التعليم من أجل المواطنة.. ماذا يعني؟

إميل أمين/ كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

من بين أهم الكلمات التي حظيت باهتمام كبير من العالم برمته في العقدين الأخيرين كانت كلمة المواطنة وقد تلازمت طويلا مع تعبيرات مختلفة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتقاطعت معها وبات وكأن هناك حتمية تاريخية تربط بين المواطنة والعديد من القضايا الحساسة في عالمنا المعاصر.
وفي معناها السياسي تشير المواطنة إلى الحقوق التي تكفلها الدولة لمن يحمل جنسيتها، والالتزامات التي تفرضها عليه أو قد تعني مشاركة الفرد في أمور وطنه، وما يشعره بالانتماء إليه.
يعن لنا أن نتساءل هل كانت إشكاليات الحروب والصراعات الأهلية التي جرت بها المقادير خلال العقود الثلاثة المنصرمة هي السبب الرئيسي في الاهتمام العالمي بطرح المواطنة؟
الشاهد أن تأصيل فكر المواطنة قديم وربما كان الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو هو أول من أشار إليه في عصور التنوير، وذلك عبر عمله الكبير والخالد “العقد الاجتماعي“.
غير أن صراعات الدول ما بعد الويستفالية ربما كان وراء ضرورة إحياء طرح المواطنة، والذي يشتمل على ثلاثة عناصر أساسية هي: العنصر المدني الذي يتضمن الحرية الفردية وحرية التعبير والاعتقاد والإيمان، وحق التملك الحق في العدالة وتحقيق العنصر المدني في المواطنة في المؤسسات القضائية.
أما العنصر السياسي فيعني الحق في المشاركة في الحياة السياسية، بوصف المواطن عنصرا فاعلا في السلطة السياسية من خلال البرلمان.
فيما العنصر الاجتماعي فيشير إلى تمتع المواطن بخدمات الرفاهية الاجتماعية وإشباع حقوقه الاقتصادية التي تتضمن التعليم والرعاية الصحية على أكمل وجه على سبيل المثال لا الحصر… لماذا الحديث الآن عن المواطنة وعلاقة الأمر بالتعليم؟
عرفت سلطنة عمان بأنها مثال حي لقيم المواطنة فالإنسان كان دائما وأبدا في قلب اهتمام جلالة السلطان المعظم- حفظه الله ورعاه- وعليه فقد كان بحث السلطنة في أوائل أكتوبر الجاري مع مركز اليونسكو الإقليمي للتربية على التفاهم الدولي لمنطقة آسيا والمحيط الهادي سبل تعزيز مفهوم المواطنة العالمية وتحقيق الهدف السابع من أهداف منظمة اليونسكو، الذي يهدف إلى تعزيز المواطنة العالمية والتنمية المستدامة والتحديات التي تواجه المواطنة، في ظل تطورات التقنية والتكنولوجيا وكيفية مواكبتها مع تعزيز المواطنة العالمية.
ولعله من الأمور التي تدعو للفخر عربيا وإقليميا أن يؤكد وفد اليونسكو، على أن سلطنة عمان هي أول دولة عربية يتعاون معها المركز فيما يتعلق بتعزيز قيم المواطنة العالمية، سيما وان الوفد قد أشاد بالدور الذي تقوم به وزارة التربية والتعليم العمانية، فيما يتعلق بتعزيز مفهوم المواطنة وإدخال مبادئ المواطنة في المناهج ووجود دائرة خاصة تعني بالمواطنة.
يدفعنا الحديث عن ربط التعليم بالمواطنة للوقوف أمام واحدة من القضايا التي تكرس منظمة اليونسكو الكثير من الجهود الخاصة بها، وهي قضية التعليم من أجل المواطنة العالمية الأمر الذي يحتاج ولا شك إلى إلقاء مزيد من الضوء.
يرمي التعليم من أجل المواطنة العالمية بحسب اليونسكو إلى تلقين المتعلمين أيا كانت أعمارهم القيم والمعارف والمهارات التي تقوم على احترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والتنوع والمساواة بين الرجل والمرأة والاستدامة البيئية، التي تعمل على ترسيخها بحيث تضع في متناولهم ما يلزم ليكونوا مواطنين عالميين مسؤولين، ويمنح التعليم من اجل المواطنة العالمية المتعلمين الكفاءات والفرص اللازمة لإنفاذ حقوقهم، والوفاء بالتزاماتهم بغية التشجيع على بناء عالم افضل ومستقبل يضم الجميع، ويستند التعليم من اجل المواطنة العالمية إلى العديد من المجالات ذات الصلة من قبيل تعليم حقوق الإنسان، والتعليم من اجل السلام، والتعليم من اجل التفاهم الدولي،وهو ما يتماشى مع أهداف التعليم من أجل التنمية.
في هذا السياق جاءت الندوة الأخيرة التي عقدت في مسقط حول إدماج التربية على المواطنة والقيم العالمية المشتركة في برامج إعداد المعلمين في دول الوطن العربي تحت عنوان “الرؤى والتوجهات“ والتي نظمتها اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع كلية التربية بجامعة السلطان قابوس، ومكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في بيروت.
أظهرت الندوة بداية الاهتمام الكبير الذي توليه حكومة السلطنة بقيادة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- أعزه الله- بتعزيز قيم التربية من أجل المواطنة لتمكين المتعلمين من العمل من أجل عالم اكثر سلما وعدلا واستدامة وشمولية.
ولعل هذا اللقاء كان بمثابة الإعداد لانطلاق منصة عربية عالمية تهتم بقضايا المواطنة والحوار، ولهذا جاءت مشاركة عدد من المراكز الفكرية التي تلعب دورا بالغ الأهمية في هذا الإطار، وفي مقدمتها اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم في السلطنة، ومركز آسيا والمحيط الهادي للتعليم، الذي يسعى إلى تعزيز القدرات الإقليمية وشبه الإقليمية في تخطيط وتنفيذ مجموعة واسعة من الممارسات في مجال التعليم من اجل التفاهم الدولي، كما يشجع ويسهل الروابط التعاونية بين مبادرات آسيا والمحيط الهادي وغيرها من الجهود الإقليمية والدولية في مجال التعليم. ومن بين المراكز التي شاركت في هذه الندوة الخلاقة كان مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين اتباع الأديان والثقافات، ومركزه الرئيسي فيينا، وله خبرة وباع طويلان في جمع الشباب العربي ضمن سياق وأطر الترويج للتلاقي والتفاهم،عطفا على تأكيد مبدأ المواطنة.
كل هذه المؤسسات احتضنتها السلطنة في محاولة إنسانية ثرية لكتابة فصل جديد من فصول المواطنة، سيما بعد ان تعثرت السبل بمواطني العديد من دول المنطقة خلال السنوات السبع الماضية، تلك التي عرفت بسنوات الربيع العربي وفي حقيقة الأمر لم ينتج هذا الربيع سوى المزيد من التمذهب والتحزب الطائفي والصراع والدماء واللاجئين، ما يعني ان سعي السلطنة إلى سيادة نموذج المواطنة هو القضية وهو الحل.
يعن لنا مرة أخرى أن نتساءل “هل من علاقة ما بين المواطنة وأنساقها عبر التعليم والثقافة بنوع خاص، وبين محاربة الإرهاب والتطرف وبين السلام الاجتماعي بين الشعوب والأمم وحتى بين أبناء الوطن الواحد؟
الشاهد أن اليونسكو تستمد التزامها بالتعليم من أجل المواطنة العالمية من جذورها ورؤيتها الفريدة للسلام، والتي تستند بدورها إلى اعتقادها بأن السلام الدائم لا يقتصر على الأمن وعدم التعرض للعنف، وذلك على النحو المذكور في الميثاق التأسيسي لليونسكو، الذي جاء فيه “ لما كانت الحروب تولد في عقول البشر ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام“.
تشير أوراق اليونسكو إلى ان تحقيق هذه الرؤية الداعية إلى سلام دائم تقتضي الالتزام بتوفير أربعة أنواع من التعليم يشار إليها عادة باسم دعائم التعليم الأربع وهي: التعليم من أجل المعرفة، والتعليم من أجل العمل، والتعليم من أجل البقاء، والتعليم من أجل العيش معا“.
كارثة العالم في حاضرات أيامنا هي التمايز الذي وصل إلى حد العنصرية بمعنى ان الجميع شرقا وغربا قد ظن بان العولمة سوف تزيل الحدود وتلغي القيود، وأنها سوف تبني القرية الكونية التي تحدث عنها عالم الاجتماع الكندي الشهير “ مارشال ماكلوهان “ باكرا جدا في ستينيات القرن العشرين. لكن شيئا من ذلك لم يحدث، ومن ينظر حوله شرقا وغربا سوف يصدم من جراء الأوضاع المتفجرة، فقد غابت فكرة المواطنة وتوارت بالفعل بعيدا وحلت مكانها في أوروبا أفكار القوميين الجدد، بل ظهر دعاة النازية مجددا، وبات الآخر حتى وان كان يحمل جنسية الدولة نفسها مشكوكا في مواطنته.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية ارتفع صوت الانعزاليين واستهل الرئيس الأمريكي ترامب رئاسته بمجموعة قرارات رئاسية تمنع دخول مواطنين من دول ذات صبغة إسلامية وباتت الإسلاموفوبيا هي الشعار الأعلى صوتا، أما في العالمين العربي والإسلامي فحدث ولا حرج عن الأصولية الإسلامية الراديكالية التي أضاعت روح الإسلام السمحة المتصالحة والقابلة للآخر.
لا مناص إذن من تعليم المواطنة، وفي قلب التعليم فكرة العيش معا، والتي تعني تنمية فهم الآخر وإدراك أوجه التكافل فيما بين البشر، أي تحقيق مشروعات مشتركة، وتعلم كيفية تسوية النزاعات في ظل احترام التعددية والتفاهم والسلام والتنوع الثقافي ويشمل التعليم من اجل المواطنة العالمية أنواع التعليم الأربعة المشار إليها من قبل.
دأبت سلطنة عمان منذ عقود طوال على المستوى الوطني على الاهتمام بتعزيز قيم المواطنة لاسيما من خلال النظم التربوية إذ يهتم النظام التعليمي فيها بالبعد الأوسع في تنمية شخصية المتعلم. منذ سنوات النهضة العمانية الأولى وفي عام 1977 أوضح حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- أن التعليم يجب ألا يبقى وسيلة لتثقيف الفرد فقط، بل يجب أن يعنى أيضا بتكوين شخصيته حتى تلعب عمان دورا مهما في الشؤون العالمية.
أحسنت السلطنة كثيرا جدا في احتضان إطلاق أول منصة إلكترونية عربية في مجال التربية على المواطنة، فما أحوج عالمنا العربي لتلك الصفة ذات الأهمية الوطنية والأممية، والتي تساهم مساهمة بناءة في رفعة شأن الإنسان في القرن الحادي والعشرين.