عوامل النجاح

يحيى بن سالم الهاشلي / إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بروي –

«جعل الإسلام اعتقاد الرغبة في الإصلاح بإرادة القلب ليكون بذلك أدنى درجات العمل الإصلاحي الذي يلزم جميع الأفراد، وتكمن أهميته أن وجود الرغبة بالإصلاح وإن لم تتوفر وسائله يجعله عقيدة في النفوس طامحة له، بخلاف لو لم يكن للناس رغبة في نفوسهم للإصلاح فلا نفع لوجود وسائله عند انعدام الإيمان به فلا إصلاح بدون صلاح، كما أن آلية القيام بالإصلاح بالنسبة للفرد قد تختلف باختلاف موقعه الاجتماعي، وأمر الإصلاح ينبغي أن يقوم بالإرشاد فيه أهل الاختصاص، ولذلك جاء التوجيه الرباني لتكوين فئة تقوم بالإصلاح متسلحة بالمعرفة».

إن الإنسان بتميزه وتفرده بسمة الاختيار عن باقي الخلائق كانت له الحرية في سلوك أي سبيل يختار في حياته، وتلعب الظروف المحيطة بكل فرد دورا في اختياره ذلك السبيل، فالذي هو باق على الفطرة السليمة يسلك سبيل الخير والرشاد، والذي تلوثت فطرته يسلك سبل الشر والفساد، قال سبحانه وتعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، وقال سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، لذلك كان من اللازم لاستقرار حياة بني البشر أن يكون هناك صلاح يكون به العمران وإصلاح يتوجه لسد الخلل وقطع الإفساد، ويوضح النبي صلى الله عليه وسلم الحاجة للقيام بالإصلاح بضرب المثل بركاب سفينة منهم الصالحون والمفسدون، فقال:((مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا))، إن المجتمع كحال هذه السفينة فلا يكفي وجود الصالحين فيها لعدم فساده بل ينبغي منهم القيام بواجب الإصلاح، إذ لو ترك من أراد الإفساد وما أراد لعم خطره المجتمع أجمع.
وعند النظر في الكتاب العزيز نجد أن سورة العصر تقرر قاعدة نجاح الحضارات وخسرانها قال تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، إن عامل نجاح أي أمة وحضارة إلى جانب إيمانهم هو صلاح أعمالهم وتواصيهم بالحق والصبر على ذلك وهو القيام بالإصلاح، وضرب لنا في آي القرآن بأمثلة لأفراد صالحين مصلحين من رسل وأنبياء قاموا بواجب الإصلاح بإرشاد أممهم لسبل الرشاد ونهيهم عن المنكر والإفساد، فذاك صالح عليه السلام يدعو ثمود لعدم الإفساد بعد تذكيرهم بنعم الله عليهم وتمكينه لهم فقال: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، وشعيب عليه السلام في دعوته يصرح بإرادته الإصلاح من دعوته لهم وأن يتركوا ما هم عليه من إفساد وغش في التجارة فقال بعد أن سرد عليهم ما يقوموا به إنقاص المكيال الميزان وبخس الناس والإفساد في الأرض (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، وغيرهم من الرسل الكرام الذين بعثهم الله لصلاح البشرية وإصلاح ما فسد وزاغ عن الفطرة السوية، وأمر الإصلاح لم يتعلق بالرسل وحسب فلقد عرفت الشعوب قديما وحديثا شرقا وغربا ظهور مصلحين وحركات إصلاحية في الجوانب الدينية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن بقي أثر ذلك الإصلاح رهينا للفكر القائم عليه ومدى التزام الناس به ودافعيتهم لتقبله، كما أن بعض الحركات الإصلاحية كانت نتاج ردات فعل متطرفة للإفساد والفساد فما لبثت أن صارت فسادا أيضا، فلا نجاح للإصلاح إن لم يؤسس على منهج الإيمان والصلاح.
إن الإسلام لم يغفل أهمية الإصلاح في الحياة، فجعل أساس خيرية الأمة القيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى جانب الإيمان بالله (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، كما جعل فلاح أفراد الأمة مرتبطا بقيامهم بالإصلاح (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، فربط خيرية الأمة وفلاح أفرادها بقيامهم بواجب الإصلاح يجعله من فرائض الدين وأسسه التي يقوم عليها حفظ مجتمعاته، ويبين النبي صلى الله عليه وسلم مراتب الإصلاح المطلوبة من كل فرد فيقول:«من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، فيؤسس