغاء اتجهت للبحث عن مخرج فني مالي، للإبقاء على مصالح شركاتها في إيران بعيدا عن هذه العقوبات. ولم تخفي إدارة ترامب غضبها من الموقف الأوروبي واعتبرت هذه المحاولات التفافا أوروبيا على قرار العقوبات!
ومن جهة أخرى ضغط ترامب في اتجاه خفض أسعار النفط، وباشر هذا الضغط بلغة اتسمت بالشدة، وذلك ضمن جهوده لإضعاف إيران اقتصاديا وهى من كبرى دول إنتاج وتصدير النفط، ولكن الأسعار لم تنخفض، واتضح أن ارتفاعها لا علاقة له بانخفاض الإنتاج الإيراني وإنما لأوضاع في دول نفطية بعيدة عن الموضوع برمته. وتزامن مع ذلك اتجاه كل من الصين وروسيا إلى التعامل مع إيران في مجال النفط خارج سوق الدولار، أو بمعنى أدق تبادل السلع في مقابل النفط الإيراني.
وعلى الصعيد السياسي يجد ترامب على مكتبه ملف الاتفاق الروسي الإيراني التركي فيما يتعلق بمنع الحرب في إدلب السورية، ومع أنه أشاد بالاتفاق باعتباره إجراء يحقن دماء ما يقرب من 4 ملايين سوري، إلا أن الاتفاق تم بعيدا عن الولايات المتحدة فكان من أبرز الشواهد على تحجيم الدور الأمريكي في الأزمة السورية، فضلا عن كونه عزز تحالف تركيا مع روسيا، وإذا كانت الثانية خصما صريحا لواشنطن فإن الأولى أو تركيا عضو في حلف الناتو الذراع العسكري للولايات المتحدة في أوروبا، ويعكس إلى أي حد باتت المسافة واسعة في العلاقات بين أنقرة وواشنطن خصوصا مع بقاء مشكلة احتجاز القس الأمريكي في تركيا على حالها. كما أن الاتفاق يعنى أن الدور الإيراني في الأزمة السورية قائم دون إقصاء كما كانت تريد واشنطن وأنه يتم وفق موافقة من جانب كل من تركيا وروسيا. وفي نهاية المطاف مثل الاتفاق انتصارا سياسيا جديدا لروسيا في الأزمة السورية. ومن بعيد في أقصى الشرق الأسيوي بدا ترامب سعيدا بتجاوب رئيس كوريا الشمالية معه فيما يتعلق بالملف النووي الكوري الشمالي واعتبره نجاحا لسياسته القائمة على فرض قانونه، ولكن للمشهد وجه آخر في غير صالح الولايات المتحدة يعزز الافتراض بأن ميزان القوى يتجه شرقا ولم يعد حكرا على الغرب والولايات المتحدة. فقد تم التجاوب الكوري الشمالي بفعل تدخلات قوية من جانب كل من روسيا والصين بالدرجة الأولى وليس نتيجة للخوف من جانب سول من العقوبات الأمريكية، كما أنه ترتب عليه تقارب من جانب كوريا الجنوبية مع شقيقتها الشمالية، وكلما تعزز هذا التقارب فنحن أمام ولادة عملاق آسيوى جديد يجمع الكوريتين يزيد من تحول ميزان القوى لصالح الشرق خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن هناك مباركة صينية روسية لهذا التقارب. ولن يبقى من حلفاء لواشنطن في الشرق سوى اليابان التي بدورها لم تستسلم للضغوط الأمريكية فيما يتعلق بتسخين المواجهة العسكرية في بحر الصين ولا فيما يتعلق بأسعار النفط.
والسؤال الذي يطرح نفسه وسط كل هذه المؤشرات على تحول ميزان القوى تجاه الشرق، هو إلى أي حد يمكن للمنطقة العربية أن تتجاوب مع هذا التحول وأن تخرج مستفيدة منه، تماما مثلما تفعل الآن دول كبرى في شرق وجنوب آسيا ومن أبرزها الهند؟. تقول الشواهد أن الدور الأمريكي في الشرق الأوسط دخل فصل الانحسار سواء فيما يتعلق بالعجز عن القيام بالدور المتوقع للمساعدة في حل الصراع العربي – الإسرائيلي، وتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو في الأزمة السورية، أو في الملف النووي الإيراني، أو في خفض أسعار النفط، وما كل ذلك إلا نتيجة لتحول ميزان القوى العالمي لصالح الشرق بالدرجة الأولى، ممثلا في دول مثل الصين وروسيا، وفي الطريق دول مثل الهند وباكستان وإندونيسيا وماليزيا والكوريتان الجنوبية والشمالية. ومن ثم فإن المراهنة على أن الولايات المتحدة تمتلك 99% من أوراق اللعبة الدولية والإقليمية غير صحيحة وعليه لا يجب التعويل عليها. ولم يعد الربط بين الولايات المتحدة وإسرائيل مفيدا في ظل هذا التحول خصوصا أن الأخيرة لم تفلح في فرض تهديداتها الأمنية، والرسالة الروسية بتزويد سوريا بصواريخ إس 300 واضحة فيما تعنيه بأن الذراع العسكرية الإسرائيلية لم تعد طويلة. ليست هناك للأسف وصفة سحرية لكيفية الاستفادة العربية من هذه التطورات، ولكن على الأقل هناك إمكانية للفكاك من النظرية القديمة بأن أمن ورخاء المنطقة مرهون فقط بالدور الأمريكي.