أهمية التميز السياحي

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

تنتظر المؤسسات السياحية في السلطنة الحصول على مزيد من التحفيز والدعم في إطار الاهتمام الذي يبديه القطاعان العام والخاص لقطاع السياحة الذي يعد اليوم واحدا من القطاعات الخمسة المهمة في استراتيجية السلطنة نحو التنويع الاقتصادي. فقد تم اختيار هذا القطاع ضمن برنامج «التنفيذ» الذي تم بدأ العمل به منذ العام الماضي. ومن هذا المنطلق قامت وزارة السياحة مؤخرا بإطلاق «برنامج جوائز عمان للسياحة» بالشراكة مع جريدة الرؤية بهدف تقديم مزيد من التحفيز للمؤسسات والأفراد والجهات العاملة في القطاع السياحي وما يمت به، والعمل على تنميته لتحقيق مزيد من النتائج الإيجابية للاقتصاد الوطني مستقبلا.
وتعد جوائز التميز السياحي التي تتبناها الوزارة حاليا من أهم الأحداث التي ينتظرها أصحاب الصناعة السياحية في البلاد نظرا للمقومات السياحية المهمة التي تتمتع بها البلاد في الجانب الثقافي والجغرافي والبيئي واللوجستي والتراثي، بالإضافة إلى تعزيز أعمال المؤسسات والشركات السياحية والفندقية والمنشآت العاملة في مجال الضيافة والإيواء والإطعام وغيرها من المؤسسات الأخرى التي تقدم الخدمات السياحية والثقافية للقادمين إلى السلطنة، الأمر الذي سوف يؤدي إلى مزيد من الأداء والإنتاجية والعمل على تقديم جودة المنتجات والخدمات المقدمة للسائح. كما أن هذه الجوائز سوف تحقق المزيد من الأهداف التي نسعى إليها وهي تعزيز مفهوم التنافسية لتحفيز عملية التطوير والتحديث في القطاع السياحي، والارتقاء بالخدمات السياحية في كافة المحافظات العمانية مع ضمان وتقديم خدمات سياحية متميزة. ومن النتائج الإيجابية التي سوف يحققها هذا البرنامج هو نشر الوعي بثقافة التميز في الخدمات والمنتجات المقدمة للسياح، بالإضافة إلى طرح أفضل الممارسات لضمان الاستثمار والاستفادة من تبادل الخبرات في إدارة الأعمال والأنشطة المرتبطة بهذا القطاع، وكذلك تعزيز دور المؤسسات التي تشرف على القطاع السياحي. كما يهدف هذا العمل إلى ترقية الخدمات وتحفيز الجهات والأفراد العاملين في هذا القطاع لا سيما أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الداخلين إلى هذا القطاع. والكل يأمل منهم بأن تعطى لهم الفرص في خدمة الوطن من خلال هذه المؤسسات المعنية التي تدار معظمها حاليا من قبل الأيدي العاملة الوافدة في البلاد. فهده المؤسسات يمكن لها أن تشكّل مكانا لتشغيل المزيد من العمانيين مستقبلا، مع تمكينهم بأن يكونوا نواة في تطبيق المعايير وإجراءات التميّز التي يمكن من خلالها تقديم أرقى الخدمات والمنتجات السياحية بالبلاد.
إن مبادرة وزارة السياحية بطرح برنامج لجوائز عمان السياحية تأتي في إطار اهتمامها المتواصل لتحقيق الأهداف المرسومة للاستراتيجية الوطنية للسياحة، الأمر الذي سوف يساهم في تحفيز الأفراد والفنادق والشركات، للتنافس على تقديم أرقى الخدمات وأفضل الحزم والعروض السياحية وفق تأكيدات المسؤولين في هذه الوزارة، ووفق المعايير التي تتطلب اعتمادها في هذا القطاع بهدف جذب المزيد من السياح إلى البلاد، لكي يصبح قطاع السياحة قطاعا مستداما في المنظومة الاقتصادية للسلطنة.
فالكثير من الدول سبقتنا في تقديم جوائز التميز السياحي لما لها من أثر إيجابي في دعم الحركة السياحية والثقافية، وفي تحفيز عملية تطوير الأسس والنظم والآليات، بالإضافة إلى تطوير أنظمة العمل والارتقاء بها، بجانب تعزيز الإنتاجية في المؤسسات السياحية والارتقاء بمستوى الخدمات لأفضل المستويات التي يمكن العمل بها. ومن هذا المنطلق  تحرص وزارة السياحة والعاملين بها على دعم هذا القطاع الواعد الذي يواصل مسيرة النمو بشكل متسارع، وبنسب متزايدة عن السنوات الماضية، على الرغم من الظروف التي يمر بها العالم من تحديات مناخية وبيئية واقتصادية وجيوسياسية وفق ما أشار إليه السيد عادل بن المرداس البوسعيدي مستشار الشؤون السياحية بوزارة السياحة بذلك، مؤكدا أن قطاع السياحة لا يزال شريانا ينبض بالعائدات على اقتصادات العديد من بلدان العالم، والتي استطاعت أن توظف قدراتها البشرية ومقوماتها الطبيعية وإمكانياتها الحضارية وإرثها التاريخي وإنجازاتها المعاصرة. إن هذا الأمر يدفع الجميع إلى التكاتف والتعاون لمواجهة التحديات عبر التميز في العمل والابتكار في تنويع الطرق والأدوات الداعمة للجذب السياحي وتحقيق قيمة محلية مضافة، والحصول على الحصة المناسبة من السياح الذين يجوبون العالم سنوياً بحثاً عن وجهات تناسب احتياجاتهم، وتلبي رغباتهم. فالسلطنة – كما هو معروف عنها- تزخر بالعديد من المقومات السياحية التي تؤهلها لتكون أحد أبرز الوجهات السياحية، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على الصعيد العالمي، وهذا لا يتأتى إلا بزيادة الجهد ومضاعفة العمل للاهتمام بجميع الأنشطة المرتبطة بالسياحة، وفي المقدمة قطاع الضيافة والترفيه وتنظيم الجولات السياحية، إضافة إلى البنية الأساسية من الخدمات.
ووفقا لتقرير منظمة السياحة العالمية التي تضم في عضويتها 158 دولة، فهناك ارتفاع كبير في عدد السياح بالعالم بنسبة 6% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي 2018 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهذه النسبة تتجاوز توقعات المنظمة سواء في دول إفريقيا التي سجلت نموا بنسبة 6% والشرق الأوسط بنسبة 4% وأوروبا بنسبة 7%، وجنوب شرق آسيا بنسبة 9 إلى 10% والأمريكتين بنسبة 3%، بينما المنطقة الوحيدة التي تراجع فيها النمو السياحي خلال الفترة الماضية هي الكاريبي وبنسبة 9% نتيجة لآثار الأعاصير التي لحقت بها في الأشهر الأخيرة من العام الماضي. أما توقعات منظمة السياحة العالمية للنمو السياحي العالمي خلال العام الحالي 2018، فإنها تقدّر ما بين 4 إلى 5 %، متوقعة عودة الوجهات في الشرق الأوسط إلى سابق عهدها. فأمين عام المنظمة زراب بوليكاشفيلي يرى أن السياحة الدولية مستمرة في تحقيق نمو كبير في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي يساهم في خلق فرص عمل جديدة للاقتصادات الوطنية، ويتطلب في الوقت نفسه زيادة قدره المؤسسات على تطوير وإدارة السياحة بطريقة مستدامة، وبناء وجهات ذكية وتحقيق أقصى استفادة من التكنولوجيا والابتكار في هذا القطاع.
فالكثير من الدول مستمرة في دعم القطاع السياحي نتيجة للعوائد الاقتصادية التي تتحقق من هذا القطاع. والسلطنة بمؤسساتها السياحية وبنيتها اللوجستية قديرة بتحويل هذا القطاع إلى قطاع مستدام يمكن الاعتماد عليه في توفير فرص عمل كثيرة للمواطنين، وفي تعزيز إيرادات الدولة السنوية. وهذا ما تؤكد عليه منظمة السياحة العالمية نتيجة للثقة الكبيرة التي تمنح للسياحة في العالم وفق آخر استطلاع أجرته هيئة خبراء السياحة في هذه المنظمة والتي خرجت بتفاؤل كبير فيما يتعلق بنمو السياحة إلى دول الشرق الأوسط وأوروبا. فهذه المنطقة عانت منذ عام 2011 أوضاع أمنية وسياسية غير مستقرة، منذ اندلاع ما عرف بـ «الربيع العربي» خاصة في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، فيما شهدت دول أخرى أوضاعا غير مستقرة لأسباب مختلفة، في الوقت الذي ما زالت تأثيرات أزمة قطر الشقيقة والحرب المستمرة في اليمن الشقيق تؤثر بقوة على مجمل اقتصادات المنطقة بالرغم من تحسن أسعار النفط العالمية. فالاستقرار السياسي، وتعزيز التدابير الأمنية، وتنويع السوق والمنتجات وسياسات تسهيل تأشيرات الدخول، ورفع القيود المفروضة على السفر، وتعزيز القدرات في قطاع الطيران، والتسويق والترويج للسياحة جميعها عوامل يمكن أن تلعب دورا كبيرا في منطقة الشرق الأوسط وتساعد في استعادة النمو والحفاظ عليه أو تسريعه في السنوات المقبلة.
إن السلطنة بمقوماتها السياحية العديدة من المتاحف والمطارات والطرق الجميلة والفنادق الرائعة والمؤسسات الثقافية وشبكات الاتصالات الحديثة لقديرة بأن تخلق من القطاع السياحي فرصا جديدة للعمل لأبناء البلد في الكثير من المجالات، وتحقّق نسبة النمو الذي ترمي إليه بواقع 5% خلال العام الحالي وزيادتها خلال السنوات المقبلة. فالقطاع السياحي في السلطنة يعتبر من القطاعات الأكثر حيوية في الاقتصاد، ويحتل المرتبة 18 عالميا من ناحية قدرات نمو السياحة حتى عام 2028 وفق بعض التقارير العالمية المعنية بهذا القطاع، الأمر الذي يتطلب مزيدا من الدعم لكي يحتل مرتبة أكبر خلال السنوات المقبلة.

haiderdawood@hotmail.com