دور وسائل الإعلام في تعميم الانتفاع بالمعلومات

د. سعاد بنت عبدالله بن زاهر الإسحاقية –

يعد الحصول على المعلومات بالنسبة لوسائل الإعلام شريان العمل الإعلامي والطريقة التي تمكنها من المساهمة في دفع عجلة التنمية وتنمية الشعوب ونشر العلم والمعرفة وأداء رسالتها كأحد وسائل التنمية المعرفية والمجتمعية، كما أنها بكل تأكيد تسهم في صناعة وجهات النظر واتخاذ القرارات سواء أكانت الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها، لذلك فإن جهود إتاحة البيانات والمعلومات التي تسعى الحكومات إلى توفيرها عبر البيانات المفتوحة في الإنترنت أو بأي صورة كانت لا تعني بالضرورة أن المعلومات قد أصبحت متوفرة بشكلها الصحيح للناس، بمعنى أنه وإن توفرت البيانات وأتيحت إلا أنها تظل متعددة التفاسير والتأويلات وهو ما يقود إلى أهمية دور وسائل الإعلام في تمكين الناس من فهم وإدراك هذه المعلومات بالشكل الصحيح، ويؤكد على دورها المهم كشريك للحكومات وداعم لخطط التنمية والتقدم.
وقد شهدت وسائل الإعلام خلال السنوات الماضية تذبذبا في أداءها نتيجة المتغيرات التكنولوجية الكبيرة التي حدثت في العالم وأثرت على وسائل الإعلام والاتصال بشكل كبير، وفي ظل الانفتاح العالمي على الإنترنت وانتشار المعلومات وتعددية المصادر أصبحت المعلومة بكافة أنواعها متاحة للجمهور، وتقلصت بذلك إمكانية السيطرة على نوعية المعلومة التي تصل للناس أو حتى تحديد مصادر معينة للحصول عليها، وهو ما يعني أهمية أن تواكب وسائل الإعلام التطور التقني الحاصل إضافة إلى ارتفاع المستوى التعليمي وزيادة الوعي بشكل عام في المجتمعات والذي ساهم في تطور مفهوم حرية الصحافة والسعي وراء الحصول على المعلومات الصحيحة، والذي يؤكد على أهمية أن تلعب وسائل الإعلام دورها التثقيفي والتوعوي بالإضافة إلى الدور الرقابي والممكن لتعزيز مبدأ الشفافية، خاصة مع زيادة انتشار الشائعات والأخبار الزائفة وقرصنة المعلومات والذي أصبح يشكل تحدٍ لوسائل الإعلام في إمكانية التصدي لهذه الظواهر والتقليل من تأثيراتها والإبقاء على ثقة الناس بوسائل الإعلام الموثوقة.

التحديات التي تواجهها وسائل الإعلام في التصدي للأخبار الزائفة والشائعات

تواجه وسائل الإعلام عدة تحديات أمام التقدم التقني وتوفر الإنترنت واستحداث وسائل التواصل الاجتماعي كصعوبة التحقق من صحة المعلومات ووثوقيتها، وصعوبة التحكم بالدعوات المتطرفة والإقصائية وضعف الضوابط المتعلقة بعدم المساس بالقيم الدينية والاجتماعية وغيرها، إضافة إلى انتهاك حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر، إلا أن التحدي الأصعب الذي تواجهه وسائل الإعلام هو تفشي الأخبار الزائفة والشائعات والأخبار المجتزأة وسرعة انتشارها عبر الإنترنت وعبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص والتي لا تعطي القارئ أو المشاهد الصورة الحقيقية والكاملة عن الخبر وهو ما يعني تعدد التأويلات واختلاف وتعقد التفسيرات في ذات الوقت، وهو ما يضع وسائل الإعلام أمام مهمة صعبة في إيصال وتفسير المعلومات بالشكل المطلوب والصحيح، ومع مطالبات حرية التعبير بالنسبة لوسائل الإعلام فإن هذا لا يعني الانفلات أو عدم الالتزام بأخلاقيات المهنة وأسسها، بل يعني تقديم المعلومات بالشكل الصحيح ومن مصادرها الصحيحة بحيث تقلل من تأثير الممارسات غير المهنية وغير الأخلاقية المنتشرة في العالم الرقمي، وهذا يقودنا إلى الحديث عن بعض الظواهر الإعلامية التي انتشرت مع انتشار الإنترنت مثل قرصنة المعلومات والبيانات ونشرها والتي أسفرت عن تبني نظريات جديدة لتفسيرها مثل نظرية «الهاكطولوجيا» وتدرس هذه الظاهرة قرصنة المعلومات ونشرها عمداً ودون إذن مسبق عبر وسائل الإعلام من خلال تحويلها إلى أخبار وتقارير صحفية والأثر الذي قد يترتب على هذا الأمر على مهنة الصحافة والإعلام بشكل خاص وعلى صناعة الرأي العام على بشكل عام، هذا عدا عن كونها ممارسات غير قانونية لنشر المعلومات، حيث انه ليس كل معلومة قابلة للنشر أو التسريب لاعتبارات قد تكون أمنية أو اجتماعية، خاصة إذا ما كانوا هؤلاء القراصنة مدعومين من أطراف تحمل أجندات وخططا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها، والتي حدا ببعض المؤسسات الإعلامية والصحفية إلى الانحدار في نشر معلومات دون التحقق أو التثبت من صحتها كما عهد الأمر سابقا إليها وهو ما ينبئ بتراجع مصداقية وسائل الإعلام أمام ظاهرة القرصنة.
ومن هنا تأتي أهمية أن تبقى وسائل الإعلام متجددة وتشريعاتها ومواثيقها متماشية مع المتغيرات الحاصلة في الجانب التقني كمتغيرات في وسائل النشر والانتشار المعرفي وتأثيره على المجتمعات أو حتى في الجوانب الأخرى السياسية أو الاقتصادية وغيرها وتبعاتها على صناعة الرأي العام.

مبادرات عالمية لتمكين وسائل الإعلام من أجل تعميم الانتفاع بالمعلومات

تختلف الأنظمة والتشريعات الخاصة بتنظيم عمل وسائل الإعلام من بلد إلى آخر وفق اختلاف النظم الإدارية فيها والتقاليد والأعراف التي تؤثر على المبادئ الأساسية للمجتمع في موضوع حرية التعبير، إلا أنها بشكل عام تدعم حق الحصول على المعلومة لكونه عنصراً أساسياً بالنسبة للعمل الصحفي والإعلامي من أجل تمكين وسائل الإعلام من القيام بمهامها على أكمل وجه في دفع عملية التنمية المستدامة.
وتسعى المنظمات الدولية باستمرار إلى طرح مبادرات وبرامج تُعنى بأهمية تمكين وسائل الإعلام في دفع عملية تقدم الأمم وتعزيز مستوى الشفافية والنزاهة للمجتمعات والحكومات، ومن هذه المنظمات المعنية منظمة اليونسكو حيث تنبثق مجموعة من المبادرات واللجان المعنية بتعزيز حرية الصحافة والإعلام وحماية الصحفيين وتمكينهم من القيام بمهامهم وتشجيع الدول على تبني قوانين وأطر تنظيمية تتيح لوسائل الإعلام الحصول على المعلومات بالشكل الذي يخدم رسالتها الإعلامية، وتقدم الدعم للدول في تقييم تنمية وسائل الإعلام عبر مجموعة من المؤشرات لتساعدها على وضع خطط التنمية والنهوض بها بالشكل الذي يمكنها من إنجاز مهامها على الوجه المطلوب، ومن بين المجالس الحكومية الدولية المجلس الدولي الحكومي لتنمية الاتصال (IPDC) والمعني بتمكين وسائل الإعلام من أداء مهامها لدعم وبناء قدرات الصحفيين عبر البرامج والمبادرات التي يمولها البرنامج. وقد انتخبت السلطنة كعضو للفترة من 2015 – 2019 وعضو في المكتب التنفيذي للبرنامج خلال الفترة من 2016-2018، إضافة إلى تخصيص أيام عالمية للاحتفال بالقضايا الهامة في عالم الإعلام مثل اليوم العالمي لحرية الصحافة، واليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات وغيرها من التواريخ الهامة التي تسلط الضوء على أهم القضايا المتعلقة بموضوع الإعلام والاتصال.
إن الحديث عن حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام لا يجب أن يجتزأ عن الحديث عن مجالات أخرى ذات أهمية وتلامس المجتمعات أيضا بذات القدر وتعد مهمة في إيجاد توازن للمجتمع المعرفي الموجود في العصر الرقمي، وهو ما أعلنته اليونيسكو في عام 2014 لأهمية إيجاد مجتمع رقمي متوازن عبر التركيز على أربعة محاور وهي:
1.الانتفاع بالمعلومات والمعارف.
2.حرية التعبير.
3.حرمة الشؤون الشخصية.
4.الأبعاد الأخلاقية لمجتمع المعلومات.
حيث يوضح أهمية الأطر القانونية والتنظيمية أمام دعوات الحرية الصحفية وحرية التعبير، فأداء الإعلام لمهمته لا تتعارض مع المبادئ والمواثيق المتعلقة بالأخلاقيات الصحفية، وهو ما أجمعت عليه جميع المواثيق والقوانين بشأن كاحترام حقوق وسمعة الآخر وحماية الأمن الوطني والنظام العام والآداب العامة.

توصيات لتمكين وسائل الإعلام من القيام بدورها في تعميم حق الانتفاع بالمعلومات للجمهور

وحتى تتمكن وسائل الإعلام من تعميم حق الانتفاع بالمعلومات فإنها ينبغي أن تراعي تعدد القنوات والوسائل المستخدمة لإيصال المعلومات للناس عبر تنويع الأدوات والاستفادة القصوى من انتشار الإنترنت لتحقيق ذلك، والأخذ بعين الاعتبار عند إيصال المعلومات أن تكون قادرة على مخاطبة كل الفئات بما فيها أصحاب الإعاقة أو المتحدثين بلغات أخرى، والاستفادة من انتشار وقرب الناس وخاصة فئة الشباب من وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال المعلومات إليهم بالكيفية التي تكون جاذبة لهم ومقبولة، وتطوير اللغة المستخدمة في بث المعلومات بطرق تتناسب مع التقدم التقني والأنماط التي باتت مرغوبة ومستساغة أكثر لدى الناس في تلقي المعلومات، وسرعة وكفاءة توفير المعلومة بحيث تكون قابلة للاستفادة منها وفي التوقيت المطلوب فيه الحصول على تلك المعلومات وبالشكل الذي يمكَّن فيه المجتمع من التفاعل معها، إضافة إلى تطوير البنى الأساسية للمؤسسة الإعلامية لتتماشى مع التقدم التقني في توفير المعلومات وتعزيز بناء القدرات الصحفية في مجال توظيف التقنية كجانب مهم للإبقاء على ولاء الجمهور ومتابعته لمصادر أخبار المؤسسة الإعلامية وتعزيز الالتزام بمعايير المهنة الصحفية لدى موظفي هذه المؤسسات للتصدي أمام الكم الهائل من الإسقاطات المهنية في عالم الإعلام بمهنية ودون المساس بالأدوار الأساسية لها.
وفي المقابل فإن وسائل الإعلام في حاجة إلى تكاتف جهود الجميع معها لتكون قادرة على القيام بمهامها على أكمل وجه، من خلال توفير مراكز التدريب المهني والتعليم الأكاديمي الذي يمكن وسائل الإعلام من تطبيق أحدث الوسائل في هذا الجانب، وضرورة صنع شراكة حقيقية ما بين المؤسسات الرسمية والمجتمعية ووسائل الإعلام لتكون شريكاً أساسياً في توعية وتثقيف الناس عوضا عن كونها ناقل للخبر فقط من خلال إتاحة المعلومات لوسائل الإعلام من الحصول على المعلومة في الوقت المطلوب وعند الحاجة إليه والذي يمكنها بشكل أفضل من التعاطي بنفس السرعة مع الأخبار الزائفة والإشاعات، إضافة إلى إتاحة الفرصة لوسائل الإعلام لتمكين الحوار عبر التواصل والتفاعل مع ما ينشر من خلال منصاتها كوسيلة أيضا للتعاطي مع وجهات النظر المختلفة وخلق حوار إيجابي مع ما يمنح من معلومات لضمان وصول المعلومات واستيعابها أيضا.

تجربة محلية ناجحة لدور وسائل الإعلام في تعميم الانتفاع بالمعلومات (إعصار مكونو):

من التجارب المحلية الناجحة في تعميم الانتفاع بالمعلومات وإتاحتها للجمهور واستخدام وسائل الإعلام وإشراكها بفاعلية لتقليل حجم الأضرار وحماية الناس من الحصول على معلومات خاطئة أو إرشادات مضرة بهم هي خلال إعصار مكونو، حيث تكاتفت جهود المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام خلال تعرض أراضي السلطنة للإعصار في مايو 2018، والذي بدوره ساهم في إيصال المعلومات بالشكل الصحيح وفي التوقيت المناسب، وقد أشاد عدد كبير من المؤسسات والأفراد بالجهود الذي تمت لتغطية الإعصار والتحذيرات المصاحبة له، حيث قدمت المؤسسات المعنية بشكل عام ووسائل الإعلام على وجه الخصوص أنموذج رائع في العمل التكاملي والمنسق في آلية نشر ونقل المعلومات وتبسيطها للجمهور من أجل سلامتهم واطلاعهم على الأوضاع في المنطقة التي تعرضت للإعصار.
دروس مستفادة:
1. أهمية استمرار التفاعل مع الناس لتعزيز ثقة الجمهور بالوسيلة الإعلامية وتشجيع الناس على الاعتماد عليها لتلقي المعلومات عوضا عن تتبع الأخبار غير معروفة المصدر.
2. تمكين الوسيلة الإعلامية من الحصول على المعلومة من جهات الاختصاص والعمل على تبسيطها لإيصالها بالشكل الصحيح للناس.
3. تفاعل المؤسسات الأخرى عبر منصاتها في وسائل التواصل الاجتماعي لدحض أية شائعات أو أخبار من شأنها خلق بلبلة وربكة لدى الناس.
ويمكن لتجربة التعامل الإعلامي خلال فترة إعصار مكونو أن تكون أنموذج يحتذى به في الشراكة الحقيقية بين وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية الأخرى عبر توفير المعلومات في التوقيت المناسب وبالكيفية التي تساعد الناس على فهمها والاستفادة منها لتقليل أثر الشائعات ونشر المعلومات الصحيح.