هذا النص النبوي منهجية الإصلاح في الإسلام فهو مطلوب من جميع الأفراد ولكن قدرة الفرد تحكم الآلية التي يقوم من خلالها بواجب الإصلاح، فاليد تعبر عن الاستطاعة بالأفعال وامتلاك السلطة للقيام بالإصلاح، واللسان عن الاستطاعة بالقول والفكر وما كان في نطاقه، وجعل الإسلام اعتقاد الرغبة في الإصلاح بإرادة القلب ليكون بذلك أدنى درجات العمل الإصلاحي الذي يلزم جميع الأفراد، وتكمن أهميته أن وجود الرغبة بالإصلاح وإن لم تتوفر وسائله يجعله عقيدة في النفوس طامحة له، بخلاف لو لم يكن للناس رغبة في نفوسهم للإصلاح فلا نفع لوجود وسائله عند انعدام الإيمان به فلا إصلاح بدون صلاح، كما أن آلية القيام بالإصلاح بالنسبة للفرد قد تختلف باختلاف موقعه الاجتماعي، فالأب في أسرته تكون له سلطة الإصلاح بالفعل ولو كان من أهل الفكر والعلم لكان له دور بالإصلاح بالقول في المجتمع، وإن كان من عوام الناس الذي لا يحسن قولا وفعلا لم يكن له في دور بالقول والفعل خشية أن ينقلب إصلاحه لإفساد، وهنا يأتي الدور التوجيهي للأفراد في الإصلاح، فكما أن مجالات الحياة المختلفة كالتعليم والصحة والاقتصاد والأمن وغيرها مما به قوام الحياة ينبغي أن توكل لأهل الاختصاص بها، فكذلك أمر الإصلاح ينبغي أن يقوم بالإرشاد فيه أهل الاختصاص، ولذلك جاء التوجيه الرباني لتكوين فئة تقوم بالإصلاح متسلحة بالمعرفة قال سبحانه وتعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)، إن الدين هو عماد الصلاح والإصلاح وإيجاد الفئة المتخصصة فيه لا يراد به إنشاء كهنوت وطبقة رجال دين وسطاء عن الله، فالإسلام لا يقر ذلك إذ كل مسلم رجلا كان أو أنثى مطلوب منه الصلاح والإصلاح، وأن ينطلق في عمله بالمعرفة التي إن جهلها يرجع فيها لأهل الاختصاص وهم هنا العلماء أهل الذكر، قال سبحانه :(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، فالدور المنوط بالعلماء هو توجيه وإرشاد الأمة للصلاح وللقيام بالإصلاح وفق المنهج الرباني ليتحقق للأمة النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.
كما وضع الإسلام منهجية يتبعها من أراد القيام بالإصلاح، فمن أبرز قواعد هذه المنهجية ما أرشد إليها الكتاب الكريم بقوله تعالى :(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، فينبغي لمن يقوم بدور الإصلاح أن ينضبط بما أرشدت إليه هذه الآية من وسائل في دعوته، فمن يقوم بالإصلاح يلتزم بالحكمة في الإرشاد إليه ومن الحكمة الرفق والترفق فلا يتشدد على الناس ويحملهم على الضيق مع وجود السعة والعسر مع إمكان اليسر، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يرسل أحدا من أصحابه يقول لهم ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا))، فالحرج والتضييق ينافي الحكمة ومقصود التشريع وفي ذلك قال العلماء «ليس العالم من أفتى الناس بورعه وإنما يفتي بما يسعهم من دينهم» وهنا تبرز مسألة معرفة المصلح لواقع الناس وأحوال فئات المجتمع ليتمكن من القيام بالإصلاح على بصيرة، كما ويرافق حكمته في الإصلاح الخطاب الحسن وحسن المجادلة إذ المطلوب جذب الناس لا تنفيرهم والتغلب عليهم بالمناظرة، وهذا القرآن يرشد النبي صلى الله عليه وسلم ألا يكون فظا مع أنه مبلغ الوحي عن الله إذ الفظاظة منفرة فكيف بمن هو دونه، قال تعالى :(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، ومن المنهجية التي وضعها الإسلام في الإصلاح أن يلتزم القائم به بإصلاح نفسه ابتداء ليتحقق له إصلاح غيره، إذ جاء الإنكار لمن يدعو للصلاح ولا يلتزم به (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، إن الداعي للإصلاح هو قدوة لمن يدعو فينبغي أن يكون مثالا لما يدعو إليه فيكون صالحا مصلحا، وأن يجعل نصب عينيه أنه يسلك سبيل صفوة البشر في دعوته للإصلاح ليقوي بذلك عزمه ويسدد قصده (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ).