باحثون يؤكدون تلاقي السلطنة والمغرب في ثقافة «الخطارات» و«الأفلاج المائية»

في ندوة دولية بالراشيدية المغربية حول البعد الحضاري للأفلاج –
الرباط ـ يوسف حمادي –

على أساس فكري، حضاري تاريخي، بنى الدكتور عبدالله الغافري، مدير وحدة بحوث الأفلاج بجامعة نزوى، بحثه الذي تقدم به إلى فعاليات ندوة «البعد الحضاري والتنموي لخطارات المغرب وأفلاج الجزيرة العربية»، التي احتضنتها مدينة الراشيدية بإقليم أرفود بالمغرب حيث أكد الدكتور الغافري في مداخلة بعنوان: «الأبعاد الحضارية للأفلاج العمانية»، أن المصادر التاريخية في السلطنة تؤكد أن حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي، قد أشار على السلطان برغش بن سعيد بن سلطان، في زنجبار، بشق فلج للبلاد، ولتحقيق ذلك، تبرع حمود من أمواله الخاصة وشق فلجا في 1298هـ 1882 م.
وأفاد الدكتور الغافري الحاضرين لأشغال الندوة، من باحثين مختصين، وطلبة دارسين، وجمهور مهتمين، أن عناصر الحضارة ثلاثة، فهي تتشكل من دين وقانون، ومن حكومة مركزية واقتصاد، ومن مدن ومنشآت، ومن مهن ونظام كتابة ، ثم من مراكز اجتماعية، موضحا أن الماء عامل حيوي في كل الحضارات، وأن الأفلاج، ومفردها «فلج»، تعد من مصدر الماء، لها دور كبير على كبير على الزرع والضرع، تستند في نشأتها على أبعاد ثقافية وبيئية، اقتصادية وتراثية، كما تعد الأفلاج موردا سياحيا للمنطقة التي توجد بها.
وأبرز المحاضر المتخصص، أن للفلج ثلاثة محاور رئيسية، أهمها، بل محورها الرئيسي، هو الإنسان، ثم الطبيعة والتقنية، موضحا أن الأفلاج تعتبر مصدر غذاء متوازنا وقابلا للحفظ، وأنها لعبت دورا كبيرا في تخزين طعام البحَّارة العمانيين وحفظه مجففا مدة من الزمن، كمُجَفَّفِ التمور واللحوم، والليمون والأعشاب، والخضروات.
أما من الناحية الأركيولوجية، فيرجع الدكتور الغافري تاريخ بداية نشأة الأفلاج إلى العصور الحجرية الأولى التي عمرها آلاف السنين قبل الميلاد، ثم إلى العصر الحجري الحديث، ويعني بِه الباحث العصر المعدني؛ حوالي 7000 سنة ق. م، ويُغْني الباحث بحثه الحفري بالإشارة إلى وجود الأفلاج في العصر البرونزي؛ حوالي 1300 سنة، وهو العصر الذي عرَّفه الباحث العُماني بالعصر الحديدي، مؤكدا أن التربة والمياه هي أهم مصادر الزراعة التقليدية، مشيرا إلى أن أغلب الأفلاج على كوكبنا توجد ببلدان آسيا وشبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا والأمريكيتين الشمالية والجنوبية.
ولم يكتف الدكتور الغافري خلال مداخلته القيمة بالتحليل النظري فحسب، بل استعان بالخرائط الاستبيانية والصور التوضيحية لشرح عرضه أمام ثلة من الأساتذة الباحثين، وجمهور المهتمين بتاريخ الأفلاج في السلطنة والخطارات في المغرب، وتقنياتهما، مؤكدا أن الأفلاج التي تعرف في بلاد المغرب الشقيق بـ«الخطارات»، التي كانت تبنى قديما حول المدن وداخلها لحمل الماء للشرب والوضوء والزراعة في مدن فاس ومكناس ومراكش..، كان لها الدور الكبير في خدمة الإنسان ومجتمعه.
بالإضافة إلى ورقة الدكتور الغافري، كان وفد السلطنة المشارك في ندوة الراشيدية قد تقدم أعضاؤه بثماني أوراق، منها ورقة «فترات الجفاف والفترات المطيرة وتأثيرها على جريان الأفلاج في السلطنة، التي قدمتها وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه. ثم نظيرة لها تقدم بها المهندس حمد بن خميس الحاتمي، عضو الجمعية العمانية للمياه في موضوع: «حماية منشآت الأفلاج من تأثير المشاريع التنموية». وهناك ورقة ثالثة جاء موضوعها حول: «التراث غير المادي المرتبط بالأفلاج العمانية»، تقدم بها الدكتور حمدي بن سيف النوفلي، مدير دائرة قطاع الثقافة باللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم.
كما تقدم أمام فعاليات الندوة الأستاذ ناصر بن صالح الإسماعيلي، من وزارة التربية والتعليم، بورقة دراسية بعنوان: «نظام الأفلاج بالسلطنة، فلج النصيب أنموذجا». بالإضافة إلى ورقة خامسة بعنوان: «مشروع توثيق التاريخ المروي لأفلاج ولاية أدم». تقدم بها الأستاذ علي بن حمود المحروقي، مدير مختص بوزارة التراث والثقافة، وهناك أيضا موضوع: «الأفلاج.. مفهومها ودورها التاريخي والاجتماعي»، الذي اتخذ منه الدكتور سالم بن عامر الحوقاني، من وزارة التربية والتعليم، مكون دراسي تقدم به عبر ورقة أمام جمهور الحاضرين، بالإضافة إلى ورقة دراسية سابعة تناول بها المهندس خلفان بن مرهون العبدلي، عضو الجمعية العمانية للمياه، موضوع «نظام إدارة الأفلاج بسلطنة عمان.. فلج الفيقين بولاية منح نموذجا». إن جميع الأوراق التي تقدم بها الوفد العُماني، وضمنها ورقة المهندس حسن بن يوسف البلوشي حول موضوع: «جهود وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه بالمحافظة على الأفلاج»، كانت أوراقا علمية غنية بمعلومات تحليلية بحثية دقيقة، أبان من خلالها أعضاء الوفد العماني المشارك عن مستوى معرفي عال، جعلت الحاضرين لأشغال الندوة يدركون أن السلطنة والمغرب يلتقيان في ثقافة بناء الأفلاج والخطارات بشكل كبير.