السابعي: المعرفة أول وظيفة أداها الإنسان ومصادرها العقل والتجربة والملاحظة

العلم هو المحرك الأساسي للوجود وشرط من شروط الحياة التي ترتقي بالإنسان –
كتب – سالم بن حمدان الحسيني –

أوضح المحدث الشيخ الدكتور ناصر بن سليمان السابعي أن هناك ثلاثة مصادر للمعرفة أولها وأعلاها وأقواها هو الوحي والثاني العقل والثالث التجربة والملاحظة، مؤكدا أن الله سبحانه وتعالى أسس للإنسان هذه القواعد منذ اللحظات الأولى، وقد اكتملت أبعادها الثلاثة في المشهد الأول لوجود الإنسان على هذه الأرض، حيث إن أول وظيفة أداها الإنسان بعد الإيمان بالله هي دورانه في فلك المعرفة، فقد علّم الله تعالى الإنسان وجعله عارفا عالما متعلما معلما، كما أن القرآن الكريم عندما تكلم عن العلم لم يجعله شيئا هامشيا بل جعله شيئا أصيلا في حياة الإنسان حيث بسط مادة المعرفة التي من أدواتها: القلم والمداد والصحف والقراطيس والكتاب والنسخ وهي كلها موجودة في القرآن الكريم. مشيرا إلى أن العلم هو المحرك على مستوى الوجود الإنساني وهو شرط من شروط الحياة التي ترتقي بالإنسان.. جاء ذلك في محاضرة له ألقاها مؤخرا في جامع حي المعرفة بمنطقة الخوض بولاية السيب تحت عنوان: «المعرفة في القرآن الكريم».

وقد استهل السابعي محاضرته قائلا: المعرفة هي أول حركة للإنسان على هذه الأرض، وأول شيء عرف به الإنسان ربه على وجه هذه الأرض أن الله تعالى عليم، فبعد ان خلق الله تعالى آدم وسواه ونفخ فيه من روحه وجعله بشرا سويا علمه، (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) إذن على المستوى الفكري المعرفي العقدي فالإنسان آمن بالله إلها وعلما حكيما سبحانه، فأول شيء عرف الإنسان به ربه انه الخالق وانه العليم، فكان ان علم الله تعالى هذا الإنسان وجعله عارفا عالما متعلما معلما، فأول وظيفة أداها الإنسان بعد الإيمان هي دورانه في فلك المعرفة، فقد عُـلّم وعَلّم فالذي علمه هو الله جل شأنه، وهو سبحانه مصدر المعرفة الأول للإنسان، هذا يعني ان الوحي أعلى مراتب العلم والمعرفة، لأن مصدر المعرفة ثلاثة: الأول وهو أعلاها وأقواها الوحي والمصدر الثاني هو العقل والمصدر الثالث هو التجربة والملاحظة، فقد أسس الله سبحانه وتعالى للإنسان هذه القواعد منذ اللحظات الأولى، وهذه العملية ذات الأبعاد الثلاثية اكتملت في المشهد الأول لوجود الإنسان على هذه الأرض، فالمصدر الأول وهو الوحي حيث أوحى الله سبحانه وتعالى الى آدم معارف الأشياء ومسمياتها، والبعد الثاني وهو العقل لأن آدم عليه السلام سواه الله مكتملا من الجميع الجهات والجوانب، في الخلق، حيث اكمل له عقله ولبه، وجعله قادرا على الفهم ولذلك لم تحتج عملية المعرفة لدى آدم الى جهد كبير، والسبب وجود العقل، والأمر الثالث: التجربة والملاحظة، فقد علم الله سبحانه وتعالى الأسماء كلها، بجميع مسمياتها من حيوان وإنسان وشجر وحجر وغيرها، فإذن هذه الأبعاد الثلاثة اكتملت في المشهد الأول، والقرآن الكريم هنا يؤسس لشيء مهم جدا وهو ان وجود الإنسان على هذه الأرض وحياته وانطلاقه وتفوقه قائم على المعرفة بعد الإيمان المتصل بالله سبحانه وتعالى وهو الإيمان القائم على الوعي والفهم، فانطلاق الإنسان الآن وقديما وبعد سنوات قائم على المعرفة ولذلك العلم والمعرفة يدخل في كل شيء، فالحضارات قامت بالعلم.
وأضاف: حتى الكفر له منهج معرفي وهو الذي يسمى الكفر الممنهج فقوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) فهناك إذن إيحاء وهناك معرفة حتى في الكفر وهو الكفر الممنهج، وحتى الطغيان يقوم على العلم، فتلاحظوا ان كثيرا من الطغاة يتبنون نظريات تبرر وتفسر أفعالهم وطغيانهم وظلمهم، ففي قصة فرعون مثلا تجده يأتي ببراهين ويأتي بسحرة وبأكثر من شيء ليستدل بالجانب المعرفي على تصرفاته وأفعاله، مشيرا الى انه على مستوى الألوهية هو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى.. (العليم)، وأيضا على مستوى النبوة.. (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) فلا يوجد نبي غير عارف، فلم يطلب ذلك النبي من الله سبحانه وتعالى المال أو الجاه أو زيادة في الأبناء وإنما طلب العلم لأن العلم هو المحرك على مستوى الوجود الإنساني العلم شرط من شروط الحياة التي ترتقي بالإنسان، مبينا انه حتى في مجالات الحياة العادية أيضا لابد ان يدخل العلم ففي المجال الفتاوى على سبيل المثال نجد القرآن الكريم يؤسس نظرية في مجال الإفتاء واستنباط الأحكام.. كقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، مضيفا: انه لا يمكن ان يأتي جاهل ويستنبط حكما شرعيا، فهناك تخصصات في هذا المجال، لكن هناك الكثير اليوم ممن يتسورون على غير تخصصهم نجدهم في وسائل التواصل الاجتماعي لكن الحقيقة لابد من ان تكون هذه العلوم منظمة ذات تخصصات ومناهج، فعلى مستوى الدعوة الى الله مثلا يقول الحق سبحانه: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وقد قال العلماء ان البصيرة هي العلم والمعرفة، ومن ذلك التبصر في العلوم والتبصر في المهارات وفي أحوال الناس والتبصر في الواقع، فلا يمكن ان تدخل شيئا من هذه التخصصات إلا وسلاحك القوي هو العلم.
وأشار الى ان الحديث عن العلم هو حديث طويل والقرآن الكريم عندما تكلم عن العلم لم يجعله شيئا هامشيا بل جعله شيئا أصيلا في حياة الإنسان وفي حياة البشر، وفي حياة العلماء وفي حياة الأنبياء، وفي حياة العارفين فقد بسط مادة المعرفة ابتداء من أدوات المعرفة. موضحا ان أدوات المعرفة: هي القلم والمداد وهي أداة من أدوات نقل المعرفة وكذلك أصحف والقراطيس وأيضا الكتاب وهذه الأدوات كلها موجودة في القرآن الكريم، وحتى النسخ كقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله سبحانه: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) مبينا ان كل واحدة من هذه المفردات لها آيات تتكلم عنها، بل هناك سورة كما في سورة القلم: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)، بل إن أول وحي السماء لهذه الأمة أداة تحصيل المعرفة وهي القراءة، جاء ذلك في سورة العلق قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فلا يمكن ان يعيش الإنسان دون قراءة والذي لا يقرأ يعيش على الهامش خصوصا في هذا الزمان، حتى في الطريق العام لا يمكن أن يسير الإنسان دون معرفة ومن ذلك الذي يمتلك سيارة لا يمكن ان يقود سيارته دون ان تكون لديه رخصة قيادة وإلمام بقوانين المرور وأسس القيادة وإذا تعطلت تلك السيارة يجب ان يكون على معرفة كيف يصلحها أو يتواصل مع من يقوم بذلك، ففي الآيات السابقة لفتة غير طبيعية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة وهو رأي جمهور العلماء انه صلى الله عليه وسلم إنما سماه الله سبحانه وتعالى الأمي لأنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة وهناك رأي لبعض العلماء انه صلى الله عليه وسلم كان يعرف القراءة والكتابة، والآن أيضا توجد بعض الدراسات والأبحاث التي تقول أن الأمي ليست نسبة الى الأمية التي تعني عدم القدرة على القراءة والكتابة وإنما نسبة الى أم القرى، لكن جمهور العلماء يقولون بذلك وهناك أدلة وشواهد أقواها قوله جل شأنه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)، وهو من إعجاز الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ان عدم معرفته بالقراءة والكتابة إنما كانت في سياق التحدي والإعجاز، وإلا لكان هناك مبرر لأن يتهم هذا الوحي الشريف انه جاء من شخص آخر، واللفتة الكبرى هنا أن الله تعالى يقول لهذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب: اقرأ ويذكر له أداة الكتابة: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).. مبينا ان في ذلك ربط مباشر بين الرسالة الخاتمة وبين الرسالة الأولى في موضوع الخلق وهذا لو افترضنا أن الخلق هنا متوجه إلى خلق الإنسان، فكيف إذا توجه الخلق الى خلق الأكوان، لكان الربط أعمق وأبعد وأكثر سحقا في التاريخ والزمان من خلق الإنسان، بمعنى ان الله تعالى هو الذي خلق الكون فالربط هنا على امتداد ملايين السنين.
وأضاف: ليس هذا فحسب وإنما هناك مشهد وتصوير بديع في القرآن الكريم يعطي خيالا مكتنزا تتفتق منه صور مدهشة وهو قول الله جل شأنه: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فتعني الآية الكريمة انك أيها الإنسان عليك ان تتخيل في معادلة ذهنية مجردة ان جميع أشجار الأرض أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، وفي ذلك يقول العلماء ان نسبة الأرض اليابسة الى البحر بمقدار الضعف وهذا البحر اجعل وراءه سبعة أبحر وتخيل أن تلك الإعداد الهائلة من الأقلام ما نفدت كلمات الله، مشيرا الى ان لعل المراد من الآيات الكريمة لو أن الناس أرادوا كتابة معاني الكتاب العزيز وما فيه من أسرار وإعجاز كلمات الله لا تنفد ومعاني كلمات الله لا تنفد، وهذا على مستوى القلم، وهناك أيضا ذكر الله تعالى الكتاب والكتب والصحف والقرطاس والمداد وكذلك النسخ فإذن أدوات المعرفة متوزعة في كتاب الله سبحانه وتعالى. مضيفا: إن ما يلفت نظري دائما قصة سليمان عليه السلام مع بلقيس في سورة النمل، وقد ذكرت سابقا انه على مستوى النبوة ان النبوة من شروطها العلم فلا يجوز ان يكون النبي جاهلا، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، وقوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وفي حق داود وابنه سليمان عليهما السلام حكى الله عنهما ان لديهما معرفة غير عادية، فقال الحق سبحانه وتعالى في سورة النمل: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)، وفي سورة الأنبياء قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) مشيرا الى ان هاتين الآيتين وغيرهما من الكتاب العزيز تقرران جملة من القواعد، ولعل من سرد القصة في سورة النمل نتلمس بعض هذه القواعد ففي قوله تعالى في الآية الكريمة: (فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) التفضيل بين الناس يكون بجملة أشياء أرفعها مرتبة التقوى وهو الشيء المهم الذي يتفاضل به الناس، ولكن هناك تفضيل كذلك في الرزق وفي العلم وفي حسن القوام وتفضيل في المال وفي البنين والبنات، وتفضيل في المناصب والمراتب، لكن العلم أيضا من أوجه التفضيل. وفي قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) الملاحظ هنا أن هذه أسرة علمية، فإذن ربما يكون من ضمن القواعد أن الأسر العلمية يساعد بعضها بعضا في التنشئة العلمية.
فعادة العلماء تكون لهم صلة بالآباء لكن لا اقصد بذلك ان العلم يورث عبر الجينات، فلا يورث العلم من الأعمام ولا يرى بالليل في المنام، ولكن العلم يورث بالتعليم بتهيئة البيئة لأن من مكونات الإنسان البيئة سواء بيت المنزل او بيئة المدرسة او بيئة العمل او بيئة المحيط الذي يعيش فيه الإنسان.. مشيرا الى أسرة داود عليه السلام مميزة بجملة خصائص أولها العلم وثانيا النبوة وثالثا الكتاب ورابعا الملك، وكذلك الإيمان وهي الخصيصة الخامسة، مبينا ان هذه الخصائص جميعها لا تتوافر في أسرة أخرى.
وأشار السابعي إلى أن قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) يعني ان المعرفة ستتكرر في مواقف متعددة في حياة سليمان عليه السلام، فهذا نبي ويشكر الله على ان علمه ستلاحظون ارتباط النعمة بالشكر ومن النعمة العلم لان العلم رزق وكل شيء يأتيك من الله هو رزق حتى الأخلاق هي رزق واحيانا يكون الرزق بلاء، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) فنعوذ بالله من ان يكون رزق الإنسان تكذيبا وكفرا وضلالا وفسقا، فارتباط العلم الذي هو نعمة بالشكر، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) موضحا أن في هذا المشهد العظيم الجليل يتكرر شيء مهم جدا وهو ارتباط النعمة بالشكر، مبينا ان هذه لفتة غير طبيعية في حياة الناس، وهي أن النعم تستدام بالشكر وان هناك ملحظ مهم في سياق الآيات الكريمة وهو ان سيدنا سليمان يفهم كلام الطير وكلام النمل وهذا مستوى متقدم جدا في المعرفة. مشيرا الى ان رحلة الطير في قوله تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) هي رحلة معرفة حيث ان من رائها معلومات ومعرفة فهم لم يذهب للسياحة أو البحث عن طعام أو شراب وإنما هي سياحة معرفية، مبينا ان رد الهدهد لسيدنا سليمان عندما قال له: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) فيه لفتة وهذا فيه فتح المجال للصغار والشباب حيث ان لديهم فهم وإدراك ووعي وحب الاطلاع يجب ان يطلق لهم العنان لذلك الأمر. وتلك المشاهد تتكرر في القرآن الكريم الداعية الى التفكر والتأمل وذلك من باب التجربة والملاحظة التي هي مصدر من مصادر المعرفة حتى تبني القواعد والقوانين ولذلك نرى ان الحضارة المدنية قائمة على التجربة والملاحظة، كما ان الملاحظ ان العلم في قصة سليمان عليه السلام تتكرر في كل شيء ففي قوله تعالى: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا) يشير أيضا ان لديها معرفة لأن المعرفة من شأنها ان تعلّم دقة الاحكام، وفي ختام سرد هذه القصة يقول سبحانه: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ) فيه دلالة على ان سليمان عليه السلام انتصر في المعركة الفكرية وانتصر في المعركة الأخلاقية وفي المعركة العلمية حتى جاءت اللحظة الحاسمة (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